ترك برس

قال الكاتب والخبير التركي محمد رقيب أوغلو إن العلاقات بين تركيا وإسرائيل شهدت خلال سنوات طويلة مساراً متقلباً اتسم بأزمات دبلوماسية متكررة، إلا أن قنوات الاتصال كانت تُعاد فتحها غالباً عبر خطوات براغماتية تتكيّف مع المتغيرات الإقليمية والدولية، محذرا من استراتيجية إسرائيلية لتحويل تركيا إلى "إيران جديدة".

وأوضح رقيب أوغلو في مقال بمجلة كريتيك باكيش أن المشهد الذي برز بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل الحرب الإسرائيلية التي امتدت من غزة إلى مناطق أخرى في الإقليم، ومع استمرار الاحتلال في فلسطين والاتهامات المتعلقة بارتكاب إبادة جماعية، يشير إلى دينامية قطيعة أكثر حدّة وديمومة تتجاوز النموذج السابق للعلاقات المتذبذبة بين أنقرة وتل أبيب.

وأشار إلى أن التصريحات المعادية لتركيا التي تصدر حالياً عن شخصيات في السياسة الإسرائيلية، مثل رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت ووزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي، إضافة إلى الخطاب الأمني الذي يتبناه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ويضع تركيا في مركز محور جديد بدلاً من “المحور الشيعي”، لم تعد تعكس مجرد توتر دبلوماسي بين البلدين، بل تعكس أيضاً عملية انفصال بنيوية يُعاد فيها تشكيل التصورات المتبادلة وتعريفات التهديد والمواقع الإقليمية.

وبيّن رقيب أوغلو أن هذا التحول يقوم على مسارين متزامنين. الأول يتمثل في انتقال تركيا بملف فلسطين من مستوى التضامن الخطابي إلى مستوى استراتيجية متعددة الطبقات. وأوضح أن أنقرة باتت تتعامل مع حركات المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، ليس فقط باعتبارها قوى تقاوم العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، بل أيضاً باعتبارها فاعلين سياسيين شرعيين في الإقليم.

وأضاف أن الرئيس رجب طيب أردوغان قدّم حماس في خطابه السياسي عبر مراجع تاريخية مرتبطة بالمقاومة الوطنية، مشبهاً إياها بقوات الكفاح الوطني التركية، وهو ما يعكس إدراج القضية الفلسطينية ضمن قراءة أوسع للهوية السياسية والتاريخية لتركيا، وليس مجرد ملف في السياسة الخارجية.

وقال الخبير التركي إن إسرائيل ترى في هذا النهج التركي حاجزاً سياسياً ونفسياً يمكن أن يعارض تصورها للنظام الإقليمي بعد حرب غزة.

أما المسار الثاني، بحسب رقيب أوغلو، فيتعلق بالهجوم الخطابي المتصاعد في إسرائيل ضد تركيا. ولفت إلى أن التصريحات التي تستهدف تركيا والرئيس أردوغان من قبل وزراء إسرائيليين ورؤساء وزراء سابقين وأوساط أيديولوجية في المعسكر اليميني لم تعد تبدو مواقف فردية، بل تبدو جزءاً من إطار استراتيجي أوسع.

وأوضح أن تصوير تركيا في الخطاب الإسرائيلي على أنها “حصان طروادة خطير يدفع شبكات مرتبطة بالقاعدة”، وربطها برموز مرتبطة بالأمن العالمي لتصويرها كمركز لشبكات مظلمة، إضافة إلى متابعة الإجراءات القانونية التي تتخذها تركيا ضد إسرائيل بسبب الحرب في غزة، كلها مؤشرات على أن هذه الهجمات ليست عشوائية بل مؤسسية.

وأشار رقيب أوغلو إلى أن أحد أبعاد هذا التوجه يتمثل في طرح إسرائيل رؤية ما يسمى بـ“التحالف السداسي”، وهي شبكة تحالفات تضم فاعلين مثل الهند واليونان والإدارة القبرصية اليونانية في جنوب قبرص، وتسعى إلى التوسع عبر دول عربية وإفريقية وآسيوية.

وأوضح أن هذه الرؤية تعكس رغبة إسرائيل في مواصلة المواجهة مع إيران، وفي الوقت نفسه إدراج “الملف التركي الصاعد” ضمن البنية الإقليمية الجديدة، مشيراً إلى أن وصف تركيا بأنها “إيران الجديدة” لا يقتصر على كونه دعاية سياسية، بل يعمل كمرساة استراتيجية تبرر محاولات بناء تحالفات جديدة.

وأضاف أن الأزمات السابقة بين تركيا وإسرائيل كانت غالباً ترتبط بأحداث محددة، ثم تنخفض حدة الخطاب السياسي مع مرور الوقت، ويتم تفعيل قنوات التعاون في مجالات مثل التجارة والطاقة والأمن.

لكن رقيب أوغلو يرى أن الوضع الحالي مختلف، إذ إن الاتهامات الإسرائيلية لم تعد تضع تركيا في موقع “الناقد المزعج” فقط، بل في موقع منافس استراتيجي يمكن أن يعرقل مشاريع بناء النظام الإقليمي. وأشار إلى أن انتقال النقاش في إسرائيل حول تركيا من إطار العلاقات الثنائية إلى إطار الأمن القومي والتحالفات الإقليمية يمثل مؤشراً واضحاً على هذا التحول.

كما لفت إلى أن السياسة الداخلية الإسرائيلية تلعب دوراً مهماً في هذا الخطاب، موضحاً أن شخصيات مثل نتنياهو وبينيت، رغم اختلافهما السياسي، تعتمد على خطاب أمني قائم على فكرة “إنتاج التهديد الدائم”، وهي مقاربة متجذرة في اليمين الإسرائيلي.

وأوضح أن وضع تركيا في مركز هذا الخطاب الأمني لا يهدف فقط إلى التصعيد السياسي، بل يخدم أيضاً الحفاظ على شرعية السياسة الداخلية الإسرائيلية في ظل أجواء الحرب والملف الأمني.

وأضاف أن تضخيم التهديد التركي في الخطاب الإسرائيلي يتزامن مع نقاشات حول احتمال هجوم أمريكي على إيران، وهو ما يعكس حاجة إسرائيلية إلى الحفاظ على “استمرارية التهديد”، الأمر الذي يتيح ترجمة التحركات في السياسة الخارجية إلى مكاسب داخلية مثل بناء تحالفات جديدة وزيادة ميزانيات الأمن وتعزيز التعبئة السياسية.

ورأى رقيب أوغلو أن وضع تركيا في الفئة نفسها مع إيران يطرح إشكالية تحليلية، لأن إيران تُصنّف في إسرائيل منذ سنوات ضمن التهديد الوجودي بسبب برنامجها النووي وشبكات الوكلاء، بينما تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) واقتصادها ضمن مجموعة العشرين ولديها اندماج عميق في الاقتصاد العالمي.

وقال إن وصف تركيا بأنها “إيران الجديدة” يخدم هدفين رئيسيين بالنسبة لإسرائيل: الأول تقويض شرعية تركيا في الرأي العام الغربي، والثاني تسويق مساعي إسرائيل لبناء تحالفات جديدة باعتبارها إجراءات أمنية ضرورية.

لكنه حذر في الوقت نفسه من أن هذا الخطاب يحمل مخاطر، لأن الإفراط في تصوير تركيا كتهديد قد يدفع أنقرة إلى تبني مواقف أكثر صرامة، ما قد يحول الخطاب السياسي إلى نبوءة تحقق ذاتها.

وفي ما يتعلق بما يسمى “التحالف السداسي”، أوضح رقيب أوغلو أن هذا المفهوم لا يشير إلى تحالف عسكري تقليدي بقدر ما يعكس محاولة لبناء بنية أمنية تتمحور حول معاداة تركيا.

وأشار إلى أن إبراز دور الهند يعكس رغبة إسرائيل في توسيع عمقها الاستراتيجي إلى ما يتجاوز الشرق الأوسط ليصل إلى محور آسيا – شرق المتوسط، بينما يعكس التركيز على اليونان وقبرص اليونانية تصوراً جيوسياسياً يهدف إلى استبعاد تركيا من معادلات شرق المتوسط، خاصة في ظل التنافس على الطاقة ومناطق النفوذ البحري.

وأضاف أن هذا التوجه يرتبط أيضاً بسياسة تقاسم الأعباء التي تتبعها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث تسعى واشنطن إلى تقليل انتشارها العسكري المباشر وتشجيع شبكات تعاون بين الحلفاء تشمل أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخبارية.

وأوضح أن إسرائيل تحاول في هذا السياق أن تتحول إلى “عقدة تكنولوجية وأمنية” في المنطقة، وأن فكرة التحالف السداسي يمكن فهمها كمحاولة لربط خطوط جديدة بهذه العقدة.

ومع ذلك، يرى رقيب أوغلو أن هذا التحالف يواجه حدوداً بنيوية، لأن التعاون العسكري العلني مع إسرائيل أصبح مكلفاً سياسياً في الرأي العام العربي بعد حرب غزة، كما أن تقاليد الاستقلال الاستراتيجي لدى الهند قد تحد من انخراطها الكامل في تحالفات صلبة.

وأضاف أن استهداف إسرائيل في خطابها لكل من “المحور الشيعي المتطرف” و“المحور السني المتطرف الصاعد” في الوقت نفسه قد يؤدي إلى تضخم في تصور التهديد، ما قد يجعل بناء التحالفات أكثر تعقيداً بدلاً من تسهيله.

وأشار إلى أن التحالف السداسي يبدو في الوقت الحالي أقرب إلى إعلان توجه استراتيجي يعكس طموح إسرائيل لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، أكثر منه تحالفاً مكتمل البنية.

وفي المقابل، أوضح رقيب أوغلو أن تركيا لم تكتف بإنتاج خطاب نقدي تجاه إسرائيل، بل طورت مجموعة من الردود متعددة الأبعاد.

وبيّن أن البعد الأول يتمثل في الجبهة القانونية، حيث شاركت أنقرة في مسار محكمة العدل الدولية، ودعمت نقاشات الاختصاص القضائي العالمي، وأطلقت مبادرات قانونية ضد مسؤولين إسرائيليين، في محاولة لوضع القضية الفلسطينية ضمن إطار نضال قانوني ومؤسسي.

وأضاف أن متابعة الدوائر الإسرائيلية ومراكز الأبحاث الغربية لهذه التحركات القانونية التركية تعكس أن مصدر القلق في تل أبيب لا يقتصر على الدبلوماسية، بل يمتد أيضاً إلى مسألة الشرعية الدولية والسمعة السياسية.

أما البعد الثاني فيتمثل في الردع الاقتصادي، إذ أوقفت تركيا التجارة مع إسرائيل على المستوى الرسمي والمؤسسي، وفرضت قيوداً على المجال الجوي وجمّدت التعاون في الصناعات الدفاعية.

وأشار رقيب أوغلو إلى أن هذه الإجراءات تعكس انتقال تركيا إلى سياسة خارجية مستعدة لتحمل الكلفة، لكنها في الوقت نفسه تفرض ضغوطاً استراتيجية على إسرائيل عبر تعقيد سلاسل الإمداد واللوجستيات.

أما البعد الثالث فيتمثل في المجال الاستخباري والأمني، حيث كشفت السلطات التركية عن شبكات تابعة للموساد داخل البلاد، ما يدل على أن أنقرة تمتلك القدرة على الرد أيضاً على المستوى العملياتي.

وأضاف أن هذا الواقع يعكس أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى تركيا باعتبارها مجرد معارض سياسي، بل باعتبارها فاعلاً يمكن أن يشكل تحديات أمنية على الأرض.

أما البعد الرابع فيتمثل في التحركات الإقليمية، حيث تمكنت تركيا منذ عام 2021 من تطبيع علاقاتها مع دول الخليج وإعادة فتح قنوات الحوار مع قوى إقليمية مختلفة، كما شاركت في الملف السوري من خلال التواصل مع الإدارة الجديدة في دمشق.

وأوضح رقيب أوغلو أن هذه التحركات تخلق تحديين لإسرائيل: الأول أنها تضعف محاولات عزل تركيا إقليمياً، والثاني أنها تحول تركيا من فاعل منفرد إلى طرف قادر على بناء منصات إقليمية.

وفي ختام تحليله، قال رقيب أوغلو إن إسرائيل تحاول من خلال وصف تركيا بأنها “إيران الجديدة” تقويض شرعية أنقرة في الغرب وتبرير بناء شبكات تحالف جديدة، بينما تسعى تركيا إلى تقييد إسرائيل عبر أدوات قانونية واقتصادية واستخبارية وإقليمية متعددة.

واعتبر أن هذه الدينامية المتبادلة قد تنقل العلاقات بين البلدين من نمط الأزمات القابلة للإدارة إلى مرحلة من البرود طويل الأمد والانفصال الاستراتيجي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!