
غورسال توكماك أوغلو – إندبندنت تركية
الملخص
تُقدِّم التحليلات التقليدية حلف الناتو في الغالب بوصفه نتاجاً لثنائية القطبية في الحرب الباردة ولمبدأ الدفاع الجماعي. ويقترح هذا المقال قراءة مختلفة. فحلف الناتو هو الإطار المؤسسي المركزي الذي أنشأته القوى الرائدة في نظام السوق الحرة الديمقراطي، استناداً إلى الأسس الثقافية للغرب، بهدف تحقيق المواءمة بين إنتاج الثروة وحماية القيم الحضارية.
وفي البيئة الاستراتيجية الجديدة التي يمكن وصفها بـ«الاستقطاب الهجين»، يتولى الناتو تنسيق العمل في مجالات متعددة (الفضاء السيبراني، والفضاء الخارجي، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، والقطب الشمالي)، ويحافظ على ارتباطاته مع الشركاء الرئيسيين غير الأعضاء رسمياً. وتمتلك هذه البنية القدرة على ممارسة ضغط تصحيحي ضد أي انحرافات تهدد المصالح الأساسية للنظام (الثروة والقدرة الحضارية على الصمود)، سواء جاءت من واشنطن أو من العواصم الأوروبية. وتقدم هذه الرؤية إطاراً أكثر دقة لفهم ديناميكيات القوة والممارسات الدبلوماسية في الوقت الراهن.
المقدمة
لا يزال معظم النقاشات العامة والأكاديمية حول حلف الناتو مؤطراً ضمن تصنيفات منتصف القرن العشرين: الدفاع الجماعي وفق المادة الخامسة، ونقاشات تقاسم الأعباء، والتوسع في مواجهة المطالب الروسية. وهذه العناصر صحيحة، لكنها لا تعكس سوى جانب من منطق عمل الحلف في الوقت الحاضر. فالنظر بصورة أعمق يكشف أن الناتو يمثل البنية المؤسسية الأساسية للحفاظ على النظام القائم على الحوكمة الديمقراطية ومبادئ السوق الحرة، وهو النظام الذي ينتج الثروة ويحمي القيم ويضمن استمرارها ضمن إطار من المواءمة المنضبطة.
ولم تعد التهديدات التي تواجه هذا النظام مقتصرة على الجغرافيا الأوروبية الأطلسية. فصعود الصين، وتحويل الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى أداة ضغط، والتغير التكنولوجي المتسارع، وانتشار الأدوات الهجينة، كلها منحت البيئة الاستراتيجية طابعاً يمكن وصفه بالاستقطاب الهجين. ففي هذه البيئة تتداخل محاور المنافسة والمواءمة، وتغدو الحدود بين المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية والعسكرية أكثر ضبابية. ويجب قراءة التطور الذي شهده الناتو منذ قمة لندن عام 2019، ولا سيما منذ اعتماد المفهوم الاستراتيجي في مدريد عام 2022، في ضوء هذه الخلفية.
البنية متعددة الطبقات للنظام الغربي
في قمة هذه البنية تقف اقتصادات مجموعة السبع (G7). فبصفتها المالكة الرئيسية لرؤوس الأموال والتكنولوجيا المتقدمة، قامت هذه الدول بتشكيل النظام الاقتصادي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. ويعكس التوسع المحتمل لهذه النواة (وهو ما يُشار إليه أحياناً في الأوساط التحليلية بوصفه اتجاهاً نحو مجموعة G9) الجهود الرامية إلى ترسيخ القيادة الاقتصادية والتكنولوجية بين الدول ذات القيم المشتركة (like-minded).
أما الطبقة الثانية فتشمل الاتحاد الأوروبي والمجال السياسي الأوروبي الأوسع. وينبغي النظر إلى هذا المجال في إطار المنظومة الأطلسية وجذورها الأنغلوسكسونية. فالأهمية المستمرة للمملكة المتحدة والذاكرة المؤسسية لرابطة الكومنولث تكشف الأصول الأنغلوسكسونية لهذا الترتيب. وهذه العناصر ليست هامشية، بل تشكل جزءاً من الاستمرارية الحضارية والاقتصادية نفسها التي صُمم الناتو لضمانها.
أما الطبقة الثالثة، التي أصبحت أكثر بروزاً تدريجياً، فتتمثل في التعاون المعمق مع الشركاء الرئيسيين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (أستراليا، واليابان، وجمهورية كوريا، ونيوزيلندا، وهي المجموعة المعروفة باسم IP4). وتنفذ هذه الدول برامج شراكة مصممة خصيصاً مع الناتو (Individually Tailored Partnership Programmes)، وتشارك في القمم، وتطور بنياتها الأمنية الإقليمية في توافق عملي مع الحلف في مجالات مثل الدفاع السيبراني، والتكنولوجيات الجديدة، والأمن البحري، وقابلية التشغيل البيني. ويُظهر انخراطها المؤسسي أن وظيفة الناتو التنسيقية تمتد بصورة ذات مغزى إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ وأوقيانوسيا، متجاوزة حدود العضوية الرسمية.
وعند النظر إلى هذه الطبقات مجتمعة، يتضح أنها تشكل منظومة متكاملة لا يمكن اختزال ترتيباتها الأمنية في معاهدة واحدة أو في مسرح عمليات جغرافي واحد.
من الدفاع الإقليمي إلى تنسيق المهام العالمية
مثلت قمة لندن عام 2019 (الذكرى السبعون لتأسيس الناتو)، ولا سيما المفهوم الاستراتيجي الذي أُقر في مدريد عام 2022، نقطة تحول حاسمة. فقد جرى الاعتراف بالفضاء الخارجي بوصفه مجالاً عملياتياً، وأُدرجت التهديدات السيبرانية ضمن أولويات الأمن، ووُصفت الصين لأول مرة بأنها تحدٍّ منهجي، كما أُقر بالتأثير المباشر لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ على أمن منطقة اليورو-أطلسي. كما أُدرجت منطقة القطب الشمالي ضمن الحسابات الاستراتيجية.
ولم تكن هذه التوسعات مجرد إضافات عشوائية، بل تعكس حقيقة أن التهديدات التي تستهدف النظام المنتج للثروة أصبحت ذات طبيعة عالمية ومتعددة المجالات. فالإكراه الاقتصادي، وهشاشة سلاسل الإمداد، والمنافسة التكنولوجية، وعمليات التأثير الهجينة، لا يمكن التعامل معها من خلال مفهوم التحالف العسكري الإقليمي وحده. ولذلك تطور الناتو ليصبح المنصة الرئيسية التي ينسق من خلالها النظام الغربي استجاباته في هذه المجالات، ويحافظ على روابطه مع الشركاء ذوي القيم المشتركة (like-minded) الذين يتقاسمون الأهداف الأيديولوجية أو البراغماتية نفسها ويتحركون معاً في الساحة الدولية لتحقيق مصالح مشتركة.
الاستقطاب الهجين والبيئة الاستراتيجية الناشئة
لم يعد من الممكن تفسير النظام الدولي تفسيراً كافياً من خلال مفهومي الأحادية القطبية أو التعددية القطبية التقليدية. فالبنية الناشئة هي نظام يقوم على الاستقطاب الهجين، حيث تتعايش في فضاء استراتيجي واحد ومترابط محاور متداخلة للمنافسة، مثل التنافس بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة والصين)، والنزاعات الإقليمية ذات التداعيات العالمية، والصراعات الأيديولوجية والتكنولوجية.
وفي هذه البيئة، لا يكون الاستقطاب مطلقاً. ففي حين يستمر التعاون الانتقائي في بعض المجالات، تتصاعد المنافسة في مجالات أخرى. ويتمثل دور الناتو داخل هذه البنية الهجينة في كونه الآلية المؤسسية التي تساعد النظام الغربي على معايرة مواقفه الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية والعسكرية في مواجهة التهديدات. وتشكل وظيفة المواءمة هذه جوهر أهمية الحلف في الوقت الراهن.
العمق المؤسسي ومنطق المواءمة الاستراتيجية ثنائية الاتجاه
تتمثل إحدى أهم خصائص هذه البنية في عمقها المؤسسي. وبما أن الضرورة الأساسية هي إنتاج الثروة والقيم الحضارية، مع الحفاظ على الظروف التي تضمن استدامتهما، فإن هذه البنية تمتلك القدرة على ممارسة ضغط تصحيحي ضد أي انحراف عن المواءمة المطلوبة، بغض النظر عن مصدره.
وتعمل هذه القدرة في اتجاهين. فمن جهة، يمكن ممارسة الضغط على الجهات التي تقاوم تحديث الأولويات الاستراتيجية بما يتوافق مع الحقائق الجديدة (صعود الصين بوصفها منافساً منهجياً، وتحول المجالات الهجينة والتكنولوجية إلى مركز الثقل، والارتباط بين أمن منطقة اليورو-أطلسي وأمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ). ومن جهة أخرى، إذا أبدى الحلفاء الأوروبيون تردداً في تحويل التزاماتهم إلى مساهمات ملموسة (في القدرات، والإنفاق، والمواءمة السياسية)، فإن آلية التصحيح تدخل حيز التنفيذ.
وفي هذا السياق، فإن التوتر القائم بين إدارة أمريكية تنتقد المقاربات التقليدية للناتو وبين بطء العواصم الأوروبية في التكيف لا يمثل مجرد خلاف عبر أطلسي، بل هو تجلٍ للحاجة إلى مواءمة سياسات جميع مكونات النظام من أجل الحفاظ على قدرته على الصمود في بيئة الاستقطاب الهجين. فالمنطق المؤسسي يضع الفاعلية فوق الإطار الذي يفضله أي عضو بعينه.
انعكاساته على الممارسة الدبلوماسية والسياسية
إن النظر إلى الناتو من خلال هذه العدسة ينعكس مباشرة على الانخراط الدبلوماسي. فلم تعد نقاشات تقاسم الأعباء، وقرارات التوسع، وأطر الشراكة مع مجموعة IP4، وقضايا طرق التجارة الحيوية والأمن الاقتصادي (أشباه الموصلات، والمعادن الحرجة، وسلاسل الإمداد)، موضوعات سياسية منفصلة عن بعضها، بل أصبحت مكونات لجهد واحد يهدف إلى الحفاظ على إنتاجية النظام وتماسكه الدفاعي.
أما بالنسبة إلى الجهات الفاعلة الواقعة خارج النواة (القوى الصاعدة أو المتوسطة)، فإن هذه الرؤية توضح سبب تشجيع بعض أشكال المواءمة، بينما يُنظر إلى أشكال أخرى بقدر من القلق. كما تفسر سبب استمرار الروابط المؤسسية (برامج الشراكة، والمناورات المشتركة، وتبادل التكنولوجيا) حتى في غياب العضوية الرسمية. فالهدف ليس تحقيق عضوية عالمية، وإنما الوصول إلى مستوى من المواءمة الوظيفية يكفي للحفاظ على القدرات الأساسية للنظام.
الخاتمة
يمكن فهم حلف الناتو على أفضل وجه، ليس بوصفه تحالفاً من مخلفات الحرب الباردة أو مجرد بنية عسكرية، بل باعتباره التعبير المؤسسي المركزي لمشروع حضاري يهدف إلى الإنتاج المستمر للثروة وللنظام الديمقراطي القائم على اقتصاد السوق، وحمايتهما، والدفاع عنهما بصورة منسجمة.
وفي عصر الاستقطاب الهجين، يتطلب هذا المشروع تنسيقاً عبر مجالات متعددة وفي مناطق جغرافية مختلفة. ويشمل ذلك، إلى جانب العضوية الرسمية، انخراطاً متزايداً مع الأطر المؤسسية لشركاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويمنح العمق المؤسسي لهذه البنية القدرة على تصحيح المسار عندما تتراجع المواءمة، سواء حدث ذلك في واشنطن أو في العواصم الأوروبية. وهذا المنطق ثنائي الاتجاه ليس تفضيلاً حزبياً، بل ضرورة وظيفية لضمان صمود النظام. وإن إدراك هذه الحقيقة يوفر إطاراً أكثر دقة وفائدة لفهم التحديات الدبلوماسية والاستراتيجية التي يفرضها النظام العالمي الناشئ والتعامل معها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











