
ترك برس
تتحرك تركيا على أكثر من مسار لتعزيز حضورها الأمني والاستراتيجي في محيطها الإقليمي، في وقت تتداخل فيه ملفات شرق المتوسط مع تطورات الخليج، وتتزايد فيه أهمية الشراكات الدفاعية في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي.
وفي هذا السياق، يبرز تطوران لافتان: موافقة مجلس النواب الليبي في شرق البلاد على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019، وإحالة اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان إلى البرلمان التركي للمصادقة.
ويطرح تزامن الخطوتين تساؤلات بشأن أبعادهما السياسية والاستراتيجية، وما إذا كانتا تعكسان توجهاً تركياً نحو توسيع شبكة علاقاتها الأمنية من شرق المتوسط إلى الخليج.
تقول الكاتبة والصحفية هانده فرات في تحليل نشرته صحيفة «حرييت»: «في السياسة الخارجية وصل خبران مهمان من جغرافيتين متباعدتين جداً. أحدهما من جنوب المتوسط، من ليبيا. والآخر من الخليج، من اتفاق الدفاع مع السعودية وباكستان. يبدوان للوهلة الأولى مستقلين. لكن عندما نضع التطورين جنباً إلى جنب نواجه السؤال نفسه: هل تؤسس تركيا هندسة أمنية جديدة تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج؟ في أحدهما يغيّر هيكل سياسي وقف سنوات ضد تركيا موقفه. وفي الآخر توقع ثلاث دول اتفاقاً دفاعياً يعتبر الهجوم المسلح على إحداها هجوماً على الجميع. فضلاً عن أن هذين التطورين المهمين يجريان والعالم يمر عبر حروب تمتد من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وتنافس القوى الكبرى».
وتتناول فرات تغيير موقف جبهة حفتر في ليبيا. ففي 20 تشرين الأول وافق مجلس النواب في شرق ليبيا على مذكرة التفاهم بشأن مناطق الولاية البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019. ولتفهم أهمية القرار ينبغي العودة إلى 2019، حين وقّعت تركيا مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس مذكرة تحديد مناطق الولاية البحرية. لكن ليبيا كانت منقسمة: في الغرب إدارة طرابلس، وفي الشرق نفوذ عسكري وسياسي لخليفة حفتر. ودعمت تركيا الحكومة الغربية في مواجهة هجوم قوات حفتر على طرابلس، بينما عارض مجلس النواب الشرقي عام 2020 الاتفاقيات مع تركيا واتخذ قراراً بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.
وتقول الكاتبة: «الآن يسحب البرلمان نفسه هذه القرارات. بل ويوافق على مذكرة مناطق الولاية البحرية لعام 2019. وهذا ليس مجرد إجراء قانوني. إنه إعلان سياسي عن التغير في موازين القوى في ليبيا». وتوضح أن أنقرة طورت في السنوات الأخيرة علاقاتها ليس مع طرابلس فحسب بل مع بنغازي أيضاً، وزادت الاتصالات مع عائلة حفتر، واكتسبت العلاقات الاقتصادية والعسكرية بعداً جديداً. وقد يكون الهيكل السياسي في شرق ليبيا أدرك أن المواجهة المستمرة مع تركيا لا تخدم مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية. كما تغيرت توازنات القيادة مع مغادرة رئيس المجلس عقيلة صالح، المعروف بقربه من مصر، منصبه هذا الشهر، مما سهّل اتخاذ القرار. أما التصريح الأكثر لفتاً فجاء من صدام حفتر الذي قال إن الاتفاق يمكن أن يساعد في حماية المصالح الاقتصادية لليبيا في المتوسط. وتؤكد فرات أن أنقرة تتقدم نحو موقع يمكنها فيه أن تجد صدى دبلوماسياً واقتصادياً ليس في غرب ليبيا فحسب بل في شرقها أيضاً، مع التأكيد على أن ذلك لا يعني انتهاء الانقسام، فليبيا ما زالت تمتلك مراكز سياسية وعسكرية متنافسة.
وعن رد الفعل اليوناني الحاد، توضح الكاتبة أن المسألة ليست ليبيا فقط. فالمجالات البحرية جنوب كريت، وأنشطة البحث عن الطاقة، وادعاءات الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة مطروحة على الأجندة. وتدافع أنقرة عن ضرورة مراعاة الخصائص الجغرافية للسواحل ومبدأ الإنصاف، بينما ترى أثينا أن مناطق الولاية البحرية للجزر اليونانية أُهملت. وأعلنت وزارة الخارجية اليونانية أن قرار البرلمان الليبي لم يجعل مذكرة 2019 سارية قانونياً، وأنها ستتخذ الخطوات اللازمة لحماية حقوق السيادة. وانضم الاتحاد الأوروبي إلى هذا الرد الحاد. ويؤكد أن القرار لا يلغي الاعتراضات الدولية على الاتفاق من تلقاء نفسه، لكنه يغيّر التوازنات السياسية، لأن الجبهة الشرقية التي أقامت أثينا معها علاقات وثيقة لسنوات تدعم الآن المذكرة مع تركيا.
وفي اليوم نفسه جاء خبر مهم آخر من أنقرة: تقديم اتفاق مكة للدفاع المشترك الموقع في 7 آب/أغسطس 2026 بين تركيا والسعودية وباكستان إلى البرلمان التركي للمصادقة. وتلفت فرات الانتباه إلى المادتين الأوليين تحديداً. فالمادة الأولى تنص على تعاون الأطراف لحماية استقلال كل منها وسيادته وسلامة أراضيه وحدوده المعترف بها دولياً. أما المادة الثانية فتذهب أبعد، إذ تعتبر أي هجوم مسلح خارجي على أحد الأطراف هجوماً على جميع الأطراف. وتقول إن هذا الترتيب يذكّر بمنطق الدفاع الجماعي في الناتو، ويؤسس إطاراً جديداً للتعاون الدفاعي الإقليمي.
وتوضح أن النص يقول إن نطاق الدعم المقدم للطرف المعتدى عليه سيُحدد وفق تقييم الاحتياجات وإمكانات الأطراف القائمة. أي أن وقوع هجوم على دولة لا يعني تلقائياً إعلان تركيا الحرب أو إرسال قوات. ومع ذلك فإن اعتبار الاتفاق مجرد وثيقة تعاون عسكري عادية يكون ناقصاً. ففي مواده الأخرى يُفتح أمام تركيا مجال اقتصادي واستراتيجي كبير، حيث يمكن أن تتطور مشاريع جديدة بين قدرة التمويل السعودية وتقنيات الدفاع التركية والبنية العسكرية الباكستانية. لكن تحقيق ذلك يتطلب إلى جانب الإرادة السياسية نقل التكنولوجيا وتراخيص التصدير والتمويل واتفاقيات التنفيذ.
وتبرز الكاتبة المادة السادسة عشرة المتعلقة بالمدة. فوفقاً للنص يدخل الاتفاق حيز التنفيذ بتقديم آخر وثيقة مصادقة إلى الآلية المعنية، ويكون سارياً بلا أجل محدد. لكن يمكن لأي طرف الانسحاب بعد مرور عشر سنوات من دخوله حيز التنفيذ وفق شروط إخطار معينة. أي أنه ليس تعاوناً مؤقتاً لبضع سنوات، بل إرادة لإقامة علاقة استراتيجية طويلة الأمد. غير أن كيفية عمله تعتمد على قرارات اللجان المشتركة والخيارات السياسية للدول.
وتضع فرات الخبرين جنباً إلى جنب مجدداً في الخاتمة. ففي ليبيا يوافق الجبهة السياسية التي وقفت ضد تركيا على مذكرة مناطق الولاية البحرية مع أنقرة. وفي الخليج تبدأ تركيا مسار المصادقة البرلمانية على اتفاق يتضمن التزاماً دفاعياً متبادلاً مع السعودية وباكستان. وتقول إن كليهما يظهران التوجه الاستراتيجي نفسه: تركيا تنوع علاقاتها الأمنية في محيطها القريب، وتحاول تعزيز موقعها الدبلوماسي والقانوني في شرق المتوسط، وتوسع في الخليج تعاون صناعة الدفاع بالتزامات أمنية متبادلة. ويجلب هذا النهج الجديد فرصاً مهمة ومسؤوليات ومخاطر جديدة.
وتحدد ثلاثة تطورات ينبغي متابعتها في الفترة المقبلة: رد اليونان ومصر على القرار الليبي، ومسار مصادقة اتفاق مكة في البرلمان التركي وآليات التنفيذ، والتوازن الذي ستقيمه تركيا بين التزامات الناتو والعلاقات الدفاعية الإقليمية الجديدة. وتؤكد أن القيمة الحقيقية لأي اتفاق في السياسة الخارجية لا تظهر يوم التوقيع فحسب، بل في كيفية تطبيقه عند نشوب الأزمة. وتختم بالتساؤل: هل تؤسس تركيا هذه العلاقات الجديدة الممتدة من شرق المتوسط إلى الخليج لتوسيع نطاق نفوذها فحسب، أم تستعد لتأمين أمنها بمزيد من الشركاء في نظام عالمي متغير؟ وستكون إجابة هذا السؤال حاسمة لفهم توجه السياسة الخارجية التركية في السنوات المقبلة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










