ترك برس 

تُعد الصناعات الدفاعية ذات أهمية حيوية في ضمان أمن الدولة واستقلالها. وتُعد الأسس التاريخية للصناعات الدفاعية التركية انعكاساً لنضال الأمة التركية من أجل الاستقلال والسيادة، وهي أمة اشتهرت بإنجازاتها العسكرية. وعلى مرّ التاريخ، تميزت الدول التركية بنهجها الابتكاري في فنون الحرب وتفوقها الاستراتيجي.

تعمل الصناعات الدفاعية على تصميم وإنتاج أنظمة الدفاع والهجوم التي تحتاجها القوات المسلحة، كما تسهم في تكاملها مع القطاعات الصناعية والأنشطة الاقتصادية الأخرى. ولذلك، لا يمكن النظر إلى الصناعات الدفاعية بمعزل تام عن بقية فروع الصناعة، إذ إن عمليات الإنتاج تتطلب تعاوناً وتنظيماً وثيقاً مع جميع القطاعات الصناعية". وقد تميز الأتراك عبر التاريخ بقدراتهم العسكرية واستراتيجياتهم الحربية. وما يميز الأتراك في هذا المجال ليس فقط النجاحات السياسية والعسكرية التي حققوها، بل أيضاً التكتيكات الحربية المعقدة وتكنولوجيا الأسلحة الفعالة التي قاموا بتطويرها.

وقد لعبت هذه العناصر المطورة دوراً مهماً في تمكينهم من التفوق على خصومهم في ساحة المعركة.

الصناعات الدفاعية التركية في عهد ما قبل الجمهورية

كانت الدول التركية في العصور المبكرة بحاجة إلى تقنيات حربية متقدمة وتقنيات متطورة لإقامة سيطرة واسعة على مساحات جغرافية شاسعة. كان استخدام الخيول كحيوان للركوب يوفر السرعة والمرونة في العمليات العسكرية، بينما أتاح التخصص في صب الحديد إنتاج أسلحة متينة وفعالة. برز الحديد والنحاس والقصدير والبرونز من بين المعادن المستخدمة في هذه الفترة. وأسهمت التقنيات المستخدمة في معالجة هذه المعادن في تعزيز تفوق الأتراك في ساحة المعركة.

تعد المرحلة الممتدة من العصور المبكرة للدول التركية وحتى عهد السلاجقة فترة تطور تكنولوجي مهم في الصناعات الدفاعية التركية. جمع الأتراك، في الفترات المبكرة، بين السرعة والمتانة في الحروب من خلال خبرتهم في معالجة الحديد واستخدام الخيول، بينما قام السلاجقة بإثراء هذا الإرث بأنظمة أسلحة ميكانيكية أكثر تطوراً.

عهد الإمبراطورية السلجوقية

يُعد عهد السلاجقة من الفترات التي شهدت انتقال الصناعات الدفاعية التركية إلى مرحلة جديدة. ففي هذه الحقبة، تم تطوير أسلحة ميكانيكية مثل المنجنيق، حيث كانت أنظمة المنجنيق التي تطلق الحجارة والتي استُخدمت في عهد ألب أرسلان أداة دفاعية فعالة®". وقد لوحظ إدراج الأسلحة الثقيلة على قائمة الجيوش خلال عهد السلاجقة. ففي عهد طغرل بك (1040-1063) كانت تُستخدم مجانيق تطلق حجارة تزن 55 كيلوغراماً ويشغلها 400 شخص، أما في عهد ألب أرسلان (1065-1072) فقد تم استخدام مناجيق أكبر تطلق حجارة تزن 90 كيلو غراماً ويشغلها 1200 جندي يتحكمون فيها بواسطة الحبال". إن تطوير الأسلحة الثقيلة مثل المناجيق في عهد السلاجقة يدل على أن الأتراك دمجوا استراتيجياتهم العسكرية مع التكنولوجيا، مما أدى إلى إنشاء بنية دفاعية أقوى. وتمثل هذه التطورات استمراراً للتحولات التقنية والتكتيكية في تاريخ الحروب التركية.

إن استقرار الأتراك في الأناضول وكون أراضيهم محاطة بالبحار من ثلاث جهات جعل من الأنشطة البحرية ضرورة ملحة. أسس جاكا بي في عام 1081 في عهد السلاجقة أول حوض بناء سفن في إزمير وأنشأ البحرية التركية، وهو ما شكل أحد الركائز الأساسية للملاحة التركية. يعد حوض بناء السفن (ترسانة) في الآيية الذي بني عام 1227 في ألآنيا ذات أهمية استراتيجية بالغة من حيث السيطرة على البحر الأبيض المتوسط، وكان من بين أهم أحواض بناء السفن في ذلك العصر2". من الواضح أن الأنشطة البحرية كانت ضرورة استراتيجية للأتراك على مر التاريخ. إن ريادة جاكابي ومساهمات حوض الآيية ساعدت على تعزيز النفوذ التركي في البحر الأبيض المتوسط مما شكّل مرحلة مهمة في تاريخ الملاحة التركية.

فترة الإمبراطورية العثمانية

كانت الإمبراطورية العثمانية إحدى الدول القوية في زمنها مع تقنياتها العسكرية وقابليتها الحربية، وطورت أنظمة الأسلحة باستمرار من أجل المنافسة مع الدول الغربية. وشكلت المرافق العسكرية مثل المدفعية ومستودعات الأسلحة وصانع الأسلحة وحوض بناء السفن (ترسانة) أسس الصناعات الدفاعية للعثمانيين والأتراك. ومع عدم المعرفة التامة بأي وقت تم البدء باستخدام الأسلحة النارية من قبل العثمانيين فيلاحظ وصول هذه التقنيات المطورة في أوروبا بسرعة إلى العثمانيين عبر البلقان في القرن الرابع عشر. لقد كان للعلاقات المكثفة للإمبراطورية العثمانية مع الصرب عاملاً حاسماً في نقل هذه التكنولوجيا". وكان لهذا التفاعل التكنولوجي المبكر عامل مهم في زيادة القوة العسكرية للعثمانيين. ساهمت تقنيات الأسلحة النارية المكتسبة خلال عمليات الحرب والسلام تغيير ثوري في الاستراتيجيات العسكرية للعثمانيين.

لعبت الأسلحة بعيدة المدى، وخاصة تكنولوجيا المدافع والرمي، دورا مهما في الصناعات الدفاعية العثمانية.

وأصبحت الدولة العثمانية رائدة عالمية من حيث تكنولوجيا صنع المدافع بين أعوام 1550.-1450 نفذ أول استخدام للمدفع في الدفاع عن قلعة أنطاليا (1386) في فترة حكم مراد الأول، وجاء في المصادر أن العثمانيين استخدموا المدافع ضد الجيش الصليبي، وأن هذه المدافع كان يقودها رجل مدفعي يدعى حيدر في حرب كوسوفو الأولى في 1389. المدافع التي كانت لها في البداية قوة تدميرية محدودة ففي عام 1439 تم تطويرها لهدم القلاع وفي عام 1444 لإغراق السفن'". هذه التطورات توضح كيف ازدادت القوة العسكرية للعثمانيين وإلى أي مدى تقدمت في دمج التكنولوجيا في استراتيجيات الحرب. ساهم التطور السريع لتكنولوجيا المدفع للعثمانيين تصبح أكثر فعالية في الحصار والحروب وكان عاملا حاسما في الانتصارات العسكرية.

ومن أجل التغلب على صعوبة نقل المدافع في الأراضي الوعرة، تجاوز العثمانيين التقليد الدفاعي الأوروبي من خلال تطبيق تقنيات رمي المدافع أمام القلاع. وفي فترة حكم مراد الثاني (1438) أثناء حصار جيرمي حصار، تم إنشاء المدافع الثابتة والمحمولة وتم إنتاج المدافع الكبيرة في تلك الفترة هنا. مثال، يعتبر مدفع الحصار، الذي تم صنعه في قلعة شكودرا وقادر على إطلاق 702 كيلوغرامًا من قذائف المدفعية الحجرية، أحد أكثر الأسلحة إثارة للإعجاب في تلك الفترة. ويرتبط نجاح العثمانيين في هذا المجال بسياستهم المتمثلة في الجمع بين عدد كبير من صانعي الأسلحة والمهندسين. يذكر أن 32 من خبراء صنع المدافع الكبيرة قد عملوا لدى العثمانيين في فترة حكم السلطان محمد الفاتح وأن المدافع ذات القطر الكبير موجودة في المخزون منذ15 1430. لقد عززت أعمال إنشاء مستودعات الأسلحة التي بدأت قبل فتح السلطان محمد الفاتح لإسطنبول من القوة العسكرية للإمبراطورية العثمانية ووضع الأساس للإنجازات الهندسية في هذا المجال.

كما وضع فتح إسطنبول أسس الهيكل المؤسسي لصنع المدفع في الدولة العثمانية. قام السلطان محمد الفاتح بتسريع عمليات إنتاج المدفع وتوسيع شبكة مستودعات الأسلحة من خلال تنظيم الفرق والوحدات العسكرية اللازمة للحرب، وزاد عدد مستودعات الأسلحة بشكل كبير بعد الفتح. وفي هذا الصدد، تم تعزيز الصناعات الدفاعية العثمانية من خلال إنشاء مستودعات أسلحة جديدة في نقاط استراتيجية بالإضافة إلى مراكز مثل بورصة وأدرنة". بينما تعزز الأهمية التي أعطاها السلطان محمد الفاتح لصناعة المدفع من القوة العسكرية للعثمانيين وفي نفس الوقت مكنت من تطوير البنية التحتية المؤسسية في الصناعات الدفاعية. هذه الخطوات الاستراتيجية زادت من الفعالية العسكرية للإمبراطورية العثمانية وشكلت حجر الأساس للصناعة الدفاعية من خلال شبكة مستودعات الأسلحة المتوسعة.

وتذكر المصادر التاريخية أن الدولة العثمانية طورت حلولا مبتكرة لاستخدام المدفعية في الأراضي الوعرة، وبالتالي أصبحت في قمة الصناعات الدفاعية في أوروبا. أن نيران المدفعية الثابتة والمتحركة والمدافع الكبيرة أثناء حصار قلعة جيرمي حصار توضح المعرفة الهندسية المتفوقة للعثمانيين في 1438 لمراد الثاني. تم تسجيل مدفع الحصار الذي يبلغ وزنه 702 رطلاً أمام قلعة شكودرا كأكبر مدفع في تلك الفترة. وهذا النجاح هو نتيجة دعم خبراء الكرة والمهندسين العثمانيين". ساعدت نجاحات الهندسة العسكرية للدولة العثمانية على تحقيق التفوق ليس فقط في المدفعية ولكن أيضا على المستوى الاستراتيجي

شكل فتح إسطنبول في عام 1453 نقطة تحول مهمة في تطوير تقنيات المدفع الثقيل والصناعات الدفاعية. وقد قاد السلطان محمد الفاتح هذه العملية بمعرفته الهندسية ومنهجه العلمي، وصمم المدفع السلطاني «شاهي» بنفسه والتي استخدمت في حصار إسطنبول. وكانت هذه المدافع من أقوى الأسلحة في تلك الفترة وتشير إلى فترة تم فيها إنتاج مدافع تزن 17-15 طنا، قادرة على إطلاق قذائف مدفعية يتراوح وزنها بين 500-200 كيلوغرام. تم تصميم المدفع السلطاني «شاهي»، الذي تم تطويره بمساهمة المهندسين، لتدمير الأسوار البيزنطية، كمالعبت قذائف الهاون المستخدمة أثناء الحصار دورا رئيسيا في هذه العملية".

ومع هذا خلال فترة الإمبراطورية العثمانية، تم بناء أحواض بناء السفن ذات الأهمية القصوى في إزميت وكارامورسيل، وجاليبولي، وإسطنبول، وسينوب، والسويس. بينما تم أخذ ترسانة إزميت من البيزنطينين فكانت ترسانة جاليبولي أول ترسانة منتظمة وكبيرة للعثمانيين أنشئت في فترة حكم ييلدرم بايزيد في 1390. كانت هذه الترسانة بمثابة القاعدة البحرية الأكثر استراتيجية للعثمانيين إلى حصار الترسانة العامرة. أصبحت ترسانة هاليتش، الذي تم وضع أساسه السلطان محمد الفاتح في عام 1455، أحد أكبر أحواض بناء السفن في العالم في القرن السادس عشر ووصل إلى قدرة بناء تبلغ 249 سفينة سنويا. وأما الترسانة العامرة، فحافظت على ميزة أن تكون القاعدة الرئيسية للبحرية إلى فترة انهيار الدولة العثمانية2. تعد الترسانة في الفترة العثمانية من مشاريع البنية التحتية المهمة التي تعكس القوة البحرية لتلك الفترة. إنشاء الترسانات في مناطق استراتيجية ووصولها لقدرات أنتاج كبيرة تلعب دورا حياتيا في زيادة قوة البحرية العثمانية. تلعب ترسانة تاسكيزاك دور رئيسي في مرحلة

تحديث البحرية العثمانية. وفي عام 1828 تم بناء أول سفينة مدرعة وفرقاطة في 1884 وأول غواصة في 1886.
أثناء الحرب العالمية الأولى تم أنهاء فعاليات الترسانة وأصبحت جاهزة للعمل مرة أخرى في فترة الجمهورية.

وبينما زادت الدولة العثمانية نفوذها السياسي في العالم الإسلامي بالتكنولوجيا العسكرية في القرن السادس عشر، فإن الثروات التي اكتسبتها القوى الاستعمارية من العالم الجديد عطلت التوازن الاقتصادي للبلاد وأبطأت نقل التكنولوجيا2. أدى هذا الوضع إلى تباطؤ التطورات في الصناعات الدفاعية وخلق الحاجة إلى إعادة تنظيم الديناميكيات الداخلية للدولة. وقامت الإمبراطورية العثمانية بإحياء مشاريع دفاعية مهمة من خلال استخدام مواردهم الخاصة بأكثر كفاءة في هذه المرحلة.

وفي هذا السياق، جذب لاغاري حسن جلبي وهزارفن أحمد جلبي اللذان برزا بأعمالهما المبكرة في مجال الطيران في القرن السابع عشر الانتباه. دخل لاغاري حسن جلبي التاريخ باعتباره أحد رواد تكنولوجيا الصواريخ الحديثة من خلال اختبار الطيران العمودي باستخدام نظام صاروخي متعدد المراحل يعمل بالبارود. وفي نفس الوقت، قدم هزارفن أحمد جلبي مساهمة كبيرة في تاريخ الطيران من خلال رحلته بالطائرة الشراعية من برج غلطة إلى أوسكودار. ويتناول جدول الصناعات الدفاعية في فترة الدولة العثمانية هذه التطورات المهمة في الصناعات الدفاعية للدولة العثمانية من منظور تاريخي ويلخص الأولويات الاستراتيجية لتلك الفترة وكيف تغيرت هذه الأولويات.

المصدر: كتاب "من الجذور إلى الآفاق: قصة صعود الصناعات الدفاعية التركية"، الصادر عن الرئاسة التركية

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!