
برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
تواصل تركيا كتابة التاريخ في الداخل والخارج. فبعد تفاهم الأخوة الذي عزز الجبهة الداخلية، جاءت هذه المرة خطوة تعزز الجبهة الخارجية. وقد أثارت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» («ميثاق مكة») الموقعة بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، أصداء واسعة في العالم بالفعل. وستثير المزيد. ذلك أن هذه الخطوة المشتركة، بالنظر إلى مكان الاتفاقية وأطرافها وبنودها، تبدو ذات خصائص من شأنها زعزعة التوازنات الإقليمية والعالمية من جميع النواحي.
وقبل كل شيء، فإن مكة هي رمز الوحدة والنهضة التي تتوق إليها الأمة. وقد اختيرت كل تفاصيل اتفاقية مكة بعناية. كما ترمز هذه الخطوة إلى النهضة والمقاومة والعزم المنتظر في العالم الإسلامي. ولذلك، قوبل إعلان الإرادة في مكة المكرمة باعتباره بشارة بالتضامن الذي انتظره العالم الإسلامي منذ قرن. وإن توقيع الاتفاقية في مكة، يوم الجمعة، وليس في الرياض، له دلالة، فمكة هي قبلتنا التي يتجه إليها وجه الأمة خمس مرات في اليوم. وهي تحتضن المسجد الحرام، وبيت الله، الكعبة. وبما يتميز به «ميثاق مكة» من انفتاح على الجميع واحتضان للجميع، فإنه يمثل، بمعنى ما، بياناً لوحدة الأمة.
ذلك أن «ميثاق مكة»، الذي وقّعته «النواة الصلبة» للعالم الإسلامي بقيادة تركيا، يفتح الباب أمام عصر ما بعد صهيوني في منطقتنا، ولا سيما من خلال وقف السياسات الفوضوية لإسرائيل وعدوانية من يجعلون أنفسهم أدوات لهذه السياسات. وستُحدث هذه الاتفاقية، فضلاً عن إفشال السيناريوهات الفوضوية في الشرق الأوسط المرتبطة بإسرائيل، زلزالاً جذرياً في منظومة الأمن المرتبطة بالولايات المتحدة وأوروبا أيضاً. وبطبيعة الحال، سيحل محل المظلة الأمنية المضبوطة على المصالح الإمبريالية للغرب، نظام أمني جديد قائم على السلام والاستقرار والتعاون في منطقتنا بقيادة تركيا.
ويبدو أن منظومة الأمن الجديدة التي تجسدت في «ميثاق مكة» تتجاوز الشرق الأوسط وتمتلك أيضاً عمقاً استراتيجياً يمتد من شمال إفريقيا مروراً بشرق المتوسط وصولاً إلى جنوب آسيا. ذلك أنها ستكون مفتوحة أيضاً أمام انضمام دول أخرى.
ومن هذا المنظور، فإن «ميثاق مكة» الموقع بين أنقرة والرياض وإسلام آباد يمثل خطوة تاريخية من شأنها تغيير التوازنات الإقليمية والعالمية. وستعزز هذه الاتفاقية العلاقات بين المملكة العربية السعودية الغنية بالنفط، وباكستان التي تمتلك قوة نووية، وتركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي «الناتو» وصناعة دفاعية سريعة النمو، وترتقي بها إلى مستوى أعلى.
ولهذا السبب، يحمل «ميثاق مكة» معاني تتجاوز بكثير مجرد اتفاقية دفاع مشتركة. بل إن الميثاق، من هذه الزاوية، يحمل حتى إمكانية التحول إلى «ناتو إسلامي» بقيادة تركيا. أما ما سيأتي بعد ذلك، فليُفكر فيه «أصحاب النوايا السيئة» مثل إسرائيل والهند. وليفكر فيه أيضاً اللاعبون العالميون الذين يخططون لدعم هؤلاء.
ذلك أن بند «الهجوم على أحد هو هجوم على الجميع» الوارد في هذه الاتفاقية، التي تُعد الأولى من نوعها، سيكون رادعاً إلى حد كبير. ونرى بالفعل أن هذا البند هو أكثر ما يثير القلق في الهند وإسرائيل.
وخلاصة القول، فإن «ميثاق مكة»، الذي وُقع في وقت دخلت فيه الحرب ضد إيران شهرها السادس، وفي ظل محاولة إسرائيل تعميق هذه الحرب وتوسيعها لتشمل دولاً أخرى في المنطقة، يمثل من جميع الجوانب بطاقة حمراء في وجه خطط الفوضى الإقليمية ذات الطابع الصهيوني، وإنذاراً تاريخياً. وستقلب هذه الخطوة التركية جميع الحسابات القذرة الإقليمية والعالمية رأساً على عقب.
إن مسيرة تركيا نحو بيتها وتاريخها لن تهدم فقط جميع التوازنات والمعادلات الاستعمارية في الجبهة الداخلية، بل ستطيح أيضاً بجميع التوازنات والمعادلات الاستعمارية في الجبهة الخارجية. وبدلاً منها، ستؤسس مناخ الأخوة الذي نتوق إليه. ويؤكد «ميثاق مكة» مرة أخرى دور تركيا بوصفها دولة محورية ورائدة في كل المعادلات.
ذلك أن الأقواس التي حبست فيها القوى الإمبريالية بلادنا، بعدما أعادت رسم حدودنا بشكل اعتباطي عقب الحرب العالمية الأولى، أصبحت الآن محطمة تماماً. ويبدأ عصر تركي جديد في الشرق الأوسط. وينبغي قراءة «ميثاق مكة» باعتباره ختم هذا العصر الجديد الذي يرمز إلى نهضة الأمة ووحدتها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












