ترك برس

في أعماق تربة الأناضول البركانية، حيث حفرت الأجيال القديمة عوالم سرية تحت سطح الأرض، تقف مدينة القديس ميركوريوس تحت الأرض شاهداً حياً على صمود الإيمان في وجه الاضطهاد. 

تقع هذه المدينة الأثرية الفريدة في بلدة ساراتلي التابعة لقضاء غولأغاتش بولاية أكساراي، وتُعد واحدة من أبرز المعالم التاريخية في منطقة كابادوكيا. إنها ليست مجرد شبكة من الأنفاق والغرف، بل سرد حي لقصة قائد روماني تحول إلى قديس، وملاذ آمن للمسيحيين الأوائل في زمن كانت فيه ديانتهم محظورة.

تعود أصول هذه المدينة إلى منتصف القرن الثالث الميلادي، وتحديداً إلى حوالي عام 250 ميلادية، عندما كان المسيحيون يواجهون اضطهاداً شديداً في الإمبراطورية الرومانية. سُميت المدينة باسم القديس ميركوريوس، وهو قائد عسكري روماني عاش بين عامي 225 و250 ميلادية. 

وُلد ميركوريوس في منطقة كابادوكيا، وأعلن إيمانه بالمسيحية، فنفاه الإمبراطور إلى مسقط رأسه. هناك قُطع رأسه، وأُرسل جثمانه إلى مصر، وفقاً للروايات التاريخية. تحول المكان إلى ملجأ للمؤمنين الهاربين، ثم استمر استخدامه في العصور اللاحقة، خاصة خلال الفترة البيزنطية (الروم الشرقية).

تتألف المدينة من سبعة طوابق محفورة في الصخر البركاني الناعم، غير أن ثلاثة طوابق فقط جرى تنظيفها وفتحها أمام الزوار حتى الآن. يبدأ الدخول عبر خان سلجوقي قديم يُعرف محلياً باسم «ديفيليك»، ومنه تمتد الممرات والغرف المترابطة التي تؤدي جميعها إلى الكنيسة المركزية. 

وتتميز هذه الكنيسة بكونها أكبر حجماً من الكنائس المعتادة في المدن تحت الأرض، إذ تشبه الكاتدرائية في تصميمها، وتحتوي على أعمدة وأقبية منحوتة بعناية. على أرضية الكنيسة اكتُشفت نحو 20 قبراً تعود لأطفال وبالغين، وفي أحدها وُجد هيكلان عظميان لرجل وامرأة مدفونين فوق بعضهما في التابوت نفسه. كما تنتشر داخلها علامات صلبان مختلفة الأشكال، مما يؤكد استمرار استخدامها كمكان للعبادة حتى فترات متأخرة.

خلال أعمال التنقيب، عُثر أيضاً على جرار لتخزين المؤن، وآبار مياه، ومطابخ، ومنازل للحمام، وغرف معيشة، مما يشير إلى أن السكان كانوا قادرين على البقاء داخل المدينة لأشهر دون الحاجة إلى الخروج. وفي أحد أركانها يقع ضريح يُعرف بـ«ديفيلي دام»، يقصده السكان المحليون لتقديم النذور، وإلى جواره غرفة تحتوي على نقوش حجرية تشبه البط أو البجع.

تُصنف مدينة القديس ميركوريوس، إلى جانب مدينة كيركغوز تحت الأرض المجاورة لها في ساراتلي، من بين أكثر المواقع زيارة في كابادوكيا. وهي تابعة لوزارة الثقافة والسياحة التركية، وتعمل يومياً من الساعة 8:30 صباحاً حتى 19:00 مساءً، ويُقبل فيها بطاقة «موزه كارت» للمواطنين الأتراك. 

ويوفر الموقع تجربة هادئة بعيداً عن الازدحام السياحي الكثيف في بعض مناطق كابادوكيا الأخرى، مما يجعله وجهة مثالية لمن يبحث عن استكشاف التراث المسيحي المبكر والهندسة المعمارية تحت الأرض في بيئة أصيلة.

هكذا تبقى مدينة القديس ميركوريوس تحت الأرض رمزاً للصمود الإنساني والإيماني، تروي لزوارها قصة ملايين السنين من الجيولوجيا إلى جانب قرون من التاريخ الروحي في قلب تركيا.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!