
ترك برس
تدخل تركيا مرحلة جديدة في مسار بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، مع توجهها نحو تأسيس بنية مؤسسية وطنية تتولى تحديد الأولويات وتنسيق الاستثمارات ومتابعة تنفيذ السياسات المتعلقة بهذا القطاع، في إطار خطة عمل الذكاء الاصطناعي التركية 2026-2030.
ويرى الكاتب بصحيفة "خبر تورك" إدريس قاردش في مقال له أن الخطوة، التي تتضمن إنشاء المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي ومكتب للبرنامج، لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد إعادة تنظيم إداري، بل بوصفها مؤشرا على دخول تركيا مرحلة أكثر أهمية تتعلق بموقعها في النظام التكنولوجي العالمي، وبقدرتها على اتخاذ قراراتها التكنولوجية بنفسها في عصر الذكاء الاصطناعي.
وبحسب الخطة، سيعمل المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان، ويتولى مهاما تشمل تحديد الأولويات الوطنية، وتوجيه الموارد، وحل الخلافات المتعلقة بالصلاحيات بين المؤسسات، وتنسيق الاستثمارات واسعة النطاق.
أما مكتب البرنامج، فسيتولى متابعة تنفيذ القرارات، والجداول الزمنية، والميزانيات، ومؤشرات الأداء. كما سيضم المكتب المديرية العامة للذكاء الاصطناعي الحكومي التابعة لرئاسة الأمن السيبراني، بهدف التخطيط لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات العامة وتنسيقها.
من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى التحكم في بنيته
يعتبر قاردش أن التحول الجاري لا يمكن اختزاله في سؤال يتعلق بمدى استخدام الدول للذكاء الاصطناعي، لأن الفارق بين الدول في المرحلة المقبلة لن يتحدد فقط بين من يستخدم التكنولوجيا ومن لا يستخدمها، وإنما بمدى قدرة كل دولة على التحكم في بنيتها التحتية وبياناتها وقدرتها الحاسوبية وقواعدها والمعلومات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من منظومة واسعة تمتد من الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات إلى قدرات الحوسبة والمعادن الحيوية، وهي منظومة باتت تؤثر بصورة مباشرة في قدرات الدول وفي توزيع القوة على المستوى العالمي.
ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد جهة جديدة لتنسيق المشاريع، بل إن السؤال الأساسي الذي يجب طرحه هو: هل ستصبح تركيا دولة قادرة على اتخاذ قراراتها التكنولوجية الخاصة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
ويقول إن النقاش حول الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الماضية انصب بدرجة كبيرة على التطبيقات، مثل قدرات النماذج الجديدة، والمهن التي ستتغير، واستخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي، ومدى ارتفاع الإنتاجية في عالم الأعمال.
لكن، بحسب قاردش، هناك أسئلة أكثر جوهرية بالنسبة إلى الدول، من بينها: أين تُطور نماذج الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها الدولة؟ وبأي بيانات تُدرب؟ وأين تُخزن هذه البيانات؟ ومن يوفر البنية التحتية الحاسوبية؟ وما النماذج التي تستخدمها المؤسسات الحكومية؟ وإلى أي مستوى تصل التبعية الخارجية في عمليات اتخاذ القرارات الحساسة؟
ويضيف سؤالا آخر يتعلق بصورة تركيا نفسها داخل هذه الأنظمة: من أين يتعلم الذكاء الاصطناعي تركيا واللغة التركية وتاريخ البلاد وواقعها الاجتماعي؟
"ذاكرة الخوارزميات" وصورة تركيا
يربط الكاتب هذه المسألة بما سبق أن طرحه في مقال له بعنوان "تركيا في ذاكرة الخوارزميات"، مشيرا إلى أن الناس لم يعودوا يعتمدون فقط على محركات البحث والمواقع الإخبارية للوصول إلى المعلومات، بل باتوا يوجهون أسئلتهم مباشرة إلى نماذج الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي، فإن الطريقة التي "يعرف" بها الذكاء الاصطناعي تركيا أصبحت، بحسبه، قضية استراتيجية.
فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بنقل المعلومات، وإنما يختارها ويلخصها ويعيد تركيبها وتقديمها للمستخدم، وهو ما ينقل النقاش إلى مفهوم السيادة الخوارزمية.
ويرى قاردش أن مفهوم السيادة كان يرتبط في الماضي بالحدود والجيش ومصادر الطاقة والنظام النقدي والقدرة الصناعية، بينما أضيفت إليه اليوم عناصر جديدة، من بينها البيانات، والقدرة الحاسوبية، والخوارزميات، وتقنيات الرقائق، والبنية السحابية، ونماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى.
ويحذر من أن تحول المنظومة الرقمية لدولة، بدءا من مؤسساتها الحكومية وجامعاتها ووصولا إلى شركاتها ومواطنيها، إلى منظومة تعتمد على البنية التحتية لعدد محدود من الشركات العالمية، قد يؤدي إلى ظهور شكل جديد من أشكال التبعية التكنولوجية.
ويستعيد الكاتب هنا مفهوم "الإقطاع الرقمي" الذي ناقشه في مقال سابق، معتبرا أن انتقال الوصول إلى المعلومات عبر عدد محدود من منصات التكنولوجيا الكبرى يمنح هذه الشركات دورا يتجاوز كونها جهات تجارية، لتصبح مراكز قوة قادرة على التأثير في تداول المعلومات وظهورها وفي المجال العام الرقمي.
الحاجة إلى "قدرة وطنية" متكاملة
من هذا المنظور، يرى قاردش أن سياسة تركيا في مجال الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تقتصر على تأسيس مزيد من الشركات الناشئة، أو تدريب مزيد من الخبراء، أو تطوير مزيد من التطبيقات، رغم أهمية هذه العناصر جميعا.
ويعتبر أن الحاجة الأساسية تتمثل في بناء قدرة وطنية متكاملة في مجال الذكاء الاصطناعي تجمع هذه المكونات ضمن رؤية واحدة.
ويلفت إلى أن إنشاء مكتب البرنامج لمتابعة تنفيذ قرارات المجلس يمثل أحد العناصر المهمة في النموذج الجديد، إلى جانب تحديد المؤسسات المسؤولة عن كل إجراء، ومشاركة مستوى التقدم مع الجمهور عبر بوابة التقدم والشفافية الوطنية للذكاء الاصطناعي.
ويعتبر الكاتب أن هذا النهج مهم، لأن بعض مشكلات سياسات التكنولوجيا في تركيا لا ترتبط دائما بغياب الرؤية، وإنما قد تكون مرتبطة بالتعقيدات والاختلالات في مرحلة التنفيذ.
ويضرب مثالا على ذلك بتوزع الجهود بين مؤسسات تستثمر في مراكز البيانات، وأخرى تعمل على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وجامعات تنفذ مشاريع مختلفة، وقطاع الصناعات الدفاعية الذي يبني قدراته الخاصة، وشركات القطاع الخاص التي تتقدم وفقا لاحتياجاتها.
ويرى أن التحدي يتمثل في تحويل هذه الجهود المتفرقة إلى أجزاء من هندسة استراتيجية مشتركة، معتبرا أن نجاح المجلس الجديد سيقاس بقدرته على تحقيق ذلك.
وبحسب الكاتب، فإن توجيه القدرات الموجودة في القطاع العام والجامعات والصناعات الدفاعية والقطاع الخاص نحو أهداف مشتركة يمكن أن يؤدي إلى صورة مختلفة تماما في مجال الذكاء الاصطناعي التركي.
خبرة الصناعات الدفاعية كقاعدة للذكاء الاصطناعي
يربط قاردش بين هذه الرؤية والتجربة التي طورتها تركيا في قطاع الصناعات الدفاعية، مشيرا إلى أن القدرات التكنولوجية التي جرى تطويرها في هذا القطاع يمكن نقلها إلى مجالات أخرى.
ويشير تحديدا إلى الخبرات المتراكمة في الأنظمة ذاتية التشغيل، ومعالجة البيانات في الوقت الفعلي، وتقنيات أجهزة الاستشعار، وأنظمة دعم القرار، معتبرا أنها لا يجب أن تبقى محصورة في المجال الدفاعي.
فبحسب رؤيته، يمكن بناء توجه مماثل لتطوير التكنولوجيا في قطاعات الصحة والزراعة والنقل والطاقة وإدارة الكوارث والتعليم والإدارة العامة.
ومن هنا يطرح سؤالا مركزيا: هل تستطيع تركيا نقل منظومة تطوير التكنولوجيا المحلية التي أنشأتها في الصناعات الدفاعية إلى مجال الذكاء الاصطناعي؟
فالسباق في الذكاء الاصطناعي، بحسب الكاتب، لا يعتمد فقط على امتلاك مبرمجين جيدين، وإنما يحتاج أيضا إلى مراكز بيانات، وطاقة، وبنية تحتية للحوسبة عالية الأداء، ومجموعات بيانات عالية الجودة، وباحثين، وتمويل طويل الأمد، فضلا عن تنسيق قوي يجمع هذه العناصر حول هدف واحد.
النماذج المحلية تبدأ من البيانات
ويرى قاردش أن تطوير تركيا لنماذج لغوية كبيرة خاصة بها أمر مهم، لكنه يعتبر أن هناك سؤالا أكثر أساسية يسبق ذلك: بماذا ستُدرّب هذه النماذج؟
ويؤكد أن نظام الذكاء الاصطناعي لا يستطيع معرفة العالم إلا بقدر ما توفره البيانات التي يتغذى عليها، ولذلك تحتاج تركيا، في رأيه، إلى بناء بنية بيانات واسعة تشمل الأرشيفات، والدراسات الأكاديمية، والنصوص القانونية، والتراث الثقافي، والمنشورات العلمية باللغة التركية، والبيانات الاقتصادية وغيرها.
ومن هنا يستعيد سؤالا طرحه في مقاله السابق "تركيا في ذاكرة الخوارزميات": "من أي منظور يتعرف الذكاء الاصطناعي على تركيا؟"
ويعتبر أن هذا السؤال سيصبح أكثر أهمية مع توسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، لأن السيادة لن تتعلق فقط بالبنية التحتية المادية للدولة، وإنما أيضا بالسيطرة على بنيتها المعرفية والمعلوماتية.
ويحذر من أنه إذا جاء الجزء الأكبر من المعلومات المنتجة حول تركيا من قواعد بيانات موجودة في دول أخرى، ومن مصادر بلغات أخرى، ومن أطر مفاهيمية لمجتمعات أخرى، فإن التبعية التكنولوجية يمكن أن تستمر، ولكن في صورة مختلفة.
لذلك، يؤكد أن السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي يجب أن تسير بالتوازي مع سياسة وطنية قوية للبيانات.
الأخلاقيات والأمن جزء من المعادلة
ولا يغفل الكاتب الجانب الأخلاقي والأمني في النموذج الجديد، إذ يعتبر أن إدراج آليات للأخلاقيات والسلامة ضمن الخطة يمثل عنصرا مهما.
وبحسب الخطة، من المقرر إنشاء مجلس وطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي يتولى إعداد إرشادات بشأن قابلية تفسير الأنظمة، ومصدر البيانات، والانحياز الخوارزمي، والأمن، والإشراف البشري.
كما تتضمن الخطة التعامل بصورة خاصة مع التطبيقات الموجهة إلى الأطفال والفئات الحساسة.
ويرى قاردش أن المعادلة التي يتعين على تركيا بناء مقاربتها الخاصة حولها واضحة: فمن جهة، ينبغي زيادة القدرة التكنولوجية، ومن جهة أخرى، يجب الحفاظ على الأمن والمنفعة الاجتماعية.
وفي خلاصة تحليله، يعتبر الكاتب أن القضية الأساسية في عصر الذكاء الاصطناعي تتمثل في معرفة من يبني البنية التحتية للمعلومات، وسلاسل القيمة الاقتصادية، وآليات اتخاذ القرار.
ومن هذه الزاوية، يرى أن المعنى الحقيقي لإنشاء المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي في تركيا سيظهر من خلال قدرته على جمع مختلف عناصر المنظومة الوطنية ضمن إطار استراتيجي واحد، بما يعزز قدرة البلاد على بناء بنيتها التكنولوجية والمعرفية الخاصة في المرحلة المقبلة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










