ترك برس

تتربع مصر على عرش إنتاج التمور عالميا، مستحوذة على نحو خُمس الإنتاج العالمي بإجمالي يقترب من مليوني طن سنويا، وأكثر من 24 مليون نخلة، فيما تعد تركيا من أبرز المستوردين للتمور المصرية.

وتعد تركيا رابع أكبر مستورد للتمور على مستوى العالم، بعد الهند والمغرب والإمارات، ويستمر استهلاك التمور في تركيا في الإرتفاع بوتيرة سريعة – فمنذ موسم 2019/20 (يوليو-يونيو)، ارتفعت الواردات الإجمالية من التمور في البلاد بنحو 60٪ إلى 69 ألف طن.

ويبدأ حجم مشتريات التمور في الارتفاع في الخريف، ويبلغ ذروته في الشتاء والربيع (أي قبل شهر رمضان المبارك). وخلال الصيف، تكون واردات التمور في تركيا عند أدنى مستوياتها.

تفيد تقارير بأن الصدارة المصرية هذه من ناحية الكمية لا تنعكس بصورة موازية على خريطة العوائد التصديرية، أو النفوذ في الأسواق الدولية، ما يثير تساؤلات حول أسباب الفجوة بين الوفرة الإنتاجية وضعف القيمة الاقتصادية لسلسلة التمور.

وعادت هذه الإشكالية إلى الواجهة مع اختتام النسخة السادسة من "مهرجان القاهرة للتمور"، حيث أكدت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي استمرار تصدر مصر للإنتاج العالمي، وفق بيان رسمي صادر عن مجلس الوزراء، في وقت تشير فيه بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إلى أن الريادة الكمية لا تزال تصطدم بتحديات هيكلية تحد من تعظيم العائد الخارجي.

فجوة بين الإنتاج والعائد

وتكشف المعطيات المرتبطة بسوق التمور المصرية، بحسب تقرير لـ "الجزيرة" عن مجموعة من العوامل التي تفسر محدودية عائد التصدير رغم ضخامة الإنتاج، من أبرزها:

- ضعف التصنيع والقيمة المضافة
- قصور منظومات الفرز والتعبئة والتغليف.

- تحديات الالتزام بمعايير الجودة والتتبع الدولية.
- غياب سلاسل تخزين وإمداد متطورة.
- استحواذ السوق المحلي على الجزء الأكبر من الإنتاج.
- غياب علامة تسويقية عالمية قوية للتمر المصري.

ورغم ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولا تدريجيا في السياسات الحكومية من التركيز على "الكتلة الإنتاجية" إلى تعظيم "القيمة السوقية".

فمع تحديث نحو 200 منشأة صناعية، وتطوير سلاسل التعبئة، والتوسع في منافذ التوزيع عبر قارات متعددة، تقدمت مصر في ترتيب الدول المصدرة للتمور من المركز العاشر إلى الخامس عالميا، والثاني أفريقيا بعد تونس.

وبحسب بيانات رسمية، بلغت صادرات التمور المصرية خلال عامي 2024 و2025 نحو 105 ملايين دولار بإجمالي 88 ألف طن، وهي أرقام لا تزال محدودة مقارنة بحجم الإنتاج الكلي، إذ لا تتجاوز الصادرات نحو 2.7% من إجمالي الإنتاج السنوي.

خطة وزارة الزراعة

وعدّد المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة المصرية خالد جاد، في تصريحات للجزيرة نت أبرز محاور خطة الوزارة للنهوض بقطاع النخيل والتمور، وتعزيز القيمة المضافة وزيادة الصادرات إلى الأسواق الدولية، وفيما يلي أهم هذه المحاور:

- تطوير أكثر من 200 مصنع ومركز تعبئة بدعم حكومي وخاص.
- جذب استثمارات جديدة للقطاع الخاص في الإنتاج والتصدير.
- التوسع في الإنتاج عبر مزرعة شرق العوينات التي تضم 2.5 مليون نخلة.
إدخال أصناف جديدة وتحسين العمليات الزراعية لزيادة إنتاجية النخلة بأكثر من 25%.
تنفيذ إستراتيجية 2024-2029 بالتعاون مع منظمة الفاو لتطوير قطاع النخيل وإنتاج التمور.
رفع قيمة صادرات التمور الطازجة والمصنّعة إلى 250 مليون دولار سنويا.
خفض نسبة الفاقد إلى 15% وتقليل تكلفة سلسلة التوريد بنسبة 20%.

وتوقع المتحدث باسم وزارة الزراعة أن تتقدم مصر في قائمة الدول الأكثر تصديرا خلال السنوات الثلاث المقبلة، إذ أصبح لدى مصر منظومة كبيرة لإنتاج التمور في القطاعين الخاص والحكومي، سواء من الشتلات أو من المزارع الإنتاجية، ما يعزز القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق العالمية.

خريطة الأصناف والإنتاج

تمتلك مصر تنوعا واسعا في أصناف التمور، إلا أن هيكل الإنتاج ما يزال يميل إلى الأصناف التقليدية الموجهة أساسا للسوق المحلي.

ففي دلتا (شمال) ووادي النيل (وسط) تنتشر الأصناف الرطبة مثل الزغلول والسماني والحياني، وهي مرتفعة الإنتاجية، لكنها محدودة القدرة على التصدير بسبب قصر فترة صلاحيتها.

أما الأصناف نصف الجافة، وعلى رأسها السيوي (الصعيدي) والعجلاني والعمري، فتمثل العمود الفقري للصادرات التقليدية بفضل قدرتها على التخزين والتحمل، خاصة نحو أسواق المغرب العربي وبعض الدول الآسيوية.

وفي جنوب البلاد، تنتشر أصناف التمور الجافة مثل السكوتي والبرتمودا والملكابي.

وفي المقابل، تتوسع الدولة المصرية مؤخرا في زراعة الأصناف عالية القيمة التصديرية مثل المجدول والبرحي والسكري والخلاص، وذلك ضمن مشروعات الاستصلاح الكبرى في توشكى (أقصى الجنوب) وشرق العوينات والوادي الجديد (الجنوب الغربي)، بهدف تحسين جودة الصادرات وزيادة العائد الاقتصادي.

تحديات أمام المصدرين

يرى عدد من مصدري وموزعي التمور في مصر أن محدودية الصادرات مقارنة بضخامة الإنتاج تعود إلى عوامل تنظيمية وتسويقية، تجعل الاستهلاك المحلي الوجهة الرئيسية للمحصول.

ويقول عبد الرازق أبو يونس، صاحب شركة "كيان" لتصدير التمور، إن بلاده أحرزت تقدما ملحوظا في الإنتاج والتصدير، لكن الصادرات لا تزال غير متناسبة مع حجم الإنتاج، معتبرا أن "الكم يفوق الكيف".

وأكد أبو يونس في حديثه للجزيرة نت أن تعزيز القدرات المؤسسية وبناء منظومات إرشاد وتنظيم للمنتجين والمصنعين، مع التركيز على الأصناف القابلة للتسويق عالميا، يمثل خطوة أساسية لرفع التنافسية.

فيما دعا فتحي أبو الفتوح، صاحب شركة "الإيمان" للتمور، إلى إنشاء هيئة تنظيمية متخصصة لإدارة سلسلة القيمة الكاملة لقطاع التمور، بدءا من خدمة النخيل والزراعة، مرورا بالتصنيع والتعبئة، وصولا إلى التسويق والتصدير، بما يضمن مطابقة المنتج لمتطلبات الأسواق الدولية.

وأشار أبو الفتوح إلى أن أسواق جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وماليزيا وبنغلاديش، إضافة إلى تركيا والمغرب، تُعد من أبرز الوجهات المستوردة للتمور المصرية، مؤكدا أن المنتج المحلي يمتلك ميزة تنافسية تجمع بين الجودة والسعر.

وتمتلك أكبر مزرعة تمور في العالم بمنطقة شرق العوينات جنوب غرب الصحراء الغربية، والتي تضم نحو 2.5 مليون نخلة مزروعة بـ8 من أفخر الأصناف العربية والعالمية، من بينها البرحي والمجدول والصقعي والخلاص والسكري، في خطوة تعكس توجها إستراتيجيا نحو الأصناف الأعلى قيمة في الأسواق الدولية.

وبين وفرة الإنتاج وتحديات التسويق والتصنيع، يبقى مستقبل التمور المصرية مرهونا بقدرتها على الانتقال من صدارة الكمية إلى ريادة القيمة، بما يحول "الذهب البني" إلى رافد اقتصادي أكثر تأثيرا في التجارة العالمية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!