ترك برس

شهد شرق المتوسط تطوراً مهماً في الصراع على النفوذ الذي يمتد لسنوات، حيث وافق مجلس النواب في شرق ليبيا في العشرين من تشرين الأول/أكتوبر على اتفاق مناطق الولاية البحرية الموقع مع تركيا عام 2019، وسحب في الوقت نفسه قراره القديم بقطع العلاقات مع أنقرة. وسارعت اليونان إلى الاعتراض، بينما تتابع إسرائيل عن كثب تزايد التأثير التركي في المتوسط. فالمسألة تتجاوز ليبيا ذاتها إلى سؤال أساسي: من سيكون صاحب الكلمة في مستقبل البحر المتوسط؟

يقول الكاتب فائق تنريكولو في تحليل نشرته صحيفة «ستار»: «في الصراع على النفوذ الذي يستمر لسنوات في شرق المتوسط، شهدت تركيا تطوراً مهماً. فقد وافق مجلس النواب في شرق ليبيا في 20 تشرين الأول على اتفاق مناطق الولاية البحرية الموقع مع تركيا عام 2019. بل وسحب أيضاً قراره القديم الذي كان ينص على قطع العلاقات مع أنقرة. واعترضت اليونان فوراً. أما إسرائيل فكانت تتابع أصلاً عن كثب التأثير المتزايد لتركيا في المتوسط. فلماذا؟ ماذا ربحت تركيا بهذا القرار؟ ولماذا تنزعج اليونان إلى هذا الحد؟ وكيف تتأثر حسابات إسرائيل في الطاقة والأمن؟ في الحقيقة المسألة ليست ليبيا فقط، بل من سيكون صاحب الكلمة في مستقبل المتوسط».

ويذكّر تنريكولو بالخطوة التي اتُخذت قبل سبع سنوات. ففي 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 وقّعت تركيا مع حكومة طرابلس مذكرة تفاهم بشأن تحديد مناطق الولاية البحرية. وأصبحت هذه الاتفاقية إحدى الأدوات الدبلوماسية المهمة التي طورتها تركيا ضد ترتيبات الطاقة ومناطق الولاية البحرية التي كانت تستبعدها في شرق المتوسط. لكن ليبيا كانت منقسمة آنذاك، فدعمت أنقرة حكومة طرابلس بينما عارضت الإدارة الشرقية الخاضعة لتأثير حفتر تركيا. وحاولت اليونان الاستفادة دبلوماسياً من هذا الانقسام.

وبعد مرور سبع سنوات، يتجه الهيكل السياسي نفسه الذي كان يعارض الاتفاق نحو التعاون مع تركيا. ويقول الكاتب إن هذا التغيير ليس مصادفة. فقد حافظت تركيا على علاقاتها مع طرابلس بينما طورت اتصالاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع بنغازي. ويؤكد أن المكسب هنا ليس مجرد الموافقة على الاتفاق، بل قدرة تركيا على إقامة علاقات مع مراكز القوة المختلفة في ليبيا في الوقت نفسه.

أما سبب انزعاج اليونان فيعود إلى أن الاتفاق التركي-الليبي يتعارض مباشرة مع أطروحات أثينا بشأن مناطق الولاية البحرية في شرق المتوسط. فاليونان تدافع عن أن جزراً مثل كريت ورودس تمتلك مناطق ولاية بحرية واسعة، بينما تؤكد تركيا ضرورة مراعاة سواحل البر الرئيسي ومبدأ الإنصاف في ترسيم الحدود البحرية. ويستند اعتراض أثينا إلى هذا الخلاف القانوني، لكن البعد السياسي مهم أيضاً. فاليونان تعارض الاتفاق ليس باسمها فقط بل عبر الاتحاد الأوروبي، وتُعدّ تعاونها مع فرنسا وإدارة جنوب قبرص اليونانية جزءاً من هذه الدبلوماسية. ويشير الكاتب إلى أن تغيير موقف البرلمان في شرق ليبيا يصعّب الحسابات السياسية لأثينا. غير أنه من غير الصحيح القول إن هذا القرار حلّ كل نزاعات مناطق الولاية البحرية قانونياً. والمهم بالنسبة لتركيا أن مقاربتها لمناطق الولاية البحرية التي تدافع عنها منذ سنوات تكتسب دعماً سياسياً أوسع في ليبيا.

ويتوقف تنريكولو عند سبب متابعة إسرائيل الوثيقة للأمر. فالمسألة بالنسبة لإسرائيل ليست حدوداً بحرية فحسب، بل هندسة الطاقة والأمن في شرق المتوسط. فقد طورت إسرائيل واليونان وإدارة جنوب قبرص اليونانية منذ فترة طويلة التعاون في مجالات الغاز الطبيعي ووصلات الكهرباء والدفاع. ومن أهدافها إنشاء مسارات بديلة تربط إسرائيل بأسواق الطاقة الأوروبية. ويشير إلى مشروع «غريت سي إنتركونيكتور» المدعوم من الاتحاد الأوروبي، الذي يتصور وصلة كهربائية تمتد عبر اليونان وقبرص إلى إسرائيل، حيث تخلق النزاعات حول مناطق الولاية البحرية مشكلات مسبقاً. كما تُناقش في الصحافة الإسرائيلية المخاطر التي قد يشكلها الخط التركي-الليبي على التجارة البحرية والأمن. ورغم عدم وجود اعتراض رسمي مؤكد من الحكومة الإسرائيلية على القرار الليبي الأخير، فإن تزايد الوزن الدبلوماسي والعسكري لتركيا في المنطقة تطور يجب أخذه في الاعتبار في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية. لأن قابلية تطبيق كل مشروع للطاقة والأمن يستبعد تركيا أصبحت موضع تساؤل أكبر.

ويعدد الكاتب ما ستربحه تركيا. أولاً يتسع هامش الحركة الدبلوماسية، فالعلاقات المطورة مع شرق ليبيا وغربها تدعم فعالية أنقرة في شمال أفريقيا. وثانياً في مجال الطاقة، حيث يمكن أن تخلق أنشطة البحث التي تقوم بها شركة البترول التركية ومبادرات التعاون في الطاقة في ليبيا فرصاً اقتصادية مستقبلية. لكن الاتفاق لا يوفر تلقائياً إيرادات نفطية أو غازية، بل يتطلب أن تسفر أعمال البحث عن نتائج تجارية. وثالثاً في الأمن والتجارة، فليبيا تحتل موقعاً مهماً في انفتاح تركيا على أفريقيا. ويمكن أن تعمق الموانئ واستثمارات البنية التحتية وخدمات المقاولات والتعاون في صناعة الدفاع العلاقات الاقتصادية. فضلاً عن أن قدرة تركيا على الدفاع بقوة أكبر عن أطروحاتها بشأن مناطق الولاية البحرية في المتوسط قد تعزز يدها في المفاوضات المستقبلية حول مشاريع الطاقة والنقل.

ويؤكد تنريكولو أن ما يجري اليوم في شرق المتوسط لا يمكن تقييمه كخلاف تركي-يوناني فحسب. فأوروبا تحاول تأمين أمن الطاقة، وإسرائيل تبحث عن وصلات جديدة للطاقة والتجارة، ومصر تهدف إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة. وتركيا أحد الفاعلين المهمين في هذه المعادلة بفضل موقعها الجغرافي والعلاقات الدبلوماسية التي طورتها. ولذلك فإن المسألة الأساسية بالنسبة لأنقرة هي تحويل المكسب في ليبيا إلى تعاون اقتصادي ودبلوماسي دائم. ويجب أن تكون عناصر هذه الاستراتيجية الأساسية دعم الوحدة السياسية لليبيا، وتطوير استثمارات الطاقة، والحفاظ على قنوات التفاوض مفتوحة مع الدول الإقليمية. لأن التأثير الدائم في المتوسط لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بالدبلوماسية والاقتصاد والقانون.

ويختم الكاتب بالقول إن من كانوا يرفضون الاتفاق الذي أبرمته تركيا مع ليبيا قبل سبع سنوات يقبلونه اليوم. وهذا التطور يظهر أن التوازنات في السياسة الإقليمية يمكن أن تتغير. والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت تركيا ستكون في المتوسط أم لا، بل إلى أي مدى يمكن تطبيق نظام في شرق المتوسط لا تكون تركيا جزءاً منه.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!