
ترك برس
تتجه سوريا إلى بحث خيارات جديدة لتعزيز أمنها الوطني وإعادة رسم موقعها في التوازنات الإقليمية، مع إعلان دمشق دراسة الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي يجمع تركيا والسعودية وباكستان، في خطوة قد تنقل البلاد من موقع التأثر بالصراعات الإقليمية إلى المشاركة في منظومة دفاعية مشتركة.
ويثير هذا التوجه تساؤلات بشأن المكاسب الأمنية والسياسية التي تبحث عنها دمشق، ومدى قدرة الاتفاق على توفير مظلة ردع لسوريا، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على علاقاتها بدول الجوار وموازين القوى في الشرق الأوسط.
من دمشق إلى المنامة.. إعلان يحمل أبعادًا استراتيجية
كشف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، السبت 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، خلال مشاركته في منتدى «حوار المنامة» بالبحرين، عن وجود مشاورات لتقييم إمكانية انضمام سوريا إلى اتفاق مكة الدفاعي.
وأوضح الشيباني أن بلاده تنظر إلى أمنها الوطني باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي، مؤكدًا استعداد دمشق للمشاركة في أي إطار جماعي يسهم في تعزيز الاستقرار.
وشدد على أن التحديات التي تواجه المنطقة لم تعد تسمح للدول بمعالجة قضاياها الأمنية بصورة منفردة، داعيًا إلى تطوير آليات مشتركة للردع والدفاع.
وتحمل هذه التصريحات دلالة تتجاوز مجرد التفكير في الانضمام إلى اتفاق عسكري، إذ تعكس توجهًا سوريًا نحو توسيع الشراكات الأمنية وربط استقرار البلاد باستقرار محيطها الإقليمي.
لكن الشيباني لم يعلن التوصل إلى اتفاق نهائي، ولم يكشف عن جدول زمني للانضمام، ما يعني أن الخطوة لا تزال في مرحلة الدراسة والمشاورات، بحسب ما أورده موقع "الشرق الأوسط".
ما اتفاق مكة.. ولماذا يهم سوريا؟
في أغسطس/آب 2026، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، في إطار سعي الدول الثلاث إلى تعزيز التعاون العسكري وإنشاء منظومة للردع الجماعي.
ويستند الاتفاق إلى مبدأ أساسي يقضي باعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأعضاء هجومًا على جميعها، وهو ما يمنحه أهمية تتجاوز اتفاقيات التعاون العسكري التقليدية.
كما ينص على تطوير مجالات التعاون الدفاعي بين الدول الموقعة، بما يعزز قدرتها على مواجهة التهديدات المشتركة.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن الانضمام المحتمل إلى هذا الإطار قد يتيح فرصًا لتوسيع التنسيق العسكري وتبادل الخبرات وتعزيز قدرات الدفاع وحماية الحدود.
غير أن الاستفادة الفعلية من الاتفاق ستظل مرتبطة بطبيعة الالتزامات التي قد تتحملها دمشق، وآليات تطبيق الدفاع المشترك، ومدى استعداد الدول الأعضاء لتوسيع نطاق التزاماتها ليشمل سوريا.
لماذا تبحث دمشق عن مظلة دفاعية الآن؟
لا يمكن فصل التوجه السوري عن التحديات الأمنية التي تواجه البلاد، بعد سنوات طويلة من الحرب وما خلفته من أضرار في المؤسسات والبنية التحتية والقدرات العسكرية.
وتسعى دمشق إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيطرتها على السلاح والحدود، بالتوازي مع محاولات استعادة دورها في الترتيبات الأمنية الإقليمية.
وفي هذا السياق، تبدو الشراكات الدفاعية المحتملة أداة لتعزيز الاستقرار الداخلي، وليس مجرد وسيلة لمواجهة التهديدات الخارجية.
كما تمثل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية أحد أبرز التحديات الأمنية، إذ أكد الشيباني خلال مشاركته في حوار المنامة أن بلاده تعرضت لأكثر من ألف اعتداء إسرائيلي خلال أقل من عامين، مطالبًا باحترام السيادة السورية والعودة إلى ترتيبات فض الاشتباك القائمة منذ عام 1974.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا عن مدى إمكانية أن يوفر الانضمام إلى اتفاق مكة قدرة إضافية على الردع، خصوصًا أن الاتفاق يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي.
ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن الانضمام سيؤدي تلقائيًا إلى توفير حماية عسكرية مباشرة لسوريا، في غياب تفاصيل معلنة بشأن آليات تطبيق الاتفاق على أعضاء جدد.
تركيا والسعودية وباكستان.. ماذا يمكن أن تقدم لدمشق؟
يكتسب الاتفاق أهمية بالنسبة إلى سوريا بالنظر إلى الدول الثلاث التي تشكل نواته الأساسية، وما تمتلكه من أدوار سياسية وعسكرية واقتصادية مختلفة.
فتركيا، التي تربطها بسوريا حدود طويلة وعلاقات أمنية متنامية، تمثل شريكًا مهمًا في ملفات أمن الحدود وإعادة بناء المؤسسات العسكرية ومكافحة التنظيمات المسلحة.
وقد أشار الشيباني خلال حوار المنامة إلى خصوصية العلاقات السورية التركية والتعاون القائم بين البلدين في المجالات الاقتصادية والعسكرية.
أما السعودية، فتتمتع بثقل سياسي واقتصادي في المنطقة، وقد يتيح تعميق التعاون معها لدمشق فرصًا أوسع لتعزيز علاقاتها مع دول الخليج وربط المصالح الأمنية بمسار التعافي وإعادة الإعمار.
وفي المقابل، تمتلك باكستان خبرات عسكرية وقدرات دفاعية متقدمة، ما يجعل مشاركتها في أي إطار دفاعي جماعي عنصرًا مهمًا في حسابات الردع والتعاون العسكري.
وبذلك، فإن انضمام سوريا المحتمل قد يفتح أمامها قنوات متعددة للتعاون، تتراوح بين التدريب وتبادل الخبرات والتنسيق الأمني، وصولًا إلى ترتيبات دفاعية أوسع إذا اتفقت الأطراف على ذلك.
أمن الخليج جزء من المعادلة السورية
من أبرز الرسائل التي حملتها تصريحات الشيباني تأكيده أن أمن الخليج العربي يرتبط مباشرة بالأمن الإقليمي لسوريا، وأن استقرار الجانبين لا يمكن فصله أحدهما عن الآخر.
ويأتي هذا الموقف في ظل تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة، خصوصًا مع الهجمات التي تستهدف السعودية والتحديات المرتبطة بأمن المنشآت الحيوية والممرات الاستراتيجية.
وتواجه الرياض خلال الفترة الأخيرة تصعيدًا في هجمات جماعة الحوثي، ما زاد الاهتمام بتعزيز التعاون الدفاعي مع شركائها الإقليميين والدوليين.
وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى انضمام دمشق باعتباره خطوة لتوسيع نطاق التنسيق الأمني، لكنه قد يثير أيضًا تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي يُنتظر من سوريا القيام به في الأزمات الإقليمية.
ولم تعلن دمشق التزامًا بالمشاركة في عمليات عسكرية خارج حدودها، كما لا توجد تفاصيل رسمية توضح ما إذا كان الانضمام المحتمل سيتضمن التزامات عملياتية تتجاوز التعاون الدفاعي والسياسي.
مواجهة الميليشيات وإعادة احتكار الدولة للسلاح
لا يقتصر التوجه السوري نحو التعاون الدفاعي على التهديدات الخارجية، بل يرتبط كذلك بملف المجموعات المسلحة التي تعمل خارج مؤسسات الدولة.
فقد حذر الشيباني من خطورة الميليشيات العابرة للحدود، معتبرًا أن امتلاك جهات غير حكومية للسلاح يضعف سيادة الدول ويجعل قرارات الحرب والسلم خارج سيطرة مؤسساتها الرسمية.
وأكد أن دمشق تعمل على بناء جيش وطني يتولى حماية البلاد وحدودها ومصالحها العليا، مع الاستفادة من التجربة السورية في مواجهة التنظيمات والمجموعات المسلحة.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يتيح التعاون مع الدول الثلاث فرصًا لتبادل الخبرات في بناء المؤسسات العسكرية وتعزيز أمن الحدود، وهي ملفات تكتسب أهمية خاصة خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا.
هل يعيد الاتفاق رسم موازين القوى الإقليمية؟
يحمل احتمال انضمام سوريا إلى اتفاق مكة أبعادًا تتجاوز حدودها الجغرافية، إذ يمكن أن يوسع نطاق المنظومة الدفاعية لتشمل دولة تقع عند تقاطع مصالح قوى إقليمية متعددة.
فسوريا ترتبط جغرافيًا بتركيا والعراق والأردن ولبنان، وتشكل إحدى نقاط التماس الرئيسية في التفاعلات الأمنية للشرق الأوسط.
وقد يؤدي دخولها في إطار دفاعي يضم تركيا والسعودية وباكستان إلى تعزيز التنسيق بين هذه الدول بشأن أمن الحدود ومواجهة التهديدات المشتركة، وربما منح دمشق موقعًا أكثر حضورًا في النقاشات المتعلقة بالأمن الإقليمي.
لكن هذا السيناريو يطرح تحديات سياسية وعسكرية، أبرزها كيفية التعامل مع اختلاف أولويات الدول الأعضاء، وحدود التزامات الدفاع المشترك، وطبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية الأخرى.
كذلك يبرز التساؤل بشأن انعكاسات أي توسع للتحالف على العلاقات مع إيران وإسرائيل، خصوصًا في ظل حساسية الملفات الأمنية التي تتداخل فيها المصالح السورية مع حسابات قوى إقليمية ودولية.
ولا يعني ذلك بالضرورة نشوء محور مواجهة جديد، إذ يمكن أن يتخذ التعاون طابعًا دفاعيًا يركز على الردع وتبادل المعلومات وتعزيز القدرات العسكرية، دون التحول إلى تحالف يستهدف طرفًا بعينه.
بين الطموح الأمني والتحديات العملية
رغم أهمية الإعلان السوري، فإن الطريق نحو الانضمام إلى اتفاق مكة لا يزال مرتبطًا بمجموعة من التساؤلات التي لم تتضح إجاباتها بعد.
فلم تعلن الدول الثلاث الموقعة تفاصيل إجراءات قبول أعضاء جدد، أو طبيعة الالتزامات العسكرية التي قد تترتب على توسيع الاتفاق.
كما أن إعادة بناء القدرات العسكرية السورية تحتاج إلى موارد مالية وبشرية ومؤسساتية، ما يجعل أي شراكة دفاعية مستقبلية مرتبطة بقدرة دمشق على تنفيذ التزاماتها.
وفي المقابل، قد تستفيد الدول المؤسسة من توسيع التعاون مع سوريا في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتطوير آليات التنسيق الأمني، إذا جرى التوصل إلى تفاهمات تراعي مصالح جميع الأطراف.
هل تدخل سوريا مرحلة جديدة من التحالفات؟
تعكس تصريحات الشيباني تحولًا في الخطاب الأمني السوري نحو التأكيد على التكامل الإقليمي والدفاع المشترك، بدلًا من التعامل مع الأمن الوطني بوصفه قضية يمكن إدارتها بمعزل عن محيط البلاد.
وبينما تسعى دمشق إلى إعادة بناء جيشها ومؤسساتها وتوسيع شراكاتها الخارجية، يبرز اتفاق مكة بوصفه أحد الخيارات المطروحة لتعزيز موقعها في المنظومة الأمنية للمنطقة.
غير أن الاختبار الحقيقي لن يكون في إعلان الرغبة بالانضمام، بل في قدرة الأطراف المعنية على تحويل هذه المشاورات إلى ترتيبات واضحة تحدد المسؤوليات والالتزامات المتبادلة.
وهكذا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بإمكانية انضمام سوريا إلى اتفاق مكة، بل بما إذا كان هذا الانضمام سيمنح دمشق ضمانات أمنية فعلية، ويؤسس لدور إقليمي جديد، أم سيبقى خطوة سياسية ضمن مسار طويل لإعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










