
ترك برس
أعادت التعديلات التي أدخلتها وزارة التربية والتعليم السورية على المناهج الدراسية، عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، فتح النقاش بشأن طريقة تقديم التاريخ السوري للأجيال الجديدة، ولا سيما ما يتعلق بالحقبة العثمانية، بعدما قررت الوزارة استبدال مصطلح "الاحتلال العثماني" بعبارة "الحكم العثماني"، وحذف فقرات تتضمن أوصافاً سلبية للسلطة العثمانية من بعض الكتب المدرسية.
وجاءت هذه التغييرات ضمن حزمة واسعة من التعديلات التي أعلنتها الوزارة مطلع كانون الثاني/يناير 2025، وشملت مواد التاريخ واللغة العربية والتربية الإسلامية والجغرافيا والفلسفة والعلوم، إضافة إلى حذف مادة التربية الوطنية وإزالة الرموز والصور المرتبطة بالنظام السابق.
ونص القرار الوزاري على اعتماد عبارة «الحكم العثماني» بدلاً من «الاحتلال العثماني» أينما وردت في المناهج، في تغيير لافت لطريقة توصيف مرحلة تاريخية امتدت قرابة أربعة قرون، منذ دخول بلاد الشام تحت الحكم العثماني عام 1516 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918.
ولم تقتصر التعديلات على تغيير المصطلح، بل تضمنت حذف فقرات من كتاب اللغة العربية للصف الثالث الثانوي تتناول ما وصفته النصوص السابقة بـ«جور العثمانيين»، إلى جانب حذف عبارة «في ظل سلطة عثمانية غاشمة»، بما يشير إلى مراجعة أوسع للغة المستخدمة في وصف تلك المرحلة التاريخية.
وأثارت هذه الخطوة نقاشاً بين السوريين بشأن الفارق بين مصطلحي «الحكم» و«الاحتلال»، وما إذا كان التعديل يندرج ضمن مراجعة تاريخية للمناهج أم يمثل تغييراً في طريقة عرض العلاقة التاريخية بين سوريا والدولة العثمانية.
أربعة قرون من الحكم العثماني في بلاد الشام
تعود بداية الحكم العثماني لبلاد الشام إلى عام 1516، حين هزم السلطان سليم الأول قوات المماليك في معركة مرج دابق شمالي حلب، قبل انتقال مدن المنطقة تدريجياً إلى سلطة الدولة العثمانية.
وخلال القرون التالية، أصبحت الأراضي التي تشكل سوريا الحالية جزءاً من الولايات والتقسيمات الإدارية العثمانية، وشهدت المنطقة تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متعاقبة، تفاوتت آثارها بين مرحلة وأخرى.
ومع تصاعد النزعة القومية العربية في أواخر العهد العثماني، وخصوصاً خلال الحرب العالمية الأولى، ظهرت حركات سياسية عربية طالبت بالإصلاح أو الاستقلال، بالتزامن مع إجراءات قمعية طالت شخصيات سياسية وفكرية عربية، أبرزها الإعدامات التي نفذتها السلطات العثمانية في دمشق وبيروت عامي 1915 و1916.
وانتهى الحكم العثماني في سوريا عام 1918، مع انسحاب القوات العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، ودخول القوات العربية المتحالفة مع البريطانيين إلى دمشق.
وتظل هذه المرحلة موضع قراءات تاريخية مختلفة؛ إذ يركز بعض الباحثين على العلاقات الإدارية والثقافية والاقتصادية التي ربطت بلاد الشام بالدولة العثمانية، فيما يسلط آخرون الضوء على سياسات التتريك والمركزية والقمع خلال سنواتها الأخيرة.
تعديلات أخرى تتعلق بالتاريخ والهوية الوطنية
إلى جانب إعادة توصيف الحقبة العثمانية، تضمنت التعديلات حذف أو تغيير موضوعات تتعلق بتاريخ سوريا الحديث، بما في ذلك استبدال تسمية «حرب تشرين التحريرية» بعبارة «حرب 1973» في بعض المواد، وإزالة صور وشعارات كانت مرتبطة بالرواية الرسمية المعتمدة خلال حكم عائلة الأسد.
كما شملت الإجراءات اعتماد علم الاستقلال السوري بدلاً من العلم السابق، وحذف صور بشار الأسد وحافظ الأسد، وإلغاء مادة التربية الوطنية التي كانت تتضمن موضوعات مرتبطة بمؤسسات الدولة والخطاب السياسي الرسمي في عهد النظام السابق.
وامتدت التغييرات إلى مواد أخرى، حيث تضمنت الجداول المعلنة حذف بعض النصوص الأدبية والفقرات التاريخية، إضافة إلى تعديل عبارات دينية وإزالة إشارات إلى آلهة ومعتقدات قديمة في بعض الدروس.
وأثارت هذه التعديلات انتقادات من تربويين وحقوقيين، اعتبروا أن تعديل المناهج يحتاج إلى مراجعة علمية وتربوية شاملة ومشاركة مختصين في التاريخ والتعليم، بدلاً من الاكتفاء بقرارات إدارية تستهدف نصوصاً ومصطلحات محددة.
توضيحات رسمية بشأن التعديلات
في مواجهة الجدل الذي رافق نشر قوائم التعديلات مطلع عام 2025، أوضح وزير التربية حينها، نذير القادري، أن المناهج الدراسية ستظل معتمدة إلى حين تشكيل لجان مختصة لمراجعتها وتدقيقها.
وأكد أن التوجيهات استهدفت إزالة المواد التي تمجد نظام الأسد، واعتماد علم الثورة السورية، وتصحيح ما وصفه بمعلومات مغلوطة في مناهج التربية الإسلامية.
غير أن الوثائق الوزارية المنشورة أظهرت أن نطاق التعديلات المعلنة كان أوسع من ذلك، إذ شمل تغيير مصطلحات تاريخية وحذف نصوص من مواد دراسية متعددة، الأمر الذي أبقى الجدل قائماً بشأن المعايير التي اعتمدتها الوزارة.
وفي تموز/يوليو 2025، أصدرت وزارة التربية والتعليم قراراً جديداً بشأن المناهج المعتمدة للعام الدراسي 2025–2026، نص على الاستمرار باستخدام المناهج بعد حذف رموز النظام السابق، مع اعتماد نسخ معدلة لبعض مواد الدراسات الاجتماعية والتاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية.
تعديلات جديدة في العام الدراسي 2026
وتجدد النقاش حول المناهج السورية في تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد نشر مقارنات بين نسخ قديمة وحديثة من الكتب المدرسية، كشفت تغييرات إضافية شملت حذف دروس وصور، وتعديل مظهر بعض الشخصيات النسائية بإضافة الحجاب، وإزالة أو استبدال صور لأعمال فنية ومنحوتات تاريخية.
وفي 24 تشرين الأول/أكتوبر، أكدت منصة «تأكد» للتحقق من المعلومات وجود عدد من هذه الاختلافات، بعد مقارنة نسخ رقمية ومطبوعة من الكتب المدرسية المستخدمة خلال العام الدراسي الحالي.
وتعيد هذه التطورات طرح تساؤلات بشأن مستقبل المناهج السورية، ومدى اعتماد معايير موحدة لإعادة صياغة المحتوى التاريخي والعلمي والثقافي، خصوصاً في الموضوعات المرتبطة بالهوية الوطنية والتاريخ السياسي والديني.
وبينما يُنظر إلى إزالة المواد التي تمجد النظام السابق باعتبارها جزءاً من التغييرات التي أعقبت سقوطه، يبقى تعديل الروايات التاريخية والمصطلحات المستخدمة في الكتب المدرسية مسألة تستدعي تدقيقاً علمياً، نظراً إلى تأثيرها في تشكيل معرفة الطلاب بتاريخ بلادهم.
ويُعد استبدال وصف «الاحتلال العثماني» بـ«الحكم العثماني» أحد أبرز الأمثلة على هذه التغييرات، لما يحمله اختيار المصطلحات التاريخية من دلالات تتجاوز الصياغة اللغوية إلى كيفية تفسير الأحداث والعلاقات السياسية في الماضي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











