
بارتو إيكن - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
هناك حقيقة يعرفها الجميع في إفريقيا. فحالات الانقلاب العسكري المتتالية التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة دول الساحل مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، هزّت بشدة النفوذ الفرنسي الذي استمر لعقود، كما زعزعت البنية الأمنية التي بنتها الولايات المتحدة في المنطقة. وخلال هذه الفترة، أخلت القوات الفرنسية قواعدها، وانسحبت الولايات المتحدة من بعض منشآتها الحيوية، وبدأ النظام الذي شيده الغرب على مدى سنوات طويلة يتفكك بسرعة. لكن كيف حدث هذا التحول؟ هل استيقظ الناس ذات صباح ليقولوا: "لم نعد نريد أن نتعرض للاستغلال"؟ أم أن روسيا والصين مهدتا لهذه الأرضية تدريجياً عبر عمليات سياسية وثقافية ومعلوماتية امتدت لسنوات طويلة؟
فمن مالي إلى النيجر، ومن بوركينا فاسو إلى جمهورية إفريقيا الوسطى، لم يعد الخطاب المناهض للغرب مقتصراً على الحكومات، بل تحول إلى خطاب سياسي تتبناه أيضاً شرائح واسعة من المجتمعات. أما النقطة الأكثر إثارة للاهتمام، فهي الكيفية التي جرى بها تنظيم هذا الغضب على مدى سنوات، وتحويله إلى أرضية أيديولوجية راسخة.
الجبهة المعلوماتية الروسية
لم يقتصر النفوذ الروسي في منطقة الساحل على المستشارين العسكريين أو الشركات الأمنية. فقد استثمرت موسكو في شبكات الإعلام المحلية، وعززت تأثير عدد كبير من المنصات الناطقة بالفرنسية، وعملت، ولا سيما عبر الإذاعات ووسائل التواصل الاجتماعي، على نشر الخطاب المناهض للغرب. وفي العديد من المناطق التي لا يزال فيها الوصول إلى الإنترنت محدوداً، تواصل محطات الإذاعة المحلية الحفاظ على مكانتها بوصفها إحدى أكثر وسائل الاتصال تأثيراً. وتُعد مؤسسات إعلامية مثل إذاعة "راديو لينغو سونغو" (Radio Lengo Songo)، التي تنشط في جمهورية إفريقيا الوسطى، من أبرز الأمثلة على استراتيجية القوة الناعمة الروسية في المنطقة.
إلى جانب ذلك، حافظت مقاطع الفيديو القصيرة والصور والمحتويات الدعائية التي انتشرت عبر فيسبوك وتلغرام وتيك توك وواتساب على إبقاء الصدمات التاريخية المرتبطة بالحقبة الاستعمارية حاضرة باستمرار. ووصلت إلى جماهير واسعة رسائل تؤكد أن فرنسا استغلت الموارد الطبيعية، وعجزت عن توفير الأمن، وفشلت في مكافحة الإرهاب. كما أصبح أشخاص مثل كيمي سيبا وناتالي يامب، المعروفين بخطابهم القومي، من أبرز الوجوه المناهضة للغرب، بعدما تمكنوا من الوصول إلى ملايين الأشخاص عبر حملاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
النفوذ الرقمي الصيني
أنشأت الصين، بفضل استثماراتها في البنية التحتية الرقمية في إفريقيا خلال العقدين الماضيين، مجال نفوذ فريداً في القارة. واليوم، يُنتج جزء كبير من الهواتف الذكية المباعة في إفريقيا شركات صينية. كما أن شبكة الاستثمارات الواسعة، الممتدة من البنية التحتية للاتصالات وشبكات الألياف الضوئية إلى مراكز البيانات وأنظمة أمن المدن، تمنح بكين مزايا استراتيجية طويلة الأمد.
وقد بدأت مشاريع المدن الذكية التي أنشأتها بعض الشركات الكبرى تُستخدم في إدارة الأمن في العديد من المدن الإفريقية. في المقابل، حذرت منظمات حقوق الإنسان من أن هذه الأنظمة قد تُستخدم في بعض الدول لمراقبة المعارضين وفرض رقابة جماعية على السكان. وفي الادعاءات التي ظهرت عام 2018، قيل إن بيانات كانت تُنقل لسنوات من خوادم مقر الاتحاد الإفريقي، الذي بنته الصين. وقد نفت بكين هذه الادعاءات بشكل قاطع. ورغم اختلاف التقييمات بشأن صحة تلك المزاعم، فإن الحادثة أصبحت أحد أبرز رموز الجدل حول مدى اتساع النفوذ الرقمي الصيني.
تنافس جديد على الثروات المعدنية
تُعيد الأجواء المناهضة للغرب أيضاً تشكيل المنافسة العالمية على الموارد الطبيعية الحيوية في إفريقيا. ففي النيجر، تعرضت أنشطة شركة أورانو (Orano) الفرنسية لعرقلة كبيرة، في حين ازداد النفوذ السياسي الروسي في المنطقة بشكل ملحوظ. كما انعكس تأثير العناصر الأمنية المرتبطة بروسيا في محيط منجم نداسيما للذهب في جمهورية إفريقيا الوسطى في تقارير دولية أيضاً.
أما الصين، فتُعد أحد أكبر المستثمرين في إفريقيا، ولا سيما في المعادن الاستراتيجية مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس. ويُنظر إلى الاستثمارات التي تُقدَّر بمليارات الدولارات في مشاريع الليثيوم في مالي، وفي حقول الكوبالت بجمهورية الكونغو الديمقراطية، على أنها جزء من استراتيجية بكين لتأمين المواد الخام ذات الأهمية الحاسمة في عملية التحول في قطاع الطاقة.
الصحوة الداخلية والموجة المناهضة للإمبريالية
وبالطبع، فإن تفسير التحول الذي تشهده المنطقة من خلال أنشطة موسكو أو بكين وحدها سيكون تفسيراً ناقصاً. فقد دخلت مجتمعات منطقة الساحل أيضاً، بدوافعها الداخلية، في مسار قوي للبحث عن السيادة. وأدى عجز الحكومات التي دعمها الغرب لعقود عن مكافحة الفساد، والحد من التهديدات الإرهابية، وتحقيق الرفاه الاقتصادي، إلى خلق حالة من خيبة الأمل الكبيرة، ولا سيما بين فئة الشباب.
وفي المحصلة، فإن التغيرات التي تشهدها منطقة الساحل ليست بسيطة إلى درجة يمكن تفسيرها بانقلاب واحد أو بحملة دعائية واحدة. فقد تضافرت في الوقت نفسه عوامل عدة، من بينها الذاكرة التاريخية للاستعمار، والتفاوتات الاقتصادية، والأزمات الأمنية، وحرب المعلومات التي تقودها روسيا، والاستثمارات الاقتصادية الصينية طويلة الأمد، والأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها الغرب. واليوم، يبرز التحول الجاري في منطقة الساحل بوصفه أحد أوضح الأمثلة على أن الجغرافيا السياسية الحديثة لم تعد تتشكل بالدبابات والقواعد العسكرية وحدها، بل أيضاً عبر الإعلام، والبيانات، والبنية التحتية، وإدارة التصورات المجتمعية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











