
عبد الله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
كان ترامب والمحافظون الجدد واللوبي الإسرائيلي (AIPAC) أكبر الخاسرين في الانتخابات الأمريكية. فقد طلب ترامب من ناخبيه أن يصوتوا وكأنه هو المرشح المطروح على صناديق الاقتراع. ويبدو أن الناخبين أخذوا كلامه على محمل الجد إلى حد كبير.
كانت استطلاعات الرأي تشير إلى أن الديمقراطيين سيحصلون على الأغلبية في مجلس النواب، بينما كانت المنافسة على مجلس الشيوخ مفتوحة. لكن النتائج تجاوزت بكثير ما كان متوقعاً. فقد مُني الجمهوريون بهزيمة ساحقة في كلا مجلسي الكونغرس. بل إن وصف ما حدث بالهزيمة وحده يُعد تخفيفاً من وطأة النتائج. إذ يجري وصف انتصار الديمقراطيين بتعبيرات من قبيل «الموجة الزرقاء» و«التسونامي الأزرق» و«الاصطدام النيزكي» و«العاصفة المثالية».
وكان ترامب قد قال بالفعل إن شن الحرب على إيران من أجل إسرائيل هو سبب هذه الهزيمة. أما نائب الرئيس جي دي فانس، فقد عبّر عن ذلك بصورة أكثر وضوحاً. وكان ترامب قد استهدف الجمهوريين الذين انتقدوا الهجمات على إيران، وفي مقدمتهم تاكر كارلسون ومارجوري تايلور غرين وتوماس ماسي. وقد بلغ الضغط حداً دفع غرين إلى الاستقالة حتى من عضوية الكونغرس.
كان كارلسون وغرين من أبرز المدافعين عن حركة ترامب «أمريكا أولاً» وحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» (MAGA). لكن ترامب خضع لجناح «إسرائيل أولاً» داخل المعسكر الجمهوري، واتخذ موقفاً مناقضاً لخطابه نفسه. ولم يغير شيئاً في هذا الوضع إعلانه، في اليوم الأخير، أن المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل، والبالغة 3.8 مليارات دولار، ستنتهي في عام 2027. فمدة هذه المساعدات كانت ستنتهي أصلاً في عام 2028.
وتُظهر استطلاعات الرأي التي أُجريت عند خروج الناخبين من مراكز الاقتراع أن الغالبية الساحقة منهم وضعت الهجمات على إيران وتداعياتها الاقتصادية في مقدمة العوامل المؤثرة في تصويتها. وقبل الانتخابات، كان غالبية الأمريكيين قد أظهروا بوضوح أنهم لا يوافقون على علاقة ترامب بإسرائيل، ولا على إنفاق دماء الأمريكيين وأموالهم عبر شن هجمات على إيران خدمةً للمصالح الإسرائيلية.
وكان لتجاهل ترامب مطالب ناخبيه عواقب، وقد حدث ذلك بالفعل. فالسبب الذي دفع مرشحة الحزب الديمقراطي كامالا هاريس إلى خسارة الانتخابات الرئاسية عام 2024 كان أيضاً عدم تعهدها بوقف الدعم العسكري لإسرائيل، التي كانت تنفذ إبادة جماعية في غزة، أو فرض قيود عليه. في حين كان الناخبون الديمقراطيون يطالبون هاريس تحديداً باتخاذ هذه الخطوة. لكنها لم تفعل ذلك، ومنحت ترامب بذلك نصراً ثانياً. أما ترامب، فقد فاز في تلك الانتخابات بعدما وعد بإنهاء الحروب وعدم خوض حرب جديدة.
وسعت القوى الراسخة المؤيدة لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي إلى إخفاء حقيقة أن الدعم غير المشروط لإسرائيل كان العامل الرئيسي وراء خسارتهم انتخابات 2024 عن أعين الجماهير. بل إنهم أخفوا تقرير تقييم نتائج الانتخابات لفترة طويلة. وما حدث للديمقراطيين عام 2024 يحدث الآن للجمهوريين. ومع ذلك، فإن ترامب، الذي ألقى بالجمهوريين تحت عجلات الحافلة، لا يزال يقول إن الهجمات على إيران كانت تستحق ذلك. كما يعترف ترامب بأنه بدأ هذه الحرب من أجل إسرائيل.
أما اللوبي الإسرائيلي، فقد كان حاضراً في قلب الانتخابات بكل قوته المالية. إذ ضخ أموالاً طائلة في دعم المرشحين الديمقراطيين والجمهوريين المؤيدين لإسرائيل. لكن النتائج التي حققها لم تكن تستحق كل ذلك. فقد خسر أبرز مرشحي اللوبي الانتخابات، وذهب ثلثا نفقات لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) الانتخابية إلى المرشحين الخاسرين.
وفي ولاية ميشيغان، ذهب اللوبي إلى حد وضع عضو الكونغرس الديمقراطية المؤيدة لإسرائيل، هيلي ستيفنز، خلف المرشح الجمهوري في اللحظة الأخيرة، بهدف إسقاط مرشح مجلس الشيوخ الدكتور عبد السيد. لكن نحو 60 ألف ناخب تبرعوا في اليوم نفسه لصالح السيد، احتجاجاً على ذلك، ما أدى إلى تغيير النتيجة بفارق كبير. وهكذا، نجحت القوة الشعبية التي تحركت وتعبأت في إفشال القوة المالية الهائلة للوبي الإسرائيلي.
وكانت إسرائيل حاضرة أيضاً في صناديق الاقتراع. فقد أقر الناخبون في مدينة بروفيدنس، عاصمة ولاية رود آيلاند، بأغلبية بلغت 75 بالمئة، لائحة تلزم البلدية بسحب استثماراتها من الشركات التي تهيئ الظروف للإبادة الجماعية والفصل العنصري وانتهاكات حقوق الإنسان.
وبذلك أصبحت بروفيدنس أكبر مدينة أمريكية تتخذ قراراً بسحب استثماراتها من إسرائيل. فمنذ سنوات طويلة، كانت صناديق المدينة تستثمر في السندات الإسرائيلية، التي تؤدي وظيفة القروض المباشرة وغير المشروطة لإسرائيل. كما انتُخب ديفيد موراليس، البالغ من العمر 28 عاماً، والذي كان من أبرز المدافعين عن الحملة المطالبة بإقرار هذه اللائحة، رئيساً لبلدية بروفيدنس.
وقد شن المحافظون الجدد المؤيدون لإسرائيل حملة دعائية مكثفة، زعموا فيها أن الهجمات على إيران لن يكون لها تأثير كبير في الانتخابات. كما شنوا حرباً شبه مفتوحة على تاكر كارلسون ورفاقه الذين حاولوا وقف ترامب. لكن نتائج الانتخابات أثبتت صحة موقف كارلسون ورفاقه.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












