ترك برس

نشر موقع Project Syndicate مقالًا بقلم الرئيس التركي السابق عبد الله غُل، شدد فيه على أن أمن أوروبا يمر عبر شراكة استراتيجية مع تركيا، محذرًا من أن القارة تواجه أزمة أمنية غير مسبوقة نتيجة الاعتماد الطويل على الضمانات الخارجية في الدفاع.

يرى غُل أن أوروبا تعيش اليوم واحدة من أعقد مراحلها الأمنية، وهي نتيجة تراكمات استراتيجية أبرزها تحويل مسؤولية الدفاع إلى قوى خارجية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فمع تزايد التوترات الدولية وتصاعد النزعات القومية والمصالح الضيقة، باتت بنية الأمن الأوروبية بحاجة إلى إعادة صياغة تضمن استقلالًا استراتيجيًا دون التخلي عن التحالفات القائمة، وفي مقدمتها NATO.

وبحسب مجلة Perspektif التركية، يؤكد غُل في مقاله أن أوروبا ما زالت تمتلك قوة “ناعمة” تقوم على الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد، لكنها بحاجة إلى تعزيز قوتها الصلبة وبناء منظومة أمنية أكثر موثوقية. ويعتبر أن الحل لا يكمن في استبدال الناتو أو بناء منظومة منعزلة داخل حدود الاتحاد الأوروبي، بل في تطوير إطار أمني أوسع يشمل الفاعلين الأساسيين، وعلى رأسهم تركيا.

ويشير غُل إلى أن القارة الأوروبية تواجه تحديات متزايدة بسبب التحولات في السياسة الأمريكية، لافتًا إلى أن واشنطن لم تعد تنظر إلى دورها كضامن دائم لأمن أوروبا. هذا التحول – في رأيه – يفرض على أوروبا إعادة التفكير في نموذجها الأمني، بحيث تنتقل من الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي إلى بناء قدرات دفاعية مستقلة ومتكاملة.

ويحذر المقال من أن استبعاد تركيا من أي معادلة أمنية أوروبية سيكون خطأً استراتيجيًا، نظرًا لدورها الجيوسياسي وقدراتها العسكرية. فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، إلى جانب حضور إقليمي يمتد من القوقاز إلى الشرق الأوسط، فضلًا عن تطور صناعتها الدفاعية التي أصبحت لاعبًا مهمًا في سوق التكنولوجيا العسكرية.

ويستعيد غُل تجربة مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، معتبرًا أن بعض الأخطاء السياسية والنهج الأحادي الجانب ساهمت في تعثر المسار. ويدعو اليوم إلى مقاربة جديدة تقوم على التعاون الحقيقي بدلًا من الشروط السياسية التي تعيق التقدم، مؤكدًا أن أمن أوروبا لا يمكن أن يكون رهينة مصالح ضيقة لدول بعينها.

من هذا المنظور، يرى الكاتب أن الشراكة التركية–الأوروبية ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية. فتركيا – بحسب تحليله – توفر عمقًا جيوسياسيًا وقدرة على المساهمة في الاستقرار الإقليمي، إلى جانب دورها في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.

ويخلص المقال إلى أن بناء نظام أمني أوروبي جديد لا يعني القطيعة مع التحالفات القائمة، بل تحديثها بما يتناسب مع الواقع الدولي المتغير. وفي هذا السياق، يشدد غُل على أن إشراك تركيا في آليات الأمن الأوروبية سيعزز من موثوقية النظام الأمني ويمنح أوروبا قدرة أكبر على التعامل مع التحديات المستقبلية.

بعبارة أخرى، الرسالة الأساسية للمقال هي أن أوروبا لا تستطيع تحقيق أمنها بمعزل عن محيطها الاستراتيجي، وأن تركيا تشكل جزءًا من المعادلة لا يمكن تجاهله إذا أرادت القارة بناء منظومة أمنية أكثر توازنًا واستدامة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!