
أرطغرل جنغيل - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
عندما بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب المظلمة ضد إيران، كان يعتقد أنها ستكون قصيرة، وأنها ستُظهر القوة الأمريكية للعالم من جديد، وستعزز موقفه قبل الانتخابات.
كان يتوقع أن تتلقى إيران ضربة قاسية، وأن يتغير النظام، وأن تُجرد من قوتها النووية، وأن تجلس طهران إلى طاولة المفاوضات، وأن يحقق هو انتصارًا سياسيًا داخليًا مهمًا بوصفه "الرئيس الذي أعاد أمريكا قوية من جديد".
لكن الصورة اليوم تُظهر عكس ذلك تمامًا.
فترامب، الذي أصبح أسيرًا للسياسات العدوانية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، غارق تمامًا في مستنقع الحرب الذي لم يعد قادرًا على الخروج منه.
فإدارة ترامب، التي بدأت الحرب ضد إيران بتحريض من إسرائيل المتهمة بارتكاب الإبادة الجماعية، وهي تردد شعار "سننتصر، وبسرعة كبيرة"، تجد نفسها بعد خمسة أشهر أمام هزيمة استراتيجية كاملة.
ومع صمود إيران غير المتماثل، انهار وهم "الحرب القصيرة والفعالة" الذي جرى الترويج له، وأصبح ترامب اليوم تائهًا وعاجزًا داخل متاهة الحرب المظلمة التي دخلها بنفسه.
وأمام حرب تستنزف القدرات العسكرية الأمريكية، والاقتصاد، والتوازن السياسي الداخلي، لم يعد ترامب يفكر في كيفية تحقيق النصر، بل في كيفية إنهاء الحرب.
لأنه كلما طالت الحرب، لا تنفجر القنابل في ساحات القتال فقط، بل تنهار أيضًا الحسابات الاستراتيجية لواشنطن واحدًا تلو الآخر.
فترامب، الذي كان يسعى إلى استعراض القوة، أصبح اليوم عاجزًا، رغم الهجمات والضغوط المكثفة، حتى عن إعادة فتح مضيق هرمز أمام تجارة النفط، رغم أنه كان مفتوحًا قبل الحرب.
مخزونات الذخيرة تدق ناقوس الخطر
لا تُحسم الحروب بعدد الطائرات أو الدبابات أو السفن أو الجنود فحسب، بل أيضًا بحجم مخزونات الذخائر الدقيقة التي يمكن إنتاجها، وبالتخطيط للبنية اللوجستية.
فحين يصبح إنتاج الصواريخ أبطأ من وتيرة استهلاكها في الجبهة، تضطر حتى أكبر جيوش العالم إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية.
وتكشف المعلومات المتسربة من أروقة البنتاغون بوضوح حجم المأزق العسكري.
فمعظم صواريخ ATACMS وصواريخ PrSM الحديثة، التي تشكل العمود الفقري لاستراتيجية شلّ الخصم من مسافات آمنة، قد استُنفدت تقريبًا.
كما جرى استهلاك نصف المخزون العالمي من صواريخ توماهوك، في حين تبخر 65 بالمئة من صواريخ باتريوت، و38 بالمئة من منظومات THAAD خلال خمسة أشهر فقط.
أما العقلية التي فضلت الضغط على زر إطلاق الصواريخ من خلف المكاتب، بدلًا من المخاطرة بالطائرات الحربية، فقد تركت اليوم جيشًا تتآكل قدرته الردعية بسرعة في مواجهة الصين بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، أو روسيا في شرق أوروبا.
جيش يبحث عن الأفكار عبر البريد الإلكتروني
للمرة الأولى، أصبحت الدولة صاحبة أكبر ميزانية دفاع في العالم تناقش حدود مخزونها من الذخائر، وهو تطور تاريخي بحد ذاته.
كما أن قيام القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، بدافع اليأس، بإرسال رسائل بريد إلكتروني إلى محلليها تطلب فيها "أفكارًا غير تقليدية وخلاقة لمعاقبة إيران"، يعد أوضح وأكثر الأدلة إثارة للسخرية على إفلاس الاستراتيجية العسكرية الأمريكية.
أما عبارة رئيس هيئة الأركان الأمريكية الجنرال دان كين أمام الكونغرس: "للقوة الجوية حدود"، فهي في الواقع تلخص المأزق الذي وصلت إليه الحرب.
وفي ظل وصول القوة الجوية إلى حدودها، واستحالة تدمير المنشآت النووية الموجودة على أعماق كبيرة تحت الأرض بالقصف الجوي، لم يبق أمام ترامب سوى خيار واحد: العملية البرية.
غير أن الإقدام على عملية برية في ظل معادلة عاد فيها 18 جنديًا أمريكيًا في توابيت، يعني أن ترامب سيلقي جانبًا وعده الذي قطعه لقاعدته من أنصار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" (MAGA) عندما قال: "لن أرسلكم أبدًا إلى حروب أجنبية غبية لا تنتهي."
أما استهداف خطوط الطاقة الإيرانية فلن يؤدي فقط إلى إغلاق مضيق هرمز بالكامل، بل سيشعل أيضًا فتيل فوضى عالمية قد تترك الشرق الأوسط بأسره في أتون النيران نتيجة الرد الإيراني.
واتخاذ مثل هذه الخطوة يعني أن ترامب سينكر وعده الذي ردده لسنوات أمام ناخبيه: "لن أرسل أبناء الأمريكيين إلى حروب لا نهاية لها."
أما المهندس الحقيقي لهذا المشهد بأكمله، فلا شك أنه نتنياهو المتهم بارتكاب الإبادة الجماعية، وسياساته العدوانية.
فنتنياهو، الذي جرّ ترامب خطوة خطوة إلى هذه الحرب من أجل الحفاظ على مستقبله السياسي ومواصلة مجازره، يواصل اليوم دون انقطاع كل أشكال المناورات القذرة والاستفزازات، لمنع الولايات المتحدة من الخروج من هذا المستنقع الدموي.
وبذلك، حوّلت حكومة نتنياهو البيت الأبيض إلى درع لتحقيق طموحاتها الاستراتيجية، وجعلت الجيش الأمريكي مرتزقًا في حربها الإقليمية التدميرية.
الأرباح الدموية لعمالقة النفط
في الوقت الذي تحاول فيه إدارة ترامب تضييق الخناق على إيران، تواصل أسواق الطاقة العالمية تلقي الضربات القاسية.
وقد يبدو استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران خيارًا مغريًا من الناحية العسكرية، إلا أن كلفته الاقتصادية والإنسانية قد تكون مدمرة بالنسبة لواشنطن.
فكل توتر في مضيق هرمز يزيد هشاشة أسعار النفط، ويرفع تكاليف التأمين، ويبطئ حركة النقل البحري.
كما تعود سلاسل الإمداد العالمية، التي تعمل أصلًا تحت وطأة الصراعات، إلى التعرض لمزيد من الضغوط.
وكل ارتفاع في أسعار النفط لا يضر دول العالم فقط، بل يضرب الاقتصاد الأمريكي أيضًا.
ولذلك، فإن هجمات ترامب الأخيرة على شركات النفط ليست مصادفة.
ففي الوقت الذي يعاني فيه الأمريكيون من ارتفاع الأسعار، رفعت شركة ExxonMobil أرباحها الفصلية بنسبة 105 بالمئة لتصل إلى 14.5 مليار دولار، بينما قفزت أرباح Chevron بنسبة فلكية بلغت 385 بالمئة لتصل إلى 12.1 مليار دولار. ويضاف إلى ذلك أرباح شركة أرامكو السعودية العملاقة التي بلغت 33.4 مليار دولار.
ولذلك، فإن توجيه ترامب وزارة العدل إلى التحقيق مع شركات النفط بدعوى أنها "تستغل الشعب"، ليس سوى مسرحية سياسية رخيصة تهدف إلى تجنب هزيمة انتخابية تلوح في الأفق.
فهناك تناقض صارخ.
فالإدارة التي بدأت هذه الحرب القذرة وتواصلها هي إدارة ترامب نفسها.
لكن ترامب أيضًا لا يريد أن يدفع الثمن السياسي لارتفاع أسعار الطاقة.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو واقعيًا الاعتقاد بأن إيران ستبقى صامتة تمامًا إذا تعرضت البنية التحتية للطاقة في الولايات المتحدة لهجمات محتملة.
فأي رد إيراني، سواء بشكل مباشر أو عبر القوى الحليفة، قد يخلق مخاطر جديدة في مضيق هرمز، والبنية التحتية للطاقة في الخليج، وحركة الملاحة في البحر الأحمر، والقواعد الأمريكية في المنطقة.
ومن شأن مثل هذا التصعيد أن يدفع ليس فقط المشهد العسكري، بل أيضًا التجارة العالمية وأسواق الطاقة، إلى مزيد من عدم اليقين.
وفوق ذلك، لم تعد إدارة ترامب تواجه مشاكل مع إيران وحدها، بل بدأت أيضًا تواجه خلافات مع حلفائها.
وكان تعليق الاتفاق الاستراتيجي الذي جرى التفاوض عليه لأشهر مع السعودية في اللحظة الأخيرة أحد أبرز الأمثلة على ذلك.
فبينما أصبحت أولوية واشنطن هي أمن إسرائيل، باتت دول الخليج تعبر بصوت مرتفع عن قناعتها بأن السياسات الأمريكية تزيد المنطقة اضطرابًا.
جبهة ترامب الحقيقية أصبحت صناديق الاقتراع
فمن جهة هناك استراتيجية الشرق الأوسط التي قادها نتنياهو إلى الجحيم، ومن جهة أخرى مخازن الذخيرة الفارغة، والناخب الأمريكي الغاضب.
وفوق هذا المأزق العسكري، أضيفت أيضًا قنبلة موقوتة في السياسة الداخلية.
فلم يعد يفصل عن الانتخابات النصفية الحاسمة، التي ستعيد رسم حدود قوة ترامب رغم سيطرة حزبه على مجلسي الكونغرس، سوى أقل من مئة يوم.
وقد ظل الناخب الأمريكي، منذ فيتنام وحتى أفغانستان، متحفظًا تجاه الحروب الطويلة والمكلفة وغير المضمونة النتائج، ويتكرر المشهد نفسه اليوم مع الحرب على إيران التي يكتنفها الغموض.
وتظهر أحدث استطلاعات الرأي أن نسبة التأييد لسياسة ترامب تجاه إيران تراجعت إلى أقل من 30 بالمئة، فيما انخفض الدعم لأي عملية برية، في بعض الاستطلاعات، إلى نحو 7 بالمئة فقط.
ويرى قطاع مهم من الناخبين الأمريكيين أن حربًا جديدة وطويلة في الشرق الأوسط ستفرض أعباء اقتصادية إضافية على البلاد.
كما تتسع الانقسامات داخل قاعدة ترامب المؤيدة لشعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا"، وحتى داخل الحزب الجمهوري نفسه، بشأن نطاق الحرب ومدتها.
ومع اقتراب الانتخابات النصفية، تزداد الضغوط على ترامب نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، وتكاليف المعيشة، والغموض الذي يحيط بالسياسة الخارجية، وهو ما يضاعف خسائره السياسية.
ولهذا، قد لا تكون الصواريخ الإيرانية هي التهديد الأكبر لترامب، بل تغير توجهات الناخب الأمريكي.
فترامب اليوم لا يدير حربًا فحسب.
بل يحاول أيضًا إدارة مستقبله السياسي.
وتؤكد الحقائق المريرة التي نشهدها أن الدخول إلى متاهات الحروب المظلمة أمر سهل، لكن العثور على طريق الخروج منها أصعب بكثير مما يتصور الجميع.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











