
برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
مع الإبادة الجماعية الهمجية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، بدأت مرحلة ما بعد الصهيونية في منطقتنا والعالم. فقد تجاوزت الشعوب الغربية جدران الخوف، وراحت تندد بشدة بالقتلة الصهاينة. وتجاوزت نسبة معاداة إسرائيل حاليا في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة، 70 بالمئة.
وقبل الانتخابات الأمريكية، كان كثير من المحللين يحذرون بالقول: «لقد خسرت إسرائيل الشعوب الأوروبية والأمريكية، وحان الدور على السياسيين». بل إن المعارضة الإسرائيلية نفسها أقرت قائلة: «العالم يقف ضدنا. والمجتمعات تنظر إلينا باعتبارنا مرتكبي إبادة جماعية وقتلة».
وهذا ما حدث بالفعل. ففي انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني، التي حقق فيها الديمقراطيون نجاحا تاريخيا، انتقل الموقف الأمريكي المناهض للصهيونية، وبفعل تأثير الحرب الإيرانية أيضا، من مستوى الشارع إلى السياسيين على نطاق واسع.
وتبين أن التصريحات التي كان يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أحيانا بنبرة ساخرة، في محاولة لكبح جماح إسرائيل المدللة، كانت تعكس حقيقة واقعة، ومن بينها قوله: «إذا استمر الوضع على هذا النحو، فسأكون آخر رئيس صهيوني للولايات المتحدة. اقبلوا وقف إطلاق النار في غزة. أنا أكثر رئيس عمل من أجل إسرائيل. ولا أحد يدعمكم غيري». حتى إن المشهد السياسي الأمريكي بات اليوم يخلو تقريبا من سياسيين يدعمون إسرائيل علنا باستثناء ترامب.
ولذلك، لم يكن المشهد الذي أفرزته انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني مفاجئا. فقد عزا الجمهوريون هزيمتهم إلى دعمهم لإسرائيل. ونائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس يصرح بذلك علنا بالفعل. وحتى ترامب أقر بهذه الحقيقة بصورة غير مباشرة، بل أعلن قبل الانتخابات بيوم واحد أنه ألغى مساعدات بقيمة 4 مليارات دولار كانت مقررة لإسرائيل.
أما الديمقراطيون، فهم يدركون أيضا أنهم حققوا الفوز بسبب معارضتهم الإبادة الجماعية والحروب التي يفرضها الصهاينة. ولم يقتصر الأمر على عبد السيد، الذي أصبح أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان، بل حقق أعضاء مجلس الشيوخ، مثل جيمس تالاريكو عن ولاية تكساس وتروي جاكسون عن ولاية مين، انتصارات تاريخية أيضا، من خلال إدانتهم الإبادة الجماعية في غزة والحرب على إيران، ومعارضتهم بيع الأسلحة لإسرائيل.
وبناء على ذلك، فإن المشهد السياسي الأمريكي، إلى جانب وسائل الإعلام الرئيسية مثل «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال» و«فايننشال تايمز» و«سي إن إن» و«فوكس نيوز» و«نيويورك تايمز»، يستعد حاليا لمرحلة ما بعد الصهيونية الجديدة في الولايات المتحدة. فالعدو والشيطان الجديدان اللذان بات الجميع يتفق عليهما هما إسرائيل. وعلى سبيل المثال، تناولت صحيفة «واشنطن بوست» المشهد الذي أعقب الانتخابات بالتعليق التالي:
«هناك توجه نادر يحظى بدعم الحزبين بدأ يكتسب أرضية متزايدة في البلاد، ويتمثل في ضرورة تعليق العلاقات الأمريكية الإسرائيلية».
وكانت العبارات التي وردت في المقال الذي نشرته «واشنطن بوست» في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، بعنوان «فكرة نادرة تحظى بتوافق الحزبين تكتسب زخما: العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بحاجة إلى استراحة»، وكتبه مايكل بيرنباوم وجيري شيه، لافتة للغاية...
«تستعد أمريكا لتحول كبير، بعد عقود كان فيها التشكيك في الروابط الوثيقة بين واشنطن وتل أبيب أمرا محفوفا بالمخاطر السياسية...».
ومن خلال هذه الخطوة، يدفع الكاتبان إلى مستوى أبعد التصريحات غير المألوفة التي أطلقها جي دي فانس، الداعي إلى «تغيير العلاقات مع إسرائيل». وبالتالي، لم يعد المجتمع الأمريكي وحده هو الذي يهدم تابو إسرائيل، بل إن السياسة والإعلام الأمريكيين يشاركان أيضا في إسقاطه. وقد رصدت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه الأجواء، فسارعت منذ الساعات الأولى إلى وصف نتائج الانتخابات بعبارة «ضربة تاريخية للصهيونية في الولايات المتحدة».
لا مجال للمراوغة. إن التابو الصهيوني ينهار إلى درجة أن إسرائيل قد تتحول، في ظل هذا المسار، إلى الممسحة الوطنية الجديدة للولايات المتحدة. فاليقظة الكبرى التي بدأت تتشكل لدى الشعب الأمريكي تجاه إسرائيل باتت تؤثر حتى في المؤسسة الحاكمة. بل إن المؤرخ الأمريكي فيكتور ديفيس هانسون ذهب إلى حد التحذير من أن إسرائيل قد تتحول في وقت قصير إلى العدو الجديد للولايات المتحدة.
ذلك أن الشعب الأمريكي يقول بحزم لا لبس فيه: «في الوقت الذي نعجز فيه عن الحصول على الرعاية الصحية، لن تذهب ضرائبنا بعد الآن لتمويل حروب إسرائيل القذرة». وقد عبّر الشعب عن رد فعله هذا في عام 2024، عندما أوصل ترامب إلى السلطة. وعندما لم يجد ما كان يأمله، منح الديمقراطيين المهمة الآن. ويشير المسار الراهن إلى أن الدولة والسياسة الأمريكية ستتحركان من الآن فصاعدا وفقا للمسار الجديد المناهض لإسرائيل الذي رسمه الشعب.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












