
حسن حسين أوز - ستار - ترجمة و تحرير ترك برس
لم تكن قمة الناتو الأخيرة مجرد اجتماع نوقشت فيه نفقات الدفاع أو ملف أوكرانيا فقط. فالقضية الأساسية كانت أعمق من ذلك. إن النظام الأطلسي يواجه صعوبة في تحمّل تكلفته الخاصة. ففي الوقت الذي تطلب فيه الولايات المتحدة من حلفائها مزيدًا من المال والولاء، فإنها في الواقع تضع أيضًا فاتورة تراجعها على الطاولة.
لقد كتبت سابقًا عن تراجع الولايات المتحدة. قد تقولون: لقد عقدنا قمة ناجحة جدًا، وسيتم رفع العقوبات من قبل ترامب، وحصلنا على وعد بمحركات لطائرة كآن، فهل ستواصل الكتابة عن هذا الموضوع؟ بالتأكيد هذه أمور مهمة جدًا. بل إنها نتيجة الوزن الخاص الذي تتمتع به تركيا.
وهذا الأمر يزيدني حماسًا أكثر. ولذلك سأواصل كتابة قصة التراجع، لأن أكبر سلاح نملكه هو الواقع.
لا تتراجع الدولة فقط عندما تُهزم في ساحة المعركة. بل تتراجع أيضًا عندما تبدأ بتحويل ديونها بتكلفة مرتفعة. وتتراجع عندما لا تستطيع توفير الرفاه لشعبها. وتتراجع عندما تبيع للعالم فكرة النظام، لكنها لا تستطيع إقامة النظام داخل بيتها.
ومن المثير للاهتمام أن المؤرخ إريك لينستروم، انطلاقًا من هذه المعطيات، يشبّه وضع الولايات المتحدة اليوم بالمرحلة الأخيرة من الإمبراطورية البريطانية. فقد كانت بريطانيا تخوض الحروب في الخارج، بينما كانت تعيش داخليًا تحت ظل عقلية الحرب تلك. جُرّبت لغة العنف والقمع أولًا في المناطق البعيدة، ثم انتقلت إلى المركز.
تمر الولايات المتحدة اليوم بمسار مشابه. فاللغة التي استُخدمت خلال العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة في العراق وأفغانستان والعديد من الأماكن الأخرى بدأت تتسلل الآن إلى النظام الداخلي أيضًا. فالدولة تصبح أكثر صرامة، والمجتمع يزداد توترًا، ومستوى الرفاه يتراجع. وبينما تنمو الشركات، تستفيد صناعة الحرب.
ومن جهة أخرى، يتسع الشرخ في الجانب المالي أيضًا. فعلى سبيل المثال، يبلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات نحو 4.5 في المئة. وهذا يعني أن الدولة تدفع تكلفة أعلى للاقتراض. وإذا اقتربت الفائدة من مستوى 5 في المئة، فإن خطر حدوث انكسار خطير في النظام سيظهر. إن الولايات المتحدة لا تتحرك في مجال أمني واسع، بل تتقدم في هامش ضيق.
تقيم واشنطن قواعد عسكرية في أنحاء العالم، وتمول الحروب، وتحاول بناء قوتها عبر الدولار. لكنها تفعل ذلك بالديون. وكلما ارتفعت تكلفة الديون، ضاق نَفَس النظام.
ومن النقاط الأخرى التي لفت إليها المحلل الأمريكي دوغلاس ماكغريغور، المعروف جيدًا لدى الصحافة التركية، مسألة الذخائر. فواجهة الولايات المتحدة قوية، لكن مخزونها ضعيف. هناك استعراض للقوة، لكن القدرة على خوض صراع طويل الأمد محدودة.
ويُعد التوتر مع إيران أحد أكثر العناوين حدة في هذا المشهد. فكل أزمة تؤثر في النفط والأسواق وتكاليف الاقتراض. وكل توتر في منطقة هرمز يزيد من تكلفة الولايات المتحدة.
اليوم تخوض الولايات المتحدة الحروب لكنها لا تمنح الثقة. تقترض لكنها لا تستطيع العثور على ديون رخيصة. هي قوية، لكنها تواجه صعوبة في الحفاظ على هذه القوة. وفرض الجزية على الجميع له حدود.
أما بالنسبة لتركيا، فالمسألة هي قراءة هذا المشهد بشكل صحيح. فالولايات المتحدة التي أمامنا ليست الولايات المتحدة التي كانت تتحرك براحة في السابق. إنها قوة تتضخم ديونها ويختل توازنها.
ولهذا يصبح التوازن الذي تبنيه تركيا أكثر أهمية. فالاستقلالية تعني القدرة على بناء حسابك الخاص وسط صراع القوى الكبرى. لا خضوع ولا تحدٍّ رومانسي.
أكبر خطأ أثناء تراجع الولايات المتحدة هو عدم رؤية ذلك. والخطأ الثاني هو اعتبارها منتهية تمامًا. فالقوى التي تمر بمرحلة تراجع تصبح أكثر شراسة.
هذا هو المشهد الذي ظهر في قمة الناتو الأخيرة. فالولايات المتحدة ما زالت على رأس الطاولة، لكنها لم تعد تجلب الثقة، بل تجلب التكلفة.
هدية أردوغان
لا ينبغي قراءة الهدية العسكرية التي قدمها أردوغان إلى القادة بعد القمة، وإرسال فرقة المهتر، على أنها مجرد لفتة بروتوكولية عادية. فالهدية العسكرية التي أثارت قلق أوروبا هي لغة رمزية لتركيا الصاعدة في مواجهة نظام متراجع.
تضع أنقرة في صورة واحدة قدراتها العسكرية وذاكرتها التاريخية. الرسالة واضحة: لم تعد تركيا مجرد دولة تراقب وتنتظر وتوافق؛ بل أصبحت مركزًا يصنع لعبته الخاصة، ويُظهر قوته، ويتحدث بذاكرته الخاصة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!









