
ترك برس
تناول مقال للكاتب والمفكر التركي يوسف قابلان، التاريخ بوصفه مسارًا وجوديًا تحرّكه الروح لا الوقائع، حيث تتشكّل الحضارة عبر ثلاث قوى متكاملة: العدل بوصفه روح التأسيس التي تُثبت الوجود في نظام الفطرة، والإنصاف بوصفه روح التقويم التي تُحوّل هذا النظام إلى حياة وحقوق، والرحمة بوصفها روح الحماية التي تمنح الزمن معناه الإنساني.
ومن خلال الانتقال من مرحلة مكة إلى المدينة ثم إلى أفق الحضارة، يرسم قابلان فلسفة للتاريخ ترى أن الأمم لا تُصنع بالقوة بل بنفخات الروح، وأن غياب هذه النفخة النبوية يحوّل التاريخ إلى عنفٍ وجودي ومعرفي، بينما حضورها وحده يجعل العالم قابلًا للحياة والمعنى. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:
العالم بحاجة إلى ثلاث تجليات للروح تتكامل في صناعة التاريخ وتحفظ مساره: الروح مُؤسسة، الروح المُقَوِّمَة المُوَجِّهَة، والروح الحامية.
وأرى أن هذه الأنماط الثلاثة من الروح، التي تتكوّن منها عملية صناعة التاريخ عبر إحياء نظام الفطرة، وتمتد من الزمان والمكان إلى ما يتجاوزهما لتتحقّق في الواقع، يمكن تلخيصها – على التوالي – بمفاهيم: العدل، والإنصاف، والرحمة.
وفي هذا السياق، كنت قد أشرتُ في مقالات سابقة إلى أنّ مفاهيم العدل والإنصاف والرحمة تشكّل في جوهرها أعمدة الروح العثمانية، وهي على التوالي: دار الإسلام، ودار السلام، ودار الإنسان…
وفي هذه المقالة، أنوي أن أضفي على هذه الأنماط الثلاثة لصناعة التاريخ، وعلى هذه الأعمدة التأسيسية الثلاثة للروح العثمانية، عمقًا فلسفيًا إضافيًا، من خلال مقاربة خاصة لفلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة.
ثلاثة أنماط من الروح: من مسار «التأمّي» إلى رحلة «التأمّت»، وتأسيس نظام الفطرة على وجه الأرض
إنّ أكثر الأصنام تدميرًا، تلك التي تُبعد الإنسان عن إنسانيته وتحوّله إلى كائن متوحّش، هي الأصنام الذهنية الخبيثة، التي لا تُدرَك بسهولة، وألاعيب العقل المضلِّلة…
فهذه الأصنام الذهنية تُفضي إلى شلل العقل، وإلى عمى معرفي، ثمّ إلى تحوّل الإنسان، مع مرور الزمن، إلى عبدٍ إبستيمولوجي وأنطولوجي.
والطريق إلى كسر هذه الأصنام الذهنية وتجاوزها يمرّ عبر التأمّي، ومن خلال التأمّي بلوغ التأمّت.
وباختصار، فإنّ التأمّي يعني – في المقام الأول – تحرير العقل من شِباك العصر، وقيوده، وسياقاته، ومفاهيمه.
غير أنّ هذا التحرّر لا يتحقّق بالانسحاب من العصر، بل بدخوله، ومعرفته، وبذل جهدٍ راسخ في تعريفه، وبذلك يتحرّر الإنسان من أن يكون مُعرَّفًا، ويعلن في وجه العصر: «لا أعرفك!»، لينتقل إلى أرضية تصبح فيها الحقيقة حياة، وتلتقي الحياة بحقيقتها، ويُبنى زمنُ «القدوم إلى الوجود» الحقّ، حيث تنفخ الحقيقة روحها في كل شيء، في رحلة وجودية طويلة النفس، قوامها تجاوز الأنا للوصول إلى الذات، أي «التلاشي».
ولا يمكن تحويل مسار التأمّي هذا إلى حقيقة إلا إذا تُوِّج برحلة التأمّت.
ويمكننا أن نلخّص مراحل صناعة التاريخ، التي تتجلّى فيها هذه الأنماط الثلاثة من الروح، في ثلاث مراحل:
أن تحيا في مرحلة مكة، وأن تصبح حياة في مرحلة المدينة، وأن تمنح الحياة في مرحلة الحضارة، بوصفها ثمرة التفاعل الوجودي بين مكة والمدينة.
الروح المُؤسِّسة: تحرير العقل من أوهام العصر وبناء رؤية عادلة للإنسان والوجود.
الروح المؤسسة هي – بكلمة واحدة – العدل. فالعدل، كما يعرّفه القرآن الحكيم تعريفًا مهيبًا، هو: «أن يوجد كلّ شيء كما هو، وأن يثبت وجوده، وأن يحقّق حقيقته».
والعدل ليس مفهومًا سياسيًا أو قانونيًا فحسب، بل هو مسار وجودي أنطولوجي، وعقدي في جوهره، يتمثّل في إقامة رحلة وجود تُثبّت العدل ذاته.
وبعبارة أوضح: هو الاعتراف بحقّ الوجود في أن يكون عالمًا مخلوقًا كما هو، وأن يُمنَح مجال تحقّقه الخاص. وهو إقامة نظام الفطرة في عالم الوجود، وتأمين هذا النظام وحمايته.
وهذه هي مرحلة مكة في مسار الحضارة:
أسلمة العقل، وبناء ملكات التفكير الإسلامي، وتشييد الشخصية المسلمة؛ أي بلوغ أفق وجودي يتغذّى من العالم الملكوتي ليُقيم على الأرض ملكات ملائكية، والوصول إلى الحقيقة، والاتصال بالحق، والفناء في الحق ليصبح الإنسان حقيقة، والعودة إلى نظام الفطرة…
الروح المُقَوِّمَة المُوَجِّهَة: رحلة الاستقامة والإنصاف وبناء الأرضية
أما الروح المُوَضْعِنة، فهي بناء الأرضية اللازمة لحياة إسلامية لا يختلّ فيها نظام الفطرة.
إنّ شرط سلامة هذا النظام هو الاستقامة، وتأمين منظومة موضِعة تراقب هذا المسار وتضمن استمراريته.
إنها مرحلة بناء الحياة الإسلامية.
وهي تمكّن الجهد التأمّي الذي بُني في مرحلة مكة من زرع بذور التأمّت في مرحلة المدينة.
إنها إقامة الإنصاف.
وهي تحويل نظام العدل الأنطولوجي والعقدي، الذي تأسّس في مكة، إلى نظام حقّ وحقوق وإنصاف في المدينة.
الروح الحامية: بلوغ «روح العصر» عبر نفخ الرحمة في الزمن
الروح الحامية هي أن يمنح نظام الفطرة، الذي يعمل بانسجام لذيذ بعد تثبيت العدل والإنصاف، لونَه وروحَه للزمن، في كل المستويات، من الجزء إلى الكل، ومن الجزئي إلى الشمولي؛ أن يحكم الزمن، وأن يكون مع الزمن زمنًا.
وهي أن تُثمر رحلة التأمّت، التي زُرعت بذورها في المدينة، ثمارها في مرحلة الحضارة.
التاريخ: مغامرة نزول الروح إلى الأرض ومنحها نظام الجاذبية
ما يصنع التاريخ هو الروح.
فالتاريخ هو مغامرة الروح، والرحلة التي تمنح الحياة معناها وقيمتها.
التاريخ ليس بلا روح؛ الذي بلا روح هو الإنسان حين يفقد إنسانيته.
ولا يصبح الإنسان إنسانًا إلا إذا تزوّد بالروح.
التاريخ بلا روح هو جحيم.
والقول الواضح هنا هو: التاريخ ثمرة اندفاعات الروح.
وأيّ تاريخ يفتقر إلى هذه الاندفاعات محكومٌ بالأسر والاندثار.
لقد اكتسب تاريخ البشرية مبادئه القابلة للحياة، وقيمه، ومعاييره، من نفخة الروح التي بثّها الأنبياء.
فالأنفاس التي نفخها الأنبياء هي التي منحت التاريخ روحه ومعناه وقيمته.
الأنبياء، والحكماء الذين ارتضعوا من نورهم، هم من يصنعون التاريخ.
وأولئك الذين تركوا أثرًا في التاريخ هم الذين لم يفقدوا معايير الحقيقة التي جاء بها النبي.
هؤلاء يتتبّعون الأثر، فيصيرون أثرًا، ويغدون طريقًا.
وحين يُسحب النفس النبوي من التاريخ، تُسحب الروح معه.
والتاريخ بلا روح هو تاريخ بلا قلب ولا رحمة.
وحيث تغيب الروح والقلب والرحمة، تسود شتى أنواع العنف: المعرفي والوجودي.
وفي عالمٍ يحكمه العنف الإبستيمولوجي والأنطولوجي، يُقصى الإنسان والحقيقة معًا، وتتحوّل الحياة إلى صحراء.
والسلام.
ملاحظة: هذه المقالة هي مقدّمة لبحث سيُنشر في عدد فبراير من مجلة «جينس»، ويمكن الاطلاع على النص الكامل هناك.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











