عبد الله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

كما تتذكرون، كنتُ قد كتبتُ العديد من المقالات حول أن الحضارة اليونانية القديمة انهارت بسبب “حروب البيلوبونيز” التي بدأت عام 431 قبل الميلاد واستمرت 27 عامًا بين “الإمبراطورية البحرية الأثينية” و“الإمبراطورية البرية الإسبرطية”. ويجب أن أشير إلى وجود بعض أوجه الشبه اللافتة في هذه الحروب، التي انتهت بسقوط الإمبراطورية الأثينية، والتي يمكن تناولها ومناقشتها في سياق التدخلات العسكرية التي يقوم بها ترامب في فنزويلا وإيران.

المصدر الأساسي لمعرفتنا بحروب البيلوبونيز هو مؤلفات المؤرخ والقائد الأثيني ثوكيديدس. وكانت لكل من أثينا وإسبرطة تحالفاتهما الخاصة. وكان “حلف ديلوس البحري” الأثيني قائمًا في الأصل على “التهديد الفارسي”. فقد حاول الفرس احتلال اليونان عامي 490 و480 قبل الميلاد لكنهم فشلوا. ومع مرور الوقت، تحوّل “حلف ديلوس” إلى تحالف يخدم مصالح أثينا فقط. فاختفى مبدأ المساواة في الكلمة، ونُقلت خزينة الحلف إلى أثينا، بينما استُخدمت مساهمات الأعضاء، التي تحولت إلى ما يشبه الجزية، لصالح أثينا.

وقد شملت حروب البيلوبونيز بين إسبرطة وأثينا، مع حلفائهما، منطقة واسعة تمتد من إسطنبول إلى كريت، ومن سواحل الأناضول الغربية إلى صقلية. وفي التنافسات بين القوى الكبرى في العالم الحديث، وكذلك في علاقات التحالف، يتم الرجوع إلى ثوكيديدس بشكل متكرر.

استفاد المؤرخون الغربيون وعلماء السياسة الدولية في أواخر القرن التاسع عشر من أفكار ثوكيديدس عند تفسير التنافس بين إنجلترا وبروسيا (ألمانيا). كما أصبح مرجعًا خلال فترة “الحرب الباردة” في التنافس بين “الولايات المتحدة/الغرب” و“الاتحاد السوفيتي” اللذين تجمعا حول حلفي “الناتو” و“وارسو”. بل إن بعض المؤرخين الأمريكيين يرون أن الولايات المتحدة تمثل أثينا، بينما يمثل الاتحاد السوفيتي إسبرطة. واليوم يُستخدم توصيف مشابه في الحديث عن “التنافس بين القوى الكبرى” بين الولايات المتحدة والصين.

يحظى ثوكيديدس بمكانة مهمة في ثقافة العلاقات الدولية الإمبريالية الأمريكية. ويعدّه بعض نخب السياسة الخارجية مؤسس المدرسة “الواقعية” (السياسة الواقعية). كما يُعد مفضلًا لدى الاستراتيجيين العسكريين بسبب مفاهيمه الأساسية المتعلقة بطبيعة التحالفات واستخدام القوة المسلحة. وفي مقال لي في شهر يناير، كنت قد شبّهت تدخل الولايات المتحدة في فنزويلا بهجوم أثينا على جزيرة ميلوس التي اختارت الحياد في حروب البيلوبونيز. كما تطرقتُ في ذلك المقال إلى “الحملة الصقلية” التي أطلقتها أثينا بعد ميلوس.

لم يكن لمدينة ميلوس أي ضرر على أثينا. ومع ذلك، طالب الأثينيون باستسلامها غير المشروط وانضمامها إلى حلف ديلوس. وفي المفاوضات المعروفة باسم “حوار ميلوس”، جادل الأثينيون بأن العدالة والإنصاف يسريان فقط بين القوى المتساوية، وأنه لا خيار أمام الميلوسيين الضعفاء سوى قبول هذه الشروط. وبحسب الأثينيين، فإن التعامل بلين مع الميلوسيين قد يُفسَّر على أنه “ضعف” في نظر الحلفاء والأعداء على حد سواء. وكان “تصور الضعف” قد يشجع أعداء أثينا.

كما سخر الأثينيون من حجة الميلوسيين بأن إسبرطة ستأتي لنجدتهم. ففي عام 421 قبل الميلاد، تم توقيع اتفاق هدنة بين أثينا وإسبرطة عُرف باسم “سلام نيسياس”. إضافة إلى ذلك، لم تكن إسبرطة تملك أسطولًا يمكنه الوصول بسرعة إلى ميلوس.

رفض الميلوسيون الاستسلام. فاحتلت أثينا ميلوس عام 416 قبل الميلاد، وقتلت الرجال البالغين، واستعبدت النساء والأطفال. وقد أحدثت “قضية ميلوس” شروخًا كبيرة في سمعة أثينا. وكانت هذه الضربة في السمعة، الناتجة عن غرور القوة، ستؤدي إلى نتائج وخيمة في السنوات اللاحقة.

كان “سلام نيسياس” قد أبرمه القائد الأثيني نيسياس، الذي كان محافظًا حذرًا. أما القائد ألكيبياديس، الذي بذل جهودًا متعددة لنقض هذا السلام، فكان زعيم التيار المتشدد الداعي إلى الحرب ضد إسبرطة. وكان ألكيبياديس، أحد مهندسي قرار تدمير ميلوس، يرى أن “الحروب التي لا نهاية لها” ضرورية للتوسع الإمبريالي لأثينا. ويمكننا أن نرى في ألكيبياديس تمثيلًا لتيار “المحافظين الجدد” الأمريكيين في العصر اليوناني القديم.

إن قرار ترامب، الذي وقع في “فخ التصعيد” في حربه مع إيران، بإرسال مزيد من القوات والسفن الحربية إلى الخليج، يذكّر بإحدى مراحل الحملة الصقلية لأثينا. فقد أدت هذه الحملة البحرية، التي بدأت باحتفالات مهيبة، إلى نقاشات حادة بين حزبي نيسياس وألكيبياديس في أثينا. وتحولت النجاحات العسكرية الأولية لأثينا إلى فشل استراتيجي انتهى بكارثة. وفي مقالي القادم، سأتناول أوجه الشبه بين نقاشات “صقلية” في أثينا قبل نحو 2500 عام، ونقاشات “إيران” في الولايات المتحدة.

عن الكاتب

عبد الله مراد أوغلو

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس