
ترك برس
الفترة التي تمتد من عام 1919 - الذي بدأ فيه النضال الوطني - إلى عام 1947 هي فترة تم خلالها تحديد هدف إنشاء الصناعات الدفاعية الوطنية في تركيا واتخاذ المبادرات الأولى في هذا المجال. ولكن في بعض الأحيان فشلت الاستثمارات لأسباب اقتصادية، وفي أحيان أخرى لأسباب سياسية. وبعد الحرب العالمية الثانية ومع التهديد السوفييتي المتزايد اقتربت تركيا من الكتلة الغربية وبعدها بدأت الصناعات الدفاعية التركية بالتراجع.
وفي هذه العملية، بدأت تركيا التي كان ينظر إليها باعتبارها حليفا استراتيجيا نظرا لموقعها الجغرافي وحدودها مع الاتحاد السوفييتي بتلبية معظم احتياجاتها الدفاعية من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الناتو الأخرى. ولم تستمر المبادرات الصناعية الدفاعية المحلية في الأعوام الأولى للجمهورية بسبب المساعدات الدفاعية المتزايدة بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذا السبب، أصبحت الصناعات الدفاعية لتركيا تعتمد بشكل كبير على المصادر الأجنبية أثناء الحرب الباردة. ومع ذلك، في الفترة التالية، كشفت الأزمات المتعمقة مع ظهور المشكلة القبرصية في الستينيات وخاصة الحظر المفروض بعد عملية السلام القبرصية 1974 عن ضرورة تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية لتركيا.
بعد النضال الوطني، تم تحديد هدف تشكيل صناعة دفاعية وطنية كجزء من هدف الاستقلال الكامل للجمهورية التركية وعلى الرغم من إنشاء العديد من المنظمات يبدو أن هذا الهدف قد تم الابتعاد عنه اعتبارا من عام 1947. وفي هذه الفترة تم انهاء العديد من المبادرات وإغلاق المصانع المبنية. وفي النهاية دخلت تركيا في فترة من الاعتماد الكبير على الخارج لتلبية احتياجاتها العسكرية، والتي استمرت حوالي 40 عاما.
تأسيس شركة صناعة الآلات والمواد الكيميائية
في عام 1940 تسببت المشاكل الإدارية والصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها المديرية العامة للمصانع العسكرية في حدوث اضطرابات خطيرة في الصناعات الدفاعية. أدى انخفاض الطلبات المحلية بسبب المساعدات الخارجية إلى فقدان المصانع العسكرية لوظائفها. في عام 1950 تم إعادة هيكلة المديرية العامة للمصانع العسكرية كشركة
صناعة الآلات والمواد الكيميائية (MKEK) وكانت مهمتها تلبية حتياجات الأسلحة والذخائر للقوات المسلحة التركية.
في الخمسينيات، أنشأت شركة صناعة الآلات والمواد الكيميائية مصنعا في أنقرة لإنتاج الذخيرة وفقًا لمعايير حلف شمال الأطلسي، مما أدى إلى تلبية الاحتياجات المحلية واكتساب القدرة على التصدير. علاوة على ذلك تم إنتاج بنادق G-3 و 3-MG وبنادق Cobra المضادة للدبابات مـع الرخصة المأخوذة من ألمانيا الغربية". وبعد فترة وجيزة من تأسيس شركة صناعة الآلات والمواد الكيميائية، ضاعفت الشركة من قدرتها الإنتاجية وأنتجت أيضا قضبان السكك الحديدية والصفائح الفولاذية والمواد النسيجية. ولكن تحويل مصانع الطائرات والمحركات التابعة للقوات المسلحة التركية إلى شركة صناعة الآلات والمواد الكيميائية والتطورات مثل إنتاج الجرارات في 1963 وتحويلها إلى مصنع نسيجي في 1968 تبدي بأن الصناعات الدفاعية تتجه نحو المبادرات المدنية. وقد تم وصف هذه الفترة بأنها «سنوات ضائعة» من حيث تطوير الصناعات الدفاعية".
لقد أعاقت الديناميكيات الداخلية والعوامل الخارجية الجهود الرامية إلى إنشاء صناعة دفاعية وطنية لتركيا.
وفي هذا السياق، تشكل الحرب العالمية الثانية نقطة تحول حاسمة. وعلى الرغم من أن تركيا لم تدخل بشكل مباشر في الحرب فأن التقدم التكنولوجي الحاصل أثناء الحرب والنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب أدى إلى تعميق التأثيرات السلبية على الصناعات الدفاعية. فقد شهدت تركيا التي قامت بمحاولة لمواكبة التطورات التكنولوجية العسكرية بعد الحرب العالمية الأولى تحولات سريعة في النماذج العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية. وتمتد عملية التحول هذه من وحدات سلاح الفرسان إلى الوحدات المدرعة، ومن الطائرات الخفيفة إلى الطائرات المقاتلة النفاثة، ومن المدفعية إلى تكنولوجيا الصواريخ، وقد أدى ذلك إلى زيادة الصعوبات الهيكلية من خلال تحديد أهداف يصعب تحقيقها للصناعة الدفاعية«.
وأما بعد الحرب أنهي النظام الدولي المتغير سياسة التوازن المبنية على مبدأ الاستقلال التام لتركيا. ومع فترة الحرب الباردة بدأ اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية بإظهار سياسة الاحتواء وموقف تنقيحي مع مطالب مد تركيا فأصبح من الضروري على تركيا الابتعاد عن سياسة التوازن وتبني استراتيجية بديلة.
تأثير المساعدات العسكرية الخارجية
ومع انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي في 1952 سارعت الولايات المتحدة الأمريكية من المساعدات العسكرية الموجهة لتركيا التي حاولت أن تضعها كدرع ضد التوسع السوفييتي. وفي حين أن المساعدات العسكرية الأجنبية المتزايدة تلبي احتياجات الدفاع، فإنها تعمل في الوقت نفسه على إضعاف الرغبة في الإنتاج المحلي.
وأدى قانون الإقراض والتأجير الأميركي، وما تلاه من مساعدات بموجب مبدأ ترومان وخطة مارشال، إلى تقويض الجهود الرامية إلى تطوير صناعة دفاعية محلية. وقد فرضت هذه المساعدات عبئا ثقيلا على الميزانية، ولم بكن من الممكن تحقيق الاستدامة بسبب عدم نقل التكنولوجيا. علاوة على ذلك، تسببت قيود الاتفاقية الموقعة مع الولايات المتحدة الأمريكية في 1947 مشاكل جدية أثناء عملية السلام القبرصية 1974. مثال، الرسالة لمرسلة لتركيا من قبل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جونسون في عام 1964 هي تحذير من أنه لن يسمح باستخدام الأسلحة المصنعة في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء التدخل في قبرص فأدى ذلك إلى زعزعة ثقة تركيا في حلف شمال الأطلسي وكشف بشكل أكثر وضوحا عن الآثار السلبية المترتبة على الاعتماد على الخارج. وفي هذا السياق، تسارعت الجهود الرامية إلى تطوير صناعة دفاعية محلية. لقد كانت عملية السلام القبرصية نقطة حول حاسمة بالنسبة للصناعة الدفاعية وأدت في وقت لاحق إلى تحول نموذجي كبير.
قد تم إنشاء مؤسسات مختلفة بين أعوام 1980-1970 من أجل دعم الصناعات الدفاعية. أنشئ وقف تعزيز القوات الجوية في 1970 ووقف تعزيز القوات البحرية في 1972 ووقف تعزيز القوات البرية في 1974 واتحدوا حت سقف وقف تعزيز القوات العسكرية التركية في 1987. وبدعم هذه المؤسسات أنشئت شركة صناعة الإلكترونيات العسكرية (أسلسان)
في عام 1975، شركة إشبير للصناعات الكهربائية (ISBIR) في عام 1979، شركة صناعة وتجارة البطاريات العسكرية في عام 1981، صناعة إلكترونيات الطيران (هافيلسان) في عام 1982. تعد الشركة التركية للصنا A A)
الجوية والفضائية (TUSAS) أنشئت تحت إشراف وزارة الصناعة في عام 1973 خطوة مهمة من أجل تجديد
الطائرات القديمة للقوات المسلحة التركية وتوفير لتوفير الصيانة وإصلاح الطائرات الموجودة. وبذلك تم تشكيل حجر الأساس للصناعة الدفاعية التركية3.
علاوة على ذلك، تسارعت الدراسات العلمية وأنشئ معهد أبحاث وتطوير الصناعات الدفاعية مجلس البحوث العلمية والتكنولوجية في تركيا (TÜBiTAK) في 1972. واستمر هذا المعهد بأنشطته من أجل ضمان استقلال تركيا في التقنيات الدفاعية وتطوير المنتجات التنافسية، لقد شكلت الأساس لنهج دفاعي يعتمد على البحث والتطوير.
وفي نفس الوقت تم اعداد مشروع قانون «مؤسسة الصناعات الدفاعية» في عام 1975 لتشكيل البنية المؤسساتية للصناعة الدفاعية، ولكنه وبسبب المناقشات تم وضعه على الرف بين عامي 1977.-1979 وأما في 1983 تم إنشاء المديرية العامة لشؤون المعدات الدفاعية كمؤسسة اقتصادية عامة وفي نفس العام تم إعادة هيكلتها كالمديرية العامة لعمليات المعدات الدفاعية. وقد تم إلغاء هذه المديرية، وتم إنشاء إدارة تطوير ودعم الصناعات الدفاعية، التي تشكل الأساس للصناعة الدفاعية اليوم.
فترة 2004-1985 هي مرحلة تكتسب فيها عملية التحديث والتوطين في الصناعات الدفاعية التركية زخما متزايدا. وكان القانون رقم 3238 الذي أصدر من أجل تطوير الصناعات الدفاعية الحديثة في عام 1985 وتوفير تحديث القوات المسلحة التركية بمثابة خطوة مهمة في تحقيق أهداف الإنتاج الوطني في الصناعات الدفاعية، وركز على أنشطة البحث والتطوير. ودعمت السياسات الاقتصادية المتمثلة في الليبرالية المالية وريادة الأعمال والنمو الموجه نحو التصدير بأهمية قصوى أعمال الصناعات الدفاعية. خلال هذه الفترة، ومع انتهاء احتكار الدولة، تم تشجيع استثمارات القطاع الخاص، وقدم صندوق الصناعات الدفاعية الدعم المالي للشركات الخاصة.
الهياكل المؤسسية مثل رئاسة إدارة تطوير ودعم الصناعات الدفاعية (SAGEB) ومجلس التنسيق الأعلى للصناعة الدفاعية (SSYKK)، اللذان وضعا الأساس لوكالة وزارة الصناعات الدفاعية (SSM)، تعد آليات مهمة أنشئت في عام 1985. قامت ومجلس التنسيق الأعلى للصناعة الدفاعية (SSYKK) واللجنة التنفيذية للصناعة الدفاعية بتوجيه السياسات الدفاعية في تلك الفترة. وبفضل هذه الهياكل كانت رئاسة الجمهورية ورئاسة الولا الوزراء ومجلس الأمة التركي الكبير (TBMM) والمؤسسات الحكومية الأخرى مؤثرة في عملية صنع القرار فيما يتعلق بالصناعات الدفاعية. وقد حقق صندوق دعم الصناعات الدفاعية الاستدامة المالية من خلال مصادر مثل ضرائب الدخل والشركات، وضريبة استهلاك الوقود، وإيرادات الاحتكار، والقروض الأجنبية، واليانصيب الوطني، ومبيعات الأسلحة، والخدمة العسكرية المدفوعة. وأما في عام 1989، تم إعادة هيكلتها باسم وكالة وزارة الصناعات الدفاعية مع المرسوم بحكم القانون رقم 390 وتم تقوية البنية المؤسساتية. وكانت هذه العملية قطة تحول مهمة في رحلة تحديث الصناعات الدفاعية.
المصدر: كتاب "من الجذور إلى الآفاق: قصة صعود الصناعات الدفاعية التركية"، الصادر عن الرئاسة التركية
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










