ترك برس

استعرض تقرير لشبكة الجزيرة القطرية أبعاد الزيارة التي سيقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يوم الثلاثاء، لإجراء مباحثات مع رئيس الوزراء آبي أحمد، تتناول مسار العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي.

وبحسب التقرير، يُرتقب خلال الزيارة توقيع حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي استكملت مفاوضاتها أخيرا، في إطار الدفع نحو توسيع مجالات التعاون بين البلدين.

وذكر التقرير أن إثيوبيا تمثل إحدى الركائز الأساسية في مقاربة أنقرة تجاه القارة الأفريقية، نظرا لموقعها الجغرافي في قلب القرن الأفريقي، وهي منطقة تتقاطع فيها حسابات الأمن البحري والممرات التجارية والتوازنات الإقليمية. وتابع:

شهدت العلاقات التركية الإثيوبية توسعا مطردا خلال العقدين الماضيين، بالتوازي مع سياسة الانفتاح التركي على أفريقيا. وتُعد أديس أبابا اليوم أكبر مستقبل للاستثمارات التركية في القارة، إذ تستضيف استثمارات تتجاوز قيمتها مليارين ونصف المليار دولار، تمثل نحو نصف إجمالي الاستثمارات التركية المباشرة في أفريقيا.

وينشط في السوق الإثيوبية قرابة 200 شركة تركية تعمل في قطاعات البنية التحتية والنقل والصناعات النسيجية والزراعية والأثاث، وأسهمت في توفير عشرات الآلاف من فرص العمل. وتشير بيانات رسمية إثيوبية إلى أن أنقرة تحتل المرتبة الثانية بين كبار المستثمرين الأجانب في البلاد، كما تصنف ضمن أبرز شركائها التجاريين في أفريقيا.

ورغم أن حجم التبادل التجاري الثنائي لا يزال في حدود مئات ملايين الدولارات سنويا، فإن الجانبين يضعان أهدافا لرفعه تدريجيا إلى نصف مليار دولار ثم إلى مليار دولار خلال السنوات المقبلة، عبر تحفيز التجارة المتبادلة وتشجيع الاستثمارات المشتركة.

وفي قطاع الطاقة والمعادن، يتوقع أن تتناول المباحثات تفعيل اتفاقيات سابقة للتعاون في مجالات التنقيب عن النفط والغاز والتعدين، وتنفيذ مشاريع مشتركة لتطوير الموارد الطبيعية. كما سبق أن وقّع الطرفان اتفاقا للتعاون في مجال الطاقة شمل دعما فنيا تركيا لاستكشاف موارد الطاقة الحرارية الأرضية والفحم، عبر برامج لبناء القدرات المؤسسية.

تندرج زيارة أردوغان إلى أديس أبابا ضمن مسعى تركيا لترسيخ موقعها كفاعل دبلوماسي في معادلات القرن الأفريقي. وقد برز هذا الدور بوضوح في الوساطة التي قادتها بين إثيوبيا والصومال، والتي أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ"إعلان أنقرة" في ديسمبر/كانون الأول 2024، منهيا توترا دبلوماسيا حادا بينهما على خلفية الخلاف بشأن مذكرة التفاهم بين أديس أبابا وإقليم أرض الصومال ومسألة الوصول إلى البحر الأحمر.

ومن المتوقع أن يجدد أردوغان خلال زيارته التأكيد على دعم بلاده لوحدة أراضي كل من إثيوبيا والصومال، وتشجيع استمرار قنوات الحوار لتسوية الملفات العالقة. وكانت أنقرة قد أعلنت في مناسبات سابقة رفضها لأي خطوات أحادية من شأنها المساس بوحدة الصومال، مؤكدة تمسكها بمبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.

وتتجه الأنظار إلى إمكانية اضطلاع تركيا بدور في تخفيف التوتر بين إثيوبيا ومصر على خلفية ملف سد النهضة.

وهو ما بينته خبيرة السياسة الخارجية التركية زينب جيزام أوزبينار في حديثها للجزيرة نت، قائلة إن الزيارة وإن لم تتضمن على جدول أعمالها بندا معلنا بشأن السد، يمكن قراءتها كإشارة دبلوماسية غير مباشرة إلى استعداد أنقرة للاضطلاع بدور في إدارة الأزمات الإقليمية.

وأوضحت أن تركيا تمتلك هامش تحرك نادرا بحكم علاقاتها المتوازنة مع كل من القاهرة وأديس أبابا، إذ عززت مسار التطبيع المؤسسي مع مصر منذ 2023، بالتوازي مع تعميق تعاونها الدفاعي والاقتصادي مع إثيوبيا، ما يتيح لها الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الطرفين دون الاصطفاف مع أحدهما.

وتستند قدرة أنقرة على لعب دور مؤثر أيضا -وفقا لها- إلى خبرتها الفنية في إدارة المياه العابرة للحدود، ولا سيما في مقاربات "الاستخدام العادل والمعقول" والإدارة المتكاملة للأحواض المائية، وهو ما قد يتيح لها تقديم دعم تقني في قضايا مثل جدول ملء السد وآليات تبادل البيانات، بما يسهم في خفض التوتر دون المساس باعتبارات السيادة.

ورأت أوزبينار أن أنقرة، بما تملكه من أدوات تجمع بين الأمن والاقتصاد والدبلوماسية، قادرة على أداء دور ميسر أو موازن، على غرار ما فعلته في مسار الصومال-إثيوبيا، غير أن تعقيد ملف سد النهضة وتشابكاته التاريخية يجعلان من الواقعي توقع دور تسهيلي تدريجي أكثر من وساطة حاسمة منفردة.

ومن المنتظر أن تتصدر مسألة توسيع الشراكة العسكرية جدول مباحثات الرئيس رجب طيب أردوغان في أديس أبابا، في ظل مسار تعاون بدأ يأخذ طابعا مؤسسيا منذ عدة سنوات. وكان البلدان قد وقّعا في أغسطس/آب 2021 اتفاقية إطار للتعاون العسكري خلال زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى أنقرة، تضمنت مذكرة تفاهم للتعاون المالي في المجال الدفاعي ودعما للجيش الإثيوبي.

وفي سياق الزيارة الحالية، يتوقع أن يبحث الطرفان سبل تعزيز التنسيق في مجالات مكافحة الإرهاب ورفع قدرات القوات الأمنية، لا سيما في ظل التحديات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، بما في ذلك نشاط الجماعات المسلحة وحالة عدم الاستقرار في بعض دول الجوار.

كما يرجح أن تتناول المباحثات فرص تزويد إثيوبيا بمعدات دفاعية إضافية من الصناعات التركية، في إطار توجه أنقرة لتعزيز حضورها الدفاعي في الأسواق الأفريقية. في المقابل، تسعى أديس أبابا إلى تنويع مصادر تسليحها وتحديث منظوماتها العسكرية، مستفيدة من التجارب الميدانية التي أظهرت فاعلية بعض المنتجات الدفاعية التركية.

ويرى المحلل السياسي علي أسمر أن الزيارة تتجاوز إطار المجاملات البروتوكولية، معتبرا أنها خطوة مدروسة في سياق إعادة تموضع الحضور التركي داخل معادلات القرن الأفريقي.

وأوضح للجزيرة نت أن العاصمة الإثيوبية تمثل مركز ثقل القرار القاري بحكم استضافتها مقر الاتحاد الأفريقي، وهو ما يمنح أي تحرك دبلوماسي فيها بعدا يتجاوز العلاقات الثنائية إلى مخاطبة القارة بأكملها. وأضاف أن أنقرة باتت تدرك أن النفوذ طويل الأمد يقوم على القدرة على التأثير في موازين الشرعية السياسية وصياغة مسارات التفاهم.

كما تأتي الزيارة -حسب أسمر- في مرحلة حساسة تعاد فيها صياغة توازنات البر والبحر في الإقليم، في ظل سعي إثيوبيا إلى منفذ بحري، وتمسك الصومال بمبدأ السيادة، وتموضع تركيا عند تقاطع هذه المصالح. وبرأيه، فإن المقاربة التركية تقوم على إدارة التناقضات وتحويلها إلى مسار تفاوضي، ما يمنح أنقرة موقعا يمكنها من التواصل مع جميع الأطراف دون خسارة أي منها.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!