د. عثمان غازي قندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

في مؤتمر المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) للحرب البرية الذي عُقد في لندن، تناول رئيس الأركان البريطاني الجنرال السير رولي ووكر برنامج التحول الذي يشهده الجيش البريطاني، مستعرضًا في الوقت نفسه الدروس المستفادة من الحرب الأوكرانية، ومفهوم الردع الجديد لحلف الناتو، والتغيرات التي تشهدها البنية الأمنية الأوروبية.

وجاءت كلمة ووكر لتعكس بصورة واضحة التحول الذي طرأ خلال السنوات الأخيرة على تقييمات الجيوش الغربية للبيئة الأمنية.

فمع اندلاع الحرب الأوكرانية، تعزز الاعتقاد بإمكانية عودة الحروب البرية واسعة النطاق إلى القارة الأوروبية، ولذلك تعيد بريطانيا صياغة تخطيطها العسكري على أساس هذا الافتراض.

كما برز شعار المؤتمر الرئيسي، "القوة البرية هي أساس الردع"، بوصفه نتيجة مباشرة لهذا المنظور المتغير.

السيطرة على الأرض لا تزال العامل الحاسم

يرى ووكر أن النظام السياسي الذي يتشكل في نهاية الحروب يعتمد في كثير من الأحيان على الإجابة عن سؤال: أي طرف يسيطر على أي منطقة؟ فمهما كان تأثير القوة الجوية والبحرية في مجريات الحرب، فإن القوات البرية تظل العامل الذي يمنح النتائج السياسية طابعها الدائم.

ويشير هذا التقييم إلى أن المفهوم التقليدي للقوة البرية، الذي تراجع حضوره في السنوات الأخيرة تحت وطأة النقاشات العسكرية التي تركز على التكنولوجيا، بدأ يستعيد أهميته من جديد.

فقد أظهرت المعارك في أوكرانيا أنه، رغم أن الأنظمة غير المأهولة وقدرات الضرب بعيدة المدى قد غيرت طبيعة ساحة القتال، فإن الدور الحاسم للقوات البرية في السيطرة على الأراضي المحتلة والدفاع عنها لم يتغير.

وكانت هذه إحدى الرسائل الأساسية في كلمة ووكر. فالردع لا يتعلق فقط بالقدرة على إلحاق الضرر بالخصم، بل يتعلق أيضًا بامتلاك قوات قادرة على البقاء في الميدان عند الضرورة.

أوكرانيا أصبحت مختبرًا لنموذج الحرب الجديد

كان المثال الأكثر حضورًا في كلمة رئيس الأركان البريطاني هو الحرب الأوكرانية.

فبرنامج التحول الذي طورته لندن خلال السنوات الأخيرة يستند إلى حد كبير إلى الاتجاهات التي ظهرت في هذه الحرب.

وقال ووكر إن قوات المستقبل ستكون مضطرة إلى خوض معارك متقاربة داخل الخنادق، وفي الوقت نفسه تنفيذ ضربات ضد أهداف تقع على عمق مئات الكيلومترات.

ويتطلب هذا النهج إدارة طبقات مختلفة من ساحة المعركة في الوقت ذاته. فمن جهة، توجد الخنادق والأنفاق وحروب المدن، ومن جهة أخرى تبرز الحرب الإلكترونية، والأنظمة غير المأهولة، والذخائر الدقيقة بعيدة المدى.

ويشير الواقع الذي أفرزته الحرب في أوكرانيا إلى نموذج حربي يختلف عن العمليات منخفضة الكثافة التي ركزت عليها الجيوش الغربية طوال سنوات. كما تُظهر تقييمات ووكر أن الجيش البريطاني يبني استعداداته على أساس هذه الحقيقة الجديدة.

الذكاء الاصطناعي يتموضع في قلب الحرب

كان أحد أكثر أجزاء الكلمة لفتًا للانتباه هو ذلك المتعلق بأنظمة القيادة والسيطرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وأكد ووكر أن شبكة الحرب الرقمية المعروفة باسم ASGARD ستشكل محور العمليات المستقبلية للجيش البريطاني. ويقوم هذا النظام بدمج عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية، وتحديد الأهداف، وإسناد النيران، ضمن شبكة بيانات موحدة.

وتكشف الأرقام التي عُرضت عن حجم هذا التحول. فقد أصبح بالإمكان إنجاز عمليات التخطيط، التي كانت تستغرق أيامًا في السابق، خلال ساعات فقط، كما تضاعفت قدرات تحديد الأهداف بصورة كبيرة.

ويُظهر هذا النهج أن الحرب الحديثة أصبحت تتمحور بصورة متزايدة حول القدرة على معالجة البيانات. فمع استمرار أهمية نوعية منظومات التسليح، باتت سرعة اتخاذ القرار، والقدرة على إدارة مختلف العناصر ضمن شبكة موحدة، عاملين حاسمين.

وبحسب ووكر، فإن القضية لا تقتصر على إنشاء سلسلة رقمية تمتد من أجهزة الاستشعار إلى منصات الإطلاق، بل تتمثل في تحويل الجيش بأكمله إلى منظومة قتالية تعمل على أساس البيانات.

الجناح الشرقي للناتو يكتسب أولوية

على المستوى الاستراتيجي، احتل حلف الناتو مكانة محورية في الكلمة.

ووصف ووكر النهج الأمني البريطاني بأنه يقوم على مبدأ "الناتو أولًا".

ويؤكد هذا التشديد أن أمن أوروبا لا يزال يمثل الأولوية الأساسية بالنسبة إلى لندن.

فعلى الرغم من تزايد الاهتمام بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ خلال السنوات الأخيرة، فإن مركز الثقل في التخطيط العسكري البريطاني لا يزال يتمركز في أوروبا.

وقد جعل التصور المتنامي للتهديد الذي تمثله روسيا من الجناح الشرقي للناتو خط الدفاع الرئيسي للحلف.

ويرى ووكر أن نفوذ بريطانيا داخل الحلف يرتبط مباشرة بحجم مساهمتها العسكرية. ولذلك، لا تسعى لندن إلى الاكتفاء بدور الداعم في عمليات الناتو، بل تهدف إلى الاضطلاع بأدوار حاسمة على مستوى الفيالق العسكرية.

ويمكن اعتبار هذا النهج أيضًا انعكاسًا لرغبة بريطانيا في الحفاظ على موقعها كواحدة من الدول القيادية في أمن أوروبا.

مرحلة جديدة في الصناعات الدفاعية

ومن الجوانب الأخرى التي استرعت الانتباه في الكلمة تقييم العلاقة بين الصناعات الدفاعية والجيش.

فقد رأى ووكر أن القدرات العسكرية في المستقبل لن تكون نتاج دورات تطوير طويلة، وإنما ستتشكل بسرعة بفضل التفاعل المستمر بين الوحدات العسكرية والقطاع الخاص.

كما يُنظر إلى الاستثمارات الأخيرة في الأنظمة غير المأهولة، ومعدات الحرب الإلكترونية، والبنى التحتية للاتصالات من الجيل الجديد، بوصفها جزءًا من هذا التوجه.

ولا يقتصر التحول الذي تستهدفه بريطانيا هنا على إنتاج أسلحة أكثر حداثة فحسب، بل يتمثل الهدف الأساسي في بناء القدرة الإنتاجية والمنظومة التكنولوجية اللازمة لخوض صراعات طويلة الأمد.

ومن أبرز الحقائق التي كشفت عنها الحرب الأوكرانية أن الصناعات الدفاعية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من القوة القتالية.

وتُظهر كلمة ووكر أيضًا أن هذا الفهم يكتسب مكانة أكثر مركزية بصورة متزايدة في التخطيط العسكري البريطاني.

وفي المحصلة، كشفت كلمة رولي ووكر في مؤتمر RUSI بوضوح عن الافتراضات التي تبني عليها بريطانيا تصورها لحروب المستقبل.

وتشكل أنظمة القيادة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمنصات غير المأهولة، والقوات البرية ذات الجاهزية العالية، ومفهوم الدفاع المتمحور حول حلف الناتو، الركائز الأساسية لهذه الرؤية.

وتتعامل لندن مع الحرب الأوكرانية ليس باعتبارها أزمة مؤقتة، بل باعتبارها ميدانًا كشف عن طبيعة الحروب في المرحلة الجديدة.

كما يُبنى برنامج التحول في الجيش البريطاني على أساس هذا التقييم.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!