
ترك برس
تشهد المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحربين في أوكرانيا وإيران تحركات مكثفة، وسط مخاوف من أن يؤدي تعثر المفاوضات إلى تصعيد عسكري واسع، في وقت تسعى فيه تركيا إلى توظيف علاقاتها مع مختلف الأطراف لدفع جهود التهدئة، وطرح مبادرات تتعلق بوقف القتال وضمان أمن الملاحة في البحر الأسود ومضيقي هرمز وباب المندب.
وقال الكاتب يحيى بوستان، في مقال بصحيفة «يني شفق» التركية، إن مستقبل الحربين لا يزال غامضاً، رغم وجود مبادرات للسلام في كلتا الحالتين، محذراً من أن الإخفاق الدبلوماسي قد يؤدي إلى اندلاع مواجهات أكثر تدميراً.
وأوضح أن التحركات الأخيرة، بما فيها زيارة وفد «تحالف مكة» إلى طهران، والاتصالات الهاتفية المتتالية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، والزيارة المفاجئة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى إسطنبول، تعكس وصول الجهود الدبلوماسية إلى أقصى حدودها الممكنة.
وأضاف الكاتب أن أنقرة باتت جزءاً من التحركات الرامية إلى تسوية النزاعين، مشيراً إلى أن كلاً من الولايات المتحدة وأوكرانيا تنتظر من تركيا دوراً في دفع المفاوضات وإقناع الأطراف المعنية بخيارات التسوية.
أوكرانيا.. واشنطن تضغط على كييف لإنهاء الحرب
وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، قال بوستان إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد إنهاء الحرب، وإن جميع الأطراف تتفق معه على ضرورة وضع حد لها، لكن الخلاف يتمحور حول كيفية تحقيق ذلك.
وأوضح أن ترامب يضغط على أوكرانيا بدلاً من روسيا، من خلال تعليق العقوبات المفروضة على موسكو، واستخدام المساعدات العسكرية والاستخباراتية المقدمة إلى كييف ورقة ضغط عليها، مطالباً زيلينسكي بعدم إطالة أمد الحرب.
وأشار إلى أن الدعم الأمريكي لأوكرانيا عُلّق لفترة قصيرة خلال الأيام الماضية، في وقت تعرضت فيه البلاد لهجمات روسية مكثفة، مضيفاً أن ترامب ذهب إلى حد إثارة مسألة إزاحة زيلينسكي من منصبه.
ورأى الكاتب أن زيلينسكي يبدو أنه استوعب الرسالة الأمريكية، بعدما جرى التوصل إلى تفاهم لبدء محادثات على المستوى الفني بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا في أبوظبي، بهدف بحث آليات إنهاء الحرب، والضمانات الأمنية التي يمكن تقديمها لكييف، إلى جانب إعادة تعريف العلاقات بين أوروبا وروسيا.
أنقرة تتحرك لدفع مفاوضات السلام وضمان أمن البحر الأسود
وقال بوستان إن الاتصالين الهاتفيين المتتاليين اللذين أجراهما ترامب مع أردوغان جاءا في هذا السياق، مرجحاً أن تكون القضية الأوكرانية حاضرة خلالهما، قبل أن يتوجه زيلينسكي إلى إسطنبول.
وأضاف أن مباحثات الرئيسين التركي والأوكراني ركزت على ملفين رئيسيين، أولهما مفاوضات السلام، إذ يسعى زيلينسكي إلى عقد قمة على مستوى القادة، تتجاوز المحادثات الفنية المرتقبة في أبوظبي، ويطلب من أردوغان إقناع ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالمشاركة فيها.
وأوضح الكاتب أن زيلينسكي يدفع منذ البداية باتجاه عقد لقاء على مستوى القادة، لأنه لا يعتقد أن المحادثات الفنية قادرة على تحقيق تقدم ملموس في مسار التسوية.
أما الملف الثاني، فيتعلق بأمن الملاحة في البحر الأسود، حيث أشار بوستان إلى أن كييف كانت قد راهنت، بدعم من قادة أوروبيين، على الاستغناء عن اتفاق ممر الحبوب الذي توسطت فيه تركيا، والاعتماد بدلاً من ذلك على تصدير الحبوب عبر السواحل الرومانية والبلغارية.
لكنه لفت إلى أن التطورات اللاحقة أظهرت مخاطر هذا التوجه، مع تعرض سفن لهجمات روسية قبالة سواحل بلغاريا ورومانيا، في حين تواصل تركيا المطالبة منذ فترة طويلة بوقف الهجمات على السفن في البحر الأسود.
وكشف الكاتب أن أنقرة طرحت، في هذا الإطار، مقترحاً لإنشاء ممرين آمنين للملاحة، أحدهما في شرق البحر الأسود والآخر في غربه، بما يوفر مسارات آمنة لأوكرانيا وروسيا، مشيراً إلى أن الجانب الأوكراني بات يقبل هذا المقترح.
وأضاف أن موافقة موسكو على المبادرة تتطلب، بحسب التقديرات المطروحة، تخلي أوكرانيا عن استهداف البنية التحتية للطاقة الروسية.
وفيما يتعلق بموقف كييف من مسار التسوية، نقل بوستان رسالة قال إن الجانب الأوكراني وجهها إلى أنقرة، ومفادها أن الحرب يجب أن تنتهي خلال العام الجاري، محذراً من أن امتداد المواجهات إلى عام 2027 قد يقود إلى «سيناريو كارثي».
وأشار إلى أن الرسالة الأوكرانية تضمنت تهديداً بتوسيع نطاق الرد على الهجمات الروسية، بما في ذلك استهداف الجسور والمصافي النفطية الروسية، إذا استمرت موسكو في ضرب البنية التحتية الأوكرانية.
وقال الكاتب إن كييف تعتبر العام الجاري عاماً ينبغي أن يتحقق فيه السلام، وإنها مستعدة لقبول المقترح التركي، على أن يكون وقف إطلاق النار المتعلق بالحبوب الخطوة الأولى نحو تسوية أوسع.
إيران.. مخاوف من هجوم أمريكي واسع واحتمال استخدام السلاح النووي
وفي الملف الإيراني، اعتبر بوستان أن المشهد أكثر تعقيداً، مشيراً إلى أن الحديث عن استعداد ترامب لشن هجوم كبير على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مستمر منذ فترة.
وأوضح أن الحرب وصلت إلى حالة من الجمود في مضيق هرمز، بالتزامن مع فرض الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً على إيران، قبل أن تفتح طهران، بحسب الكاتب، ورقة ضغط ثانية ومؤثرة في مضيق باب المندب، فيما تتواصل المواجهات على الجبهة اليمنية بوتيرة متصاعدة.
وأضاف أن عدداً كبيراً من السفن تعرض لهجمات في مضيق هرمز خلال الأسبوع الأخير، الأمر الذي يزيد تعقيد المشهد العسكري والأمني في المنطقة.
ولفت الكاتب إلى أن طبيعة الهجوم الذي قد تكون واشنطن بصدد الإعداد له لا تزال غير واضحة، مستشهداً بتصريحات السيناتور الديمقراطي الأمريكي كريس ميرفي، الذي قال إن أعضاء في الكونغرس أُطلعوا على خطط الهجوم، ووصفها بأنها «لا يمكن تصورها».
كما نقل عن المعلق الأمريكي تاكر كارلسون، المعروف بتأييده لحركة «ماغا» (لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً)، قوله إن إدارة ترامب قد تتخذ خلال أيام قراراً بشن هجوم نووي على إيران، تحت ضغط من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبحسب بوستان، أشار كارلسون إلى أن المنشأة النووية الواقعة في جبل كلان قد تكون أحد الأهداف المحتملة للهجوم.
ورأى الكاتب أن تسريب هذه المعلومات قد يكون أيضاً جزءاً من محاولة ممارسة الضغط على الوفد الإيراني خلال المفاوضات الجارية في العاصمة القطرية الدوحة، بوساطة قطرية.
مفاوضات الدوحة وشروط طهران لإنهاء المواجهة
وأشار بوستان إلى أن المفاوضات الجارية في الدوحة برعاية قطرية بدأت عقب رسالة وجهها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، تضمنت دعوة إلى التفاوض.
وأضاف أن إيران بدورها ترغب في التوصل إلى اتفاق، مستشهداً برسالة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، التي تدعو إلى إنهاء حالة «لا حرب ولا سلام».
وأوضح أن شروط طهران للتوصل إلى اتفاق تتمثل في رفع الحصار والعقوبات الأمريكية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب على جميع الجبهات، والاعتراف بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز.
وقال إن إيران تعرض، في حال قبول هذه الشروط، آلية لإعادة فتح مضيق هرمز خلال يومين.
وفي المقابل، نقل الكاتب عن الموقف الأمريكي تجاه أنقرة أن واشنطن تريد من إيران قبول الاتفاق، مشيراً إلى أن الرسالة الأمريكية مفادها: «ينبغي لإيران قبول الاتفاق. لم نعد نريد الحرب، لكن إذا لم توافق على التفاوض فسوف نشن هجوماً كبيراً للغاية. ويجب أن يدركوا ذلك».
منعطف حاسم بين السلام والتصعيد
وفي خلاصة مقاله، قال بوستان إن الحربين في أوكرانيا وإيران تقتربان من منعطف مهم، في ظل تأكيد الأطراف المعنية، خلال اتصالاتها وتحركاتها خلف الكواليس، رغبتها في التوصل إلى السلام، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تقديم تنازلات أو التراجع عن مواقفها.
وأضاف أن الأطراف، رغم اختلاف حساباتها ومصالحها، باتت تتشارك رسالة واحدة مفادها: «إذا لم نتمكن من تحقيق السلام، فستحل الكارثة».
ورأى الكاتب أن المرحلة الراهنة تمثل اختباراً حاسماً للدبلوماسية، في ظل تزايد المخاطر المرتبطة باستمرار الحربين، وما قد يترتب على فشل المساعي السياسية من مواجهات أوسع وأكثر تدميراً.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











