ترك برس

تشهد القارة الأفريقية تصاعداً في تنافس القوى الدولية على النفوذ، وسط حضور متنامٍ لكل من تركيا والصين، لكن بأدوات واستراتيجيات مختلفة. وبينما تراهن بكين على التمويل الضخم ومشاريع البنية التحتية، تعتمد أنقرة على مزيج من القوة الناعمة والتعاون الأمني والاقتصادي، في مشهد يجمع بين التكامل في بعض الملفات والتنافس الهادئ في أخرى.

ويبقى مشروع أنقرة في القارة السمراء أمام بكين غير متكافئ الموارد يستطيع أن يملأ الفراغات التي لا يعبأ بها الصينيون لكنه لا يقدر على أن يزاحمهم في الملفات الاستراتيجية الكبرى.

وأفاد تقرير على موقع "إندبندت"، بأنه "حين تتأمل خريطة الحضور الأجنبي في أفريقيا اليوم، تجد نفسك أمام مشهد بالغ التعقيد، تتشابك فيه القوى الكبرى والصاعدة وتتنافس على قارة باتت تمثل المحطة الأكثر أهمية في إعادة رسم موازين النفوذ العالمي خلال العقود المقبلة".

وأضاف التقرير أنه في قلب هذا المشهد يبرز حضوران متمايزان يستحقان المقارنة والتأمل: الحضور الصيني الضخم بثقله التمويلي والبنيوي الهائل، والحضور التركي الأكثر خفة والأكثر مرونة والأكثر اعتماداً على أدوات القوة الناعمة والتقارب الثقافي.

وربما ما يجعل هذه المقارنة مطلوبة بامتياز، هو أن المرحلة الحالية تشهد تحولات متسارعة في بيئتين أفريقيتين بالغتي الأهمية الاستراتيجية: القرن الأفريقي الذي تتشابك فيه مصالح إقليمية ودولية حول البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ومنطقة الساحل التي يعيد انسحاب الوجود الغربي منها رسم خريطة النفوذ فيها بوتيرة متسارعة لم يشهد لها مثيلاً منذ مرحلة ما بعد الاستقلال.

لا يمكن فهم الحضور التركي الراهن في أفريقيا بمعزل عن مساره التاريخي، فمنذ إعلان تركيا عام 2005 عام أفريقيا وإعادة صياغة علاقتها مع القارة، مرت هذه العلاقة بمسار تصاعدي متواصل. ففي عام 2008 عقدت أول قمة تركية - أفريقية في أسطنبول، ثم 2013 منحها الاتحاد الأفريقي صفة الشريك الاستراتيجي، ثم جاءت القمة الثالثة عام 2021 لترسي إطاراً أكثر مؤسسية وطموحاً لهذه الشراكة. واليوم تمتلك تركيا أكثر من 33 سفارة في القارة، بعد أن كانت لا تتجاوز الـ10، وتربط إسطنبول بأكثر من 60 وجهة أفريقية عبر الخطوط الجوية التركية، التي باتت الناقل الأجنبي الأكثر تغطية للقارة.

هذا المسار انتقل من مرحلة الانفتاح الدبلوماسي التركي على أفريقيا ذي الطابع الرمزي، إلى مرحلة بناء الحضور الاقتصادي والثقافي، التي تجمع بين الأدوات الاقتصادية والأمنية والثقافية في منظومة واحدة متناسقة، وهو ما يجعل الحضور التركي اليوم مختلفاً نوعياً لا كميا فحسب عما كان عليه قبل عقد.

والرقم الأكثر دلالة في هذا السياق هو أن حجم التبادل التجاري التركي مع أفريقيا تجاوز 35 مليار دولار عام 2023، بعد أن كان لا يتجاوز 3 مليارات عام 2003، وهو معدل نمو يفوق معدلات نمو الحضور الاقتصادي لكثير من القوى الكبرى في القارة خلال الحقبة ذاتها، غير أنه لا يزال يمثل أقل من 15 في المئة من حجم التبادل التجاري الصيني - الأفريقي الذي تجاوز 280 مليار دولار في العام ذاته.

ربما تكون العلاقة بين الحضورين التركي والصيني في أفريقيا من أكثر الملفات التباساً وتعقيداً في المشهد الأفريقي الراهن، فلا يوجد إطار تنسيقي رسمي بين أنقرة وبكين على الصعيد الأفريقي، لكن الوقائع الميدانية تكشف عن شيء يشبه تقسيم العمل غير المعلن الذي تحكمه المصالح لا الاتفاقات. فالصين تتمركز في قطاعات البنية التحتية الضخمة من موانئ وسكك حديد ومحطات طاقة واتصالات وتمويل حكومي مباشر مرتبط بمشاريع بعينها، بينما تركز تركيا في قطاعات المقاولات والنسيج والصناعات الخفيفة والخدمات التعليمية والصحية والدفاع.

هذا التكامل الظاهري يخفي توترات حقيقية وتنافساً صامتاً تشتد حدته كلما اقتربنا من العقود الكبرى وخطوط النفوذ الاستراتيجي، ففي قطاع المقاولات في تنزانيا وكينيا وإثيوبيا، تتنافس الشركات التركية مع نظيراتها الصينية بصورة مباشرة، وتميل كفة هذا التنافس في الغالب لصالح الشركات الصينية، نظراً إلى قدرتها على تقديم حزم تمويلية مربوطة بالمشاريع لا تستطيع أنقرة توفير ما يوازيها، إذ يحد هذا القيد من قدرة تركيا على التنافس في العقود الكبرى التي تحدد ملامح النفوذ الاستراتيجي طويل المدى.

أما على صعيد التوافق السياسي، فيلتقي الطرفان في رفض ما يصفانه بالاشتراطات الغربية المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي تبني خطاب السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

في هذا السياق يمثل القرن الأفريقي البيئة الأكثر كثافة وتعقيداً للحضور التركي، وذلك لتشابك عوامل الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والروابط التاريخية والحسابات الأمنية، بما لا مثيل له في أية منطقة أفريقية أخرى. والصومال هو بوابة تركيا الرئيسة نحو هذه البيئة، إذ رسخت أنقرة نموذجاً فريداً من نوعه يجمع بين الحضور العسكري والاقتصادي والإنساني في منظومة واحدة متكاملة.

قاعدة موكيمبا العسكرية التركية في مقديشو، وهي الأكبر خارج الحدود التركية، لا تقتصر مهمتها على التدريب العسكري للقوات الصومالية، بل تمتد لتشمل برامج بناء مؤسسات الدولة وتأهيل الأجهزة الأمنية وإدارة الموانئ وتطوير البنية التحتية. وقد استثمرت تركيا ما يزيد على مليار دولار في الصومال خلال العقد الماضي في قطاعات تمتد من المستشفيات والمدارس إلى المطار والميناء، وأن هذا الاستثمار المتنوع هو ما يمنح الحضور التركي شعبية في الشارع الصومالي تفوق ما تحظى به أية قوة أجنبية أو عربية.

الدعم الأمني، وهو ما يكشف عن أن التعايش بين أنقرة وبكين له حدوده حين يتعلق الأمر بالنقاط الاستراتيجية الحرجة.

أما في إثيوبيا فيتخذ الحضور التركي طابعاً اقتصادياً بالدرجة الأولى، إذ تعد منطقة هاواسا الصناعية واحدة من أبرز نماذج الاستثمار التركي في القارة، إذ تعمل شركات نسيج تركية كبرى، غير أن التوترات المتصاعدة بين أديس أبابا ومقديشو تضع أنقرة أمام معادلة صعبة، إذ لا تستطيع الوقوف بحسم مع أحد طرفيها من دون أن تخسر الآخر.

ويمكن القول إن منطقة الساحل الأفريقي تمثل الامتداد الأكثر اضطراباً والأكثر إغراء للحضور التركي، وذلك مع تراجع النفوذ الغربي، إذ باتت تركيا تمتلك حضوراً دبلوماسياً واقتصادياً في ست دول من دول الساحل، والطائرات المسيرة التركية من طراز بيرقدار وهيلا تمثل صفقة أسلحة عادية، بل تمثل نقطة دخول استراتيجية للنفوذ التركي، إذ تخلق اعتماداً تقنياً وتدريبياً مستداماً يفتح الباب أمام شراكات أمنية أوسع وأكثر عمقاً بمرور الوقت. وهو نمط يختلف جوهرياً عن الأسلوب الصيني الذي يتجنب الانخراط الأمني المباشر في مناطق النزاع، مفضلاً حماية استثماراته الاقتصادية عبر الدبلوماسية الهادئة.

التحدي الأكبر في الساحل الأفريقي بالنسبة إلى تركيا خطاب السيادة المحلي، إذ إن النخب الحاكمة الجديدة في دول الساحل، وهي في معظمها عسكرية ذات خطاب سيادي حاد وقومي، تتعامل مع الحضور الأجنبي أياً كان مصدره بعين الريبة والحذر. فهي ترفع شعار التحرر من التبعية الفرنسية، لكنها في الوقت ذاته لا تريد استبدال تبعية بتبعية، أخرى سواء أكانت روسية أم تركية أم صينية. وهو ما يضع الحضور التركي في الساحل أمام سقف محدود، لا يستطيع تجاوزه بسهولة مهما بلغ من مرونة.

غير أن البعد الثقافي والديني يعدان الأكثر تمييزاً للحضور التركي في أفريقيا مقارنة بالنموذج الصيني، فتركيا تتقاسم مع ما يزيد على 55 في المئة من سكان القارة الأفريقية الانتماء الإسلامي، وهو ما يمنحها قدرة على بناء علاقات إنسانية تتجاوز منطق المصلحة الاقتصادية المجردة. وفي هذا الإطار تعمل مؤسسة المعارف التركية على شبكة من المدارس والمراكز الثقافية في أفريقيا تضم عشرات الآلاف الطلاب، فيما تقدم الحكومة التركية سنوياً آلاف المنح الدراسية للشباب الأفريقي للدراسة في جامعاتها.

في المقابل، تواجه الصين عقبات على صعيد القوة الناعمة في أفريقيا، فمعاهد كونفوشيوس التي انتشرت في عدد من الجامعات الأفريقية تواجه مقاومة أكاديمية وشعبية متزايدة، وقد أغلق بعضها أبوابه تحت ضغوط الرأي العام والأجهزة الأكاديمية، فضلاً عن ذلك فإن الحاجز اللغوي والثقافي الضخم يجعل التقارب الصيني - الافريقي أصعب وأبطأ مما هو عليه التقارب التركي.

يمثل سؤال العوائد الاقتصادية الفعلية للأفارقة من كلا الحضورين المحور الأكثر إثارة للجدل، ويمكن القول إنه الأكثر صدقاً في قياس طبيعة هذه الشراكات، إذ يمتلك النموذج التركي ميزة نوعية موثقة على هذا الصعيد، إذ إن المشاريع التركية في القارة توظف نسبة أعلى من العمالة المحلية مقارنة بالمشاريع الصينية المماثلة، وإن شركات المقاولات التركية كليماك وكالهان وسوميت تبني شراكات مع كيانات محلية بصورة أكبر.

غير أن الثغرة الكبرى في النموذج التركي هي الفجوة التمويلية الهيكلية، إذ إن تركيا لا تملك آلية تمويل حكومية مرتبطة بالمشاريع توازي ما يقدمه بنك الصين للتنمية والبنك التجاري الصيني، مما يجعلها عاجزة عن المنافسة في المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى تمويل مسبق ضخم.

في المحصلة، يبدو الحضور التركي في أفريقيا مشروعاً حقيقياً ذا أبعاد استراتيجية واضحة يتمتع بمزايا نوعية مميزة في ميدان التقارب الثقافي والمرونة الميدانية وتنوع الأدوات، غير أنه في مواجهة العملاق الصيني يظل مشروعاً غير متكافئ الموارد، يستطيع أن يملأ الفراغات التي لا يعبأ بها الصينيون لكنه لا يستطيع أن يزاحمهم في الملفات الاستراتيجية الكبرى.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!