
ليفنت إرسين أورالّي - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس
تحولت قمة الناتو السادسة والثلاثون التي استضافتها تركيا إلى قصة نجاح متعددة الأبعاد، أظهرت للعالم قدرة الدولة التركية، وكفاءتها التنظيمية، وغناها الثقافي، وعناصر قوتها الناعمة. فقد كشفت كل تفاصيل القمة أن تركيا تمثل فاعلًا قويًا على المستوى العالمي بأبعادها العسكرية والاستراتيجية والدبلوماسية والثقافية والإنسانية.
إن استضافة أنقرة لمثل هذا التنظيم الضخم في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الناتو، كانت مؤشرًا قويًا على المكانة المركزية التي تتمتع بها تركيا داخل الحلف. ففي مرحلة يعاد فيها تشكيل بنية الأمن العالمي، وتحدد فيها الحروب، وتهديدات الإرهاب، وأمن الطاقة، والهجرة غير النظامية، والهجمات السيبرانية جدول الأعمال الدولي، أثبتت تركيا مرة أخرى أنها عنوان موثوق للحوار والتوافق والبحث عن الحلول.
قصة دبلوماسية جديدة كُتبت في أنقرة
كان من أبرز جوانب القمة أيضًا الكمال التنظيمي الذي اتسمت به. فقد أظهرت البنية التحتية التي أُعدت لرؤساء الدول والحكومات والوفود رفيعة المستوى والفرق الأمنية وآلاف الصحفيين الأجانب القادمين من مختلف أنحاء العالم، خبرة تركيا في إدارة الفعاليات الدولية واسعة النطاق.
كما كان تنظيم مكتبة الرئاسة الوطنية كمركز إعلامي دولي انعكاسًا رمزيًا لأهمية المعرفة والثقافة والتراكم الحضاري بالنسبة لتركيا. فقد عاش آلاف العاملين في وسائل الإعلام الأجنبية تجربة جمعت بين البنية التحتية الحديثة والأجواء التاريخية والثقافية، وعادوا إلى بلدانهم بانطباعات قوية عن تركيا من الناحيتين السياسية والثقافية.
وفي القمة التي شهدت تشكل أرضيات مهمة للتوافق السياسي وتحقيق تقدم كبير في العلاقات التركية - الأمريكية، كان أحد أهم العناصر التي صنعت الفارق بلا شك هو انعكاس الضيافة التركية بأقوى صورة أمام الرأي العام الدولي. فالثقافة الأناضولية التي جمعت عبر التاريخ حضارات مختلفة حول مائدة واحدة، استضافت هذه المرة قادة الناتو ووفودهم. إن الاهتمام الذي حظي به الضيوف، والعناية المقدمة لهم، والصدق الذي شعروا به في كل التفاصيل، خلق أجواء إنسانية تجاوزت حدود البروتوكول الدبلوماسي. وقد ساهم هذا النهج بشكل مهم في تقدم الاتصالات الرسمية ضمن أرضية أكثر دفئًا وبناءً.
انتصار تركيا في مجال المكانة والهيبة
غالبًا ما تكتسب الدبلوماسية قوتها ليس داخل قاعات الاجتماعات فقط، بل في البيئات الاجتماعية التي تتشكل فيها الثقة. وقد أثبتت تركيا هذه الحقيقة بنجاح في كل مراحل القمة.
وكان من الجوانب اللافتة الأخرى للقمة نقل المطبخ التركي إلى الواجهة الدولية. فقد كانت المأكولات المقدمة لوفود الناتو جزءًا من رواية ثقافية متكاملة. إذ استخدمت تركيا فنون الطهي كأداة من أدوات القوة الناعمة، وقدمت أحد أنجح نماذج الدبلوماسية الغذائية.
لقد أظهرت المنتجات المحلية، والأطعمة ذات العلامات الجغرافية المسجلة، والنكهات الأصيلة التي تمثل مناطق الأناضول السبع، للعالم أن ثقافة الطعام التركية أكثر ثراءً بكثير من مجرد الدونر والكباب والبقلاوة. وهكذا تحولت الموائد إلى مجالات دبلوماسية صامتة لكنها شديدة الفاعلية، تبني روابط ثقافية بين الدول.
دولة تمنح الثقة، ومضيف قوي
ومن التطورات المهمة التي أبرزت الجانب الإنساني للقمة، اجتماع الطاولة المستديرة الذي عُقد باستضافة السيدة أمينة أردوغان تحت عنوان: "الأطفال والتكنولوجيا والأمن: حماية الجيل القادم". فقد استضافت أمينة أردوغان زوجات رؤساء الدول والحكومات في قصر تشانكايا، وأكدت أن مفهوم الأمن لا يقتصر على التهديدات العسكرية فقط، بل إن تأثيرات العصر الرقمي على الأطفال أصبحت بدورها عنوانًا أمنيًا جديدًا يتطلب تعاونًا عالميًا.
وقد شكل هذا اللقاء منصة ذات معنى أضافت إلى قمة الناتو بُعد المسؤولية الاجتماعية والأمن الإنساني، كما عكست أمام الرأي العام الدولي أهمية الدبلوماسية النسائية والقضايا الاجتماعية بالنسبة لتركيا.
إن قمة الناتو السادسة والثلاثين التي عقدت في أنقرة ستبقى في الذاكرة ليس فقط بسبب القرارات التي اتُخذت، بل أيضًا بسبب مستوى الاستضافة الذي ظهر خلالها. فقد أظهرت تركيا، بتنظيمها القوي للدولة، وقدرتها الدبلوماسية الفعالة، وتراثها الثقافي، ومطبخها الغني، وتقاليدها العريقة في الضيافة، أنها مركز عالمي يمنح الثقة، ويقيم الحوار، ويستطيع جمع مختلف الأطراف على أرضية مشتركة في النظام الدولي.
وقد احتلت هذه القمة، التي اجتمعت فيها الدبلوماسية والأمن والثقافة في بوتقة واحدة، مكانها في التاريخ باعتبارها واحدة من أقوى انعكاسات الصورة الدولية الصاعدة لتركيا ورؤيتها المتعددة الأبعاد للسياسة الخارجية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!









