
ترك برس
في ظل تصاعد التوترات وتعدد بؤر الأزمات في المنطقة، حدد مجلس الأمن القومي التركي أبرز أولويات أنقرة الإقليمية، مؤكدا أهمية التعاون مع سوريا والعراق، ومجددا مواقفه إزاء التطورات في غزة والتصعيد بين إيران والولايات المتحدة.
وأكد مجلس الأمن القومي التركي أمس الخميس، أهمية التعاون متعدد الأبعاد مع سوريا والعراق في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها وازدهارها.
وشدد المجلس في بيان عقب الاجتماع برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان على أن التعاون الذي تطوره تركيا مع سوريا والعراق يشكل ركيزة مهمة لدعم الأمن والاستقرار بالمنطقة، مؤكداً استمرار أنقرة في تقديم أقصى إسهام ممكن في المسارات الهادفة إلى تعزيز التعاون والتضامن الإقليمي.
في سياق متصل، أشار المجلس إلى أنه بحث خلال اجتماعه أيضاً التقدم المحرز في مسار “تركيا بلا إرهاب”، وآخر المستجدات المتعلقة بمكافحة التنظيمات الإرهابية التي تستهدف البلاد في الداخل والخارج، كما تمت مناقشة المراحل التالية من الجهود لضمان أمن البلاد والمنطقة واستقرارهما وازدهارهما، بحسب ما نقلته وكالة "سانا" للأنباء.
وفي الشأن الفلسطيني، دعا المجلس المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، محذراً من مواصلة الاعتداءات على الأراضي الفلسطينية والأماكن المقدسة.
كما حذر المجلس من مخاطر اتساع الصراع بين إيران والولايات المتحدة ليشمل دول المنطقة ومسارات التجارة العالمية، داعياً جميع الأطراف إلى تجنب التصعيد والعودة إلى المفاوضات لإحلال سلام دائم.
وأكدت وزارة الدفاع التركية في وقت سابق اليوم الخميس، أن القضاء نهائياً على الإرهاب في إطار رؤية “تركيا بلا إرهاب”، سيسهم بشكل كبير في تعزيز السلام والأمن والاستقرار، ليس فقط في البلاد، بل في المنطقة بأسرها.
مجلس الأمن القومي التركي.. منصة رسم السياسات الأمنية والإستراتيجية
يُعد مجلس الأمن القومي التركي (MGK) أحد أبرز المؤسسات المعنية بصياغة الرؤية الأمنية والإستراتيجية للدولة، إذ يجمع في إطار واحد أعلى القيادات السياسية والعسكرية لبحث التحديات الداخلية والخارجية وتقديم التوصيات المتعلقة بسياسة الأمن القومي. وتصفه الأمانة العامة للمجلس بأنه أعلى هيئة تنسيق في تركيا في مجال الأمن والدفاع.
ويرأس المجلس رئيس الجمهورية، ويضم نواب الرئيس ووزراء العدل والدفاع والداخلية والخارجية، إلى جانب رئيس هيئة الأركان وقادة القوات البرية والبحرية والجوية. ويمكن، بحسب طبيعة جدول الأعمال، دعوة وزراء ومسؤولين آخرين للمشاركة وتقديم آرائهم. ويجتمع المجلس بصورة دورية كل شهرين، كما يمكن للرئيس الدعوة إلى اجتماعات إضافية عند الضرورة.
وتعود جذور منظومة الأمن القومي التركية إلى عام 1933، عندما أُنشئ "مجلس الدفاع الأعلى" للتعامل أساسا مع قضايا التعبئة والدفاع. أما مجلس الأمن القومي بصيغته الدستورية، فظهر مع دستور عام 1961، قبل أن يتعزز موقعه بعد دستور 1982، الذي منحه دورا واسعا في مناقشة قضايا الأمن القومي وإبلاغ الحكومة بتوصياته.
وشهد المجلس تحولا كبيرا خلال مسار الإصلاحات المرتبطة بسعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مطلع الألفية. فقد أدت تعديلات دستورية وتشريعية بين عامي 2001 و2003 إلى تقليص بعض صلاحياته وتوسيع الحضور المدني داخله، كما أتاحت للمرة الأولى تعيين شخصية مدنية في منصب الأمين العام للمجلس، في خطوة عُدّت جزءا من إعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية.
ومع الانتقال إلى النظام الرئاسي عقب التعديلات الدستورية لعام 2017 ودخولها حيز التنفيذ في 2018، أصبح المجلس أكثر ارتباطا بمؤسسة الرئاسة. فالرئيس يترأس اجتماعاته ويحدد جدول أعماله، وتُرفع إليه توصيات المجلس المتعلقة بالسياسة الأمنية والتدابير المقترحة لحماية الدولة واستقلالها ووحدة أراضيها والأمن المجتمعي.
ومع ذلك، لا يمتلك مجلس الأمن القومي في النظام الدستوري الحالي سلطة تنفيذية مستقلة، إذ تعد قراراته ذات طبيعة استشارية وتوصيات تُرفع إلى رئيس الجمهورية لتقييمها. وقد أكدت المحكمة الدستورية التركية أن قرارات المجلس لا تنتج أثرا تنفيذيا بذاتها ما لم تتبنها السلطة التنفيذية بقرار منفصل.
وتنبع أهمية المجلس عمليا من كونه نقطة التقاء بين الرئاسة والمؤسسات الدبلوماسية والأمنية والعسكرية، ما يجعله منصة رئيسية لتقييم الملفات التي تمس الأمن القومي وصياغة التوجهات العامة بشأنها. وتشمل اجتماعاته عادة مكافحة الإرهاب، والتطورات في سوريا والعراق، وأمن الحدود، والحروب والأزمات الإقليمية، والعلاقات مع القوى الدولية، إلى جانب ملفات الطاقة والاقتصاد والأمن المجتمعي عندما تكون لها أبعاد مرتبطة بالأمن القومي. وتظهر بيانات اجتماعاته خلال عام 2026 استمرار هذا الدور في مناقشة ملفات من قبيل مسار "تركيا بلا إرهاب" والتطورات الإقليمية والصراعات المحيطة بالبلاد.
ولا تعني بيانات مجلس الأمن القومي بالضرورة صدور قرارات تنفيذية مباشرة، لكنها تكتسب أهمية سياسية خاصة لأنها تعكس التقييم المشترك لأعلى مستويات الدولة بشأن القضايا الإستراتيجية، وغالبا ما تقدم مؤشرات واضحة إلى الأولويات التي تعتزم أنقرة التركيز عليها في سياساتها الأمنية والخارجية خلال المرحلة التالية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











