
ترك برس
يشهد الإقليم في الأيام الأخيرة سلسلة تطورات متسارعة تربط بين الجبهة الإيرانية واليمن والتحالفات الدفاعية الجديدة والملف الليبي في شرق المتوسط. وفي هذا السياق، يقدّم الكاتب التركي يحيى بستان في مقال نشرته صحيفة يني شفق قراءة مترابطة ترى أن ما يجري ليس أحداثاً منفصلة، بل جزءاً من مشهد أوسع يعيد رسم التوازنات، ويمنح تركيا مكاسب استراتيجية جديدة، في وقت تتجه فيه بعض الأطراف إلى رفع التوتر للتعويض عن خسائرها.
يشير الكاتب في البداية إلى تحركات جوية إسرائيلية قرب المجال الجوي الإيراني، حيث كتب سابقاً عن أسطول كبير غيّر مساره وعاد، معتبراً أنه ربما كان رحلة اختبار لقياس قدرات الدفاع الجوي الإيراني. ثم يستند إلى تقرير موقع «أكسيوس» الذي تحدث عن عشرات الطائرات الحربية نفذت رحلة ثانية امتدت حتى الحدود الإيرانية قبل أن تعود. وينقل عن مسؤولين أمريكيين أن إسرائيل كانت تأمل في أن يفتح الإيرانيون النار على الطائرات لتوفير ذريعة لبدء هجوم. ويرى بستان أن هذه التطورات تدل على أن الجبهة الرئيسية في إيران قد بدأت تسخن من جديد، بينما تتعمق الاشتباكات في اليمن حيث يضرب الحوثيون المطارات والمنشآت الطاقة.
وينتقل الكاتب إلى البعد التحالفي، فيشير إلى وصول اتفاق تحالف مكة المتعلق بالدعم الدفاعي للسعودية إلى البرلمان التركي، ثم يسلط الضوء على تطور مفاجئ تمثل في توقيع وزراء دفاع قطر وإندونيسيا وباكستان وتركيا على مذكرة تفاهم بدر في الدوحة. ويوضح أن هذه المذكرة اتفاق تعاون في الصناعات الدفاعية يشمل شراكات الشركات وتبادل المعرفة التقنية والإنتاج والتوريد، وأن مثل هذه التعاونات تؤدي ضمناً إلى تقريب الإجراءات التدريبية العسكرية وزيادة الحوار بين الجيوش. ويعتبر أن المذكرة تلبي حاجة قطر إلى دعم في ظل ما يراه تردداً سعودياً في ضمها إلى تحالف مكة.
وفي السياق نفسه، يبرز الكاتب أهمية الاجتماع الذي يُعقد اليوم في إسطنبول بين الرباعية الإقليمية (تركيا والسعودية ومصر وباكستان) والثلاثي الأوروبي (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) برعاية وزير الخارجية هاكان فيدان. ويرى أن هذا اللقاء يرسل رسالة إلى الفاعلين من خارج المنطقة بأن الفاعل المؤسسي المتعدد الأطراف المعني بالقضايا الإقليمية هو الرباعية أو تحالف مكة، مما يعزز الوزن الدبلوماسي والعسكري لهذا التحالف، ويمكّن تركيا في الوقت ذاته من استخدامه كورقة ضغط في علاقاتها مع أوروبا. ويؤكد أن الاجتماع يأتي في ظرف يوجه فيه الاتحاد الأوروبي انتقادات حادة لتركيا بسبب التطورات في ليبيا، إلا أن الأوروبيين اضطروا رغم ذلك إلى الحضور إلى إسطنبول.
ويخصص الكاتب الجزء الأهم من تحليله للقرار التاريخي الذي اتخذه مجلس النواب الليبي بالموافقة بالإجماع على الاتفاق المبرم عام 2019 بين تركيا وحكومة طرابلس بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية في المتوسط. ويعتبر هذا القرار حدثاً تاريخياً لسببين: الأول أنه أكمل «العمل الناقص»، إذ كان عدم موافقة المجلس سابقاً يمنح اليونان ذريعة للطعن في الاتفاق بحجة أنه لم يُصدَّق برلمانياً، بينما كان المجلس آنذاك تحت سيطرة الجنرال حفتر المدعوم من مصر. أما اليوم، فقد طورت تركيا علاقاتها مع شرق ليبيا، وأصبح حفتر وابنه صدام من الشركاء المهمين لأنقرة، ولعب رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين دوراً محورياً في الوصول إلى هذه المرحلة من خلال زياراته المتكررة والحفاظ على توازن دقيق بين الأطراف. أما السبب الثاني فيتمثل في أن الموافقة جاءت في ظرف مشابه لظروف 2019، حيث كانت اليونان، مستفيدة من حرب إيران ومعمقة تحالفها مع إسرائيل، تسعى إلى تغيير الوضع القائم في قبرص وبحر إيجة والمتوسط عبر نشر أنظمة دفاعية ومد كابل كهربائي عبر الجرف القاري التركي دون إذن. وبذلك، أعاد الاتفاق الليبي خلط الأوراق من جديد.
ويختتم بستان مقاله بتحذير من احتمال ارتفاع التوتر، مشيراً إلى أن أثينا تعرضت لهزيمة استراتيجية كبيرة مع اقتراب انتخاباتها، وقد تلجأ إلى خطوات مضادة لتخفيف أثرها. ويتوقع أن يكون محور التوتر المحتمل إما ملف الكابل الكهربائي، حيث كانت هناك إشارات تليين سابقة من الشركة الفرنسية المعنية، أو إعلان اليونان منطقة 12 ميلاً جنوب جزيرة كريت وغربها. ويؤكد أن التطور الليبي يظهر أن كل محاولة يونانية لتضييق المجال التركي انتهت بخسارة أكبر لأثينا، وأن الخيار المعقول هو الحوار مع تركيا من أجل تقاسم عادل، مشدداً على أن أنقرة جاهزة وتنتظر.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











