د. عبد الله محمد فارح - خاص ترك برس

من بين جميع القوى المنخرطة في المشهد الصومالي خلال العقد الأخير، برزت تركيا بصفتها فاعلًا لا يكتفي بممارسة النفوذ السياسي أو العسكري، بل يتعامل مع الصومال باعتباره مشروع بناء دولة، لا مجرد ساحة نفوذ أو نقطة ارتكاز جيوسياسي. هذا الحضور التركي، الذي أخذ طابعاً تنموياً وأمنياً متداخلاً، قدّم نموذجاً مختلفاً عن المقاربات الخليجية أو الدولية التي تتعامل مع الصومال بمنطق الموانئ والممرات البحرية والرهان على التحالفات المتقلّبة. ومع ذلك، فإن النموذج التركي، ورغم طموحه وأثره الإيجابي في جوانب محددة، يظل محكوماً بمنظومة من القيود الداخلية والخارجية، تجعل أسئلة الاستدامة والحدود والتأثير الفعلي أسئلة مطروحة دائماً.

ففكرة الاحتواء عبر بناء الدولة هي الأساس الذي ميّز المقاربة التركية. إذ لم تكتفِ أنقرة بتقديم المساعدات أو الاستثمار، بل عملت على إعادة هيكلة قطاعات حكومية، وتطوير الأمن، وتأهيل القوات المسلحة، وفتح أبواب التعليم والصحة والبنية التحتية. لكن السؤال الجوهري هو: إلى أي مدى يمكن لهذا النموذج أن يشكّل توازنًا حقيقيًا داخل الصومال؟ وهل هو قادر على أن يكون عامل استقرار في منطقة تهزّها التنافسات الإقليمية والدولية، أم سيجد نفسه في لحظة ما محاصرًا بحدود جيوسياسية لا يستطيع تجاوزها؟

- تركيا وإعادة اكتشاف الصومال … مدخل عبر الفراغ لا عبر القوة

حين انهارت الدولة الصومالية، تركت قوى كثيرة فراغًا كبيرًا. تراجع الدور العربي، وتشتّت الاهتمام الإفريقي، ولم تحسم القوى الدولية موقفها من الانخراط في بناء مؤسسات البلاد. هنا وجدت تركيا نافذة واسعة للتحرك، خاصة بعد زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان لمقديشو في 2011، التي اعتُبرت نقطة تحوّل في علاقة البلدين.

لم يأتِ الدور التركي من باب النفوذ العسكري أو الضغط السياسي، بل من باب المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار. المدارس، المستشفيات، الموانئ، الطرق، دعم الحكومة الفيدرالية، إعادة تأهيل الجيش… كلها عناصر قدّمتها تركيا ليس كجزء من صفقة قصيرة المدى، بل ضمن رؤية طويلة الأمد لتثبيت الدولة الصومالية باعتبارها ركيزة لاستقرار القرن الإفريقي. وبهذا المعنى، فإن تركيا لم تمارس احتواءً عبر القوة، بل عبر ملء فراغ الدولة، بحيث يصبح استقرار الصومال مرتبطًا بنموذج بناء مؤسسي أكثر منه بتحالفات ظرفية.

- بناء الدولة كأداة للنفوذ… الطموح التركي وحدوده

النموذج التركي في الصومال يستند إلى ثلاثة مستويات واضحة:

على المستوى التنموي، من مشاريع الطرق، والمطار، والميناء، والمؤسسات التعليمية، والمنح الدراسية… كلها رسّخت صورة تركيا كفاعل تنموي مؤثر. وقد أدى ذلك إلى تعزيز حضورها الاجتماعي والشعبي. والمستوى الأمني العسكري حيث أنشأت تركيا أكبر قاعدة تدريب عسكري لها خارج حدودها في مقديشو (Turksom)، ودربت آلاف الجنود الصوماليين ضمن رؤية تهدف إلى بناء جيش موحّد يقلّل اعتماد الصومال على بعثات أجنبية. وكذلك المستوى السياسي، من خلال دعم الحكومة الفيدرالية، والمساهمة في موازنات الدولة، وتقديم الاستشارات الإدارية، جعل من تركيا أقرب إلى شريك استراتيجي لا منافس.

غير أن هذا الطموح يصطدم بثلاثة حدود؛ مثل البيئة الداخلية الصومالية المعقدة التي تتداخل فيها الولاءات العشائرية مع حسابات الولايات الفيدرالية. والتنافس الإقليمي المتصاعد في البحر الأحمر، إذ لم تعد تركيا تتحرك وحدها، بل تواجه روافع نفوذ خليجية وصينية وغربية. والتحديات الاقتصادية التركية التي قد تؤثر مستقبلًا في قدرتها على مواصلة مشاريع ضخمة بالطريقة ذاتها. وبهذا الحال، فإن الاحتواء التركي للصومال لا يتجاوز حدود البيئة التي تسمح له بالعمل فيها، لكنه لا يمتلك وحده القدرة على حسم التوازنات الإقليمية.

- الصومال بين الاحتواء والتنمية… مكاسب لم تكتمل

من جهة، قدّم النموذج التركي رافعة مهمة للدولة الصومالية. فقد ساهم في تحسين البنية التحتية، وبناء النواة الأولى لجيش وطني، وتخفيف جزء من الاعتماد على المانحين التقليديين. ومن جهة أخرى، لم يتمكن هذا النموذج من تجاوز عدد من الإشكالات مثل ضعف التنسيق بين المركز والولايات التي لا تستطيع تركيا وحدها إصلاحه. وعدم وجود منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على تحويل المساعدات إلى نموذج إنتاجي مستدام. فضلاً عن عدم قدرة النموذج التركي على مواجهة الحركة الاقتصادية غير الرسمية التي تهيمن على السوق الصومالي. ولذلك، فإن تأثير تركيا ظل مؤثرًا لكنه ناقص، قويًا لكنه غير قادر على إعادة بناء الدولة بمفرده.

- الصراع الدولي على البحر الأحمر… إعادة تعريف الاحتواء

لا يمكن فهم علاقة تركيا بالصومال دون قراءة المشهد الأوسع: التنافس العالمي على البحر الأحمر وباب المندب. فالصومال، بموقعه الجغرافي، يدخل ضمن أربعة ملفات استراتيجية؛ كالأمن البحري وحماية خطوط التجارة. والمنافسة الخليجية–التركية على النفوذ في القرن الإفريقي. والاستراتيجية الأمريكية في مواجهة الصين في الموانئ البحرية. وإعادة تشكّل الإقليم بعد التوترات في السودان وإثيوبيا واليمن. وهنا تبرز أهمية المقاربة التركية: فهي لا تعتمد على السيطرة المباشرة أو الاتفاقيات البراغماتية قصيرة المدى، بل على الاحتواء عبر بناء الدولة، أي عبر جعل الدولة الصومالية نفسها عنصرًا من عناصر الاستقرار.

وفي نهاية المطاف يمكن القول: إن النموذج التركي في الصومال قدّم مقاربة مختلفة عمّا اعتاد عليه القرن الإفريقي: مقاربة تقوم على بناء المؤسسات، وعلى الاستثمار في البشر والبنية التحتية، لا على إنتاج شبكات نفوذ خارج إطار الدولة الوطنية. ولكن هذا النموذج، رغم طموحه، يعمل ضمن بيئة معقدة لا تمنحه القدرة على البروز المطلق.

فالاحتواء التركي للصومال هو احتواء "بالتمكين"، لا احتواء بالقوة؛ احتواء يبني قدرات الدولة لكنه لا يفرض عليها مساراً سياسياً صلباً. وفي الوقت نفسه، يواجه هذا النموذج حدوداً تتعلق بالتنافس الإقليمي، وبالاقتصاد التركي، وبالهشاشة الصومالية، وبالتحولات التي تعصف بممرّات البحر الأحمر من اليمن حتى باب المندب. ورغم ذلك، يبقى يبقى النموذج التركي أحد أكثر النماذج اتساقاً مع فكرة بناء الدولة الصومالية العصرية. وإذا تمكنت الصومال من إعادة تفعيل مؤسساتها، واستثمرت في قدراتها المحلية، وتشاركت مع تركيا في رؤية طويلة الأمد، فقد يتحول هذا النموذج من مجرد تجربة إلى ركيزة استراتيجية قادرة على رسم مستقبل أكثر استقراراً في القرن الإفريقي. 

عن الكاتب

د. عبد الله محمد فارح

رئيس مجلس ادارة منظمة مستقبل الصومال الشبابية وباحث في شؤون القرن الإفريقي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس