
ترك برس
لسنوات، سعت تركيا إلى التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية في البحر الأسود من موقع يجمع بين الوساطة وحماية مصالحها الإستراتيجية، مستفيدة من علاقاتها مع موسكو وكييف ومن سيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل. لكن اتساع الهجمات بالطائرات المسيّرة واستهداف سفن تجارية تركية نقل أنقرة تدريجيا من موقع الوسيط الذي يحاول احتواء التصعيد إلى دولة باتت مصالحها ومواطنوها وسفنها جزءا مباشرا من دائرة الخطر.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة لأن البحر الأسود لا يمثل بالنسبة إلى تركيا مجرد ساحة قريبة للحرب، بل يعد فضاء حيويا لأمنها القومي وتجارتها وإمداداتها من الطاقة والمواد الخام. كما أن المضائق التركية تشكل المخرج البحري الوحيد للبحر الأسود نحو المتوسط، ما يجعل أي اضطراب واسع في الملاحة قضية تمس أنقرة مباشرة.
سفن تركية تدخل دائرة الاستهداف
التطور الأكثر حساسية بالنسبة إلى أنقرة تمثل في انتقال الهجمات من منشآت وسفن روسية وأوكرانية إلى سفن مملوكة لشركات تركية أو مرتبطة بالمصالح التجارية التركية.
فقد أدانت وزارة الخارجية التركية هجوما بطائرات مسيّرة استهدف السفينتين التجاريتين "يسار" و"ناديزدا"، المملوكتين لشركتي شحن تركيتين، بعد مغادرتهما ميناء نوفوروسيسك الروسي، مؤكدة وقوع إصابات بين أفراد الطاقمين.
ولم يكن الحادث الأول من نوعه، إذ تعرضت سفينة صيد تركية في نهاية يونيو/حزيران لهجوم قرب سواحل شبه جزيرة القرم، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين.
كما سبق لأنقرة أن حذرت في مايو/أيار من خطر تحول التصعيد في البحر الأسود إلى وضع "خارج نطاق السيطرة"، عقب استهداف سفينة شحن تركية بمسيّرة قالت البحرية الأوكرانية إنها روسية.
ومع تكرار مثل هذه الحوادث، لم تعد المخاطر بالنسبة إلى تركيا افتراضية أو مرتبطة فقط بتعطل التجارة العالمية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بسلامة السفن التركية وأطقمها.
من وسيط اتفاق الحبوب إلى دولة متضررة
هذه التطورات تمثل تغيرا مهما في موقع تركيا داخل الأزمة. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، لعبت أنقرة دورا بارزا في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين الطرفين، واستضافت لقاءات سياسية، كما ساهمت مع الأمم المتحدة في التوصل إلى اتفاق لتصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود.
ومنحها موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع موسكو وكييف قدرة على لعب دور الوسيط بصورة لم تكن متاحة لمعظم أعضاء حلف شمال الأطلسي.
لكن اتساع نطاق الهجمات البحرية يضع هذا الدور أمام اختبار مختلف، لأن أنقرة مطالبة حاليا بالموازنة بين المحافظة على قدرتها على التواصل مع الطرفين وبين حماية سفنها ومواطنيها ومصالحها الاقتصادية.
وبالتالي، فإن تكرار استهداف السفن التركية قد يدفع أنقرة إلى رفع لهجتها تجاه موسكو وكييف معا، أو الضغط من أجل قواعد أكثر وضوحا لحماية الملاحة التجارية في المنطقة.
حرب المسيّرات تغيّر قواعد البحر الأسود
ما يزيد القلق التركي هو أن الحرب البحرية لم تعد تقتصر على السفن الحربية والصواريخ التقليدية، بل أصبحت الطائرات والزوارق المسيّرة أدوات رئيسية فيها.
وأعلن مسؤولون من الطرفين الروسي والأوكراني خلال الأسابيع الأخيرة عن استهداف عشرات السفن والناقلات والمنشآت الساحلية.
وقال قائد قوات الأنظمة المسيّرة الأوكرانية إن أكثر من 200 ناقلة تعرضت للهجوم خلال أسابيع في البحر الأسود وبحر آزوف، بينما أعلنت موسكو بدورها تنفيذ ضربات على سفن قالت إنها تستخدم لإمداد الجيش الأوكراني.
ومع اتساع هذه العمليات، تصبح عملية التمييز بين الأهداف العسكرية والتجارية أكثر صعوبة، خصوصا في ممر بحري تعبره سفن روسية وأوكرانية وتركية ودولية محملة بالقمح والنفط والفحم والحديد وغيرها من السلع.
وتكمن الخطورة بالنسبة إلى تركيا في أن مسيّرة منخفضة التكلفة تستطيع إلحاق أضرار بسفينة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، ورفع تكاليف التأمين على عشرات السفن الأخرى حتى من دون استهدافها فعليا.
البوسفور يجعل تركيا جزءا من المعادلة
لا تستطيع أنقرة النظر إلى التصعيد باعتباره حربا بعيدة عن أراضيها، لأن الجغرافيا تضعها في قلب حركة الملاحة في البحر الأسود.
فهذا البحر شبه مغلق، ولا تستطيع السفن الوصول منه إلى المتوسط إلا عبر مضيق البوسفور ثم بحر مرمرة والدردنيل، وجميعها تحت السيادة التركية.
ولهذا فإن أي اضطراب واسع في حركة السفن الروسية أو الأوكرانية أو الدولية يعيد تسليط الضوء على الدور التركي في تنظيم المرور عبر المضائق، وعلى اتفاقية مونترو التي تمنح أنقرة صلاحيات مهمة بشأن عبور السفن الحربية.
ومنذ اندلاع الحرب، استخدمت تركيا أحكام الاتفاقية لتقييد مرور السفن الحربية إلى البحر الأسود، في خطوة ساعدت على الحد من توسع المواجهة العسكرية.
لكن الخطر الحالي يتعلق أكثر بالسفن التجارية، وهو مجال لا تستطيع أنقرة التحكم فيه بالطريقة نفسها، مما يجعلها بحاجة إلى وسائل دبلوماسية وأمنية لمنع تحول البحر إلى منطقة عالية الخطورة على الملاحة المدنية.
تكلفة اقتصادية مباشرة
ولا يقتصر أثر التصعيد على الجانب الأمني.
فتركيا تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة عبر البحر الأسود، كما تستورد نسبة كبيرة من الفحم الحراري من روسيا. ومع تصاعد الهجمات، ارتفعت أسعار الفحم المعروض عليها من أقل من 100 دولار للطن في منتصف يوليو/تموز إلى نحو 135 دولارا.
كما أن اضطراب صادرات الحبوب والطاقة والمعادن من روسيا وأوكرانيا وكازاخستان يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما ينعكس على الاقتصاد التركي الذي يرتبط بصورة وثيقة بتجارة البحر الأسود.
ويمثل القمح تحديا آخر، إذ تعد روسيا وأوكرانيا من أكبر المنتجين والمصدرين عالميا، وأي تعطيل لحركة الشحن منهما يضغط على أسعار الغذاء في تركيا والمنطقة.
وقد ارتفعت أسعار القمح العالمية بنحو 15% خلال شهرين مع تصاعد المخاطر البحرية، بحسب المعطيات الواردة في التقارير.
خطر الاستدراج إلى صراع أوسع
المشكلة الأكبر بالنسبة إلى أنقرة تتمثل في احتمال خروج المواجهة عن نطاق الحرب الروسية الأوكرانية.
فالهجمات البحرية طالت بالفعل سفنا مرتبطة بدول لا تشارك مباشرة في الحرب، كما أدى استهداف سفينة إيرانية في بحر قزوين إلى تهديد طهران بالرد على أهداف أوكرانية قبل أن تتراجع بعد اعتذار كييف، وفقا للروايات المتداولة.
وتظهر هذه الحوادث مدى سهولة تحول خطأ في تحديد الهدف أو استهداف سفينة مدنية إلى أزمة سياسية مع دولة ثالثة.
وبالنسبة إلى تركيا، العضو في حلف الناتو وصاحبة علاقات اقتصادية وسياسية واسعة مع روسيا وأوكرانيا، فإن هذا السيناريو شديد الحساسية.
فأي هجوم يؤدي إلى سقوط عدد كبير من المواطنين الأتراك أو إصابة سفينة تركية بشكل جسيم قد يرفع الضغوط الداخلية على الحكومة لاتخاذ موقف أكثر صرامة، بما قد يهدد سياسة التوازن التي اتبعتها منذ بداية الحرب.
هل تعود أنقرة إلى طاولة الوساطة؟
رغم المخاطر، تمنح الأزمة تركيا في الوقت نفسه فرصة لاستعادة دور دبلوماسي أكبر.
فكلما ارتفعت تكلفة التصعيد على الملاحة، ازدادت الحاجة إلى ترتيبات تحمي السفن التجارية وممرات تصدير الغذاء والطاقة.
وقد سبق لتركيا أن لعبت هذا الدور من خلال اتفاق الحبوب، وهو ما يجعلها مرشحة للضغط من أجل تفاهم جديد يحد من استهداف السفن المدنية أو ينشئ آليات لضمان سلامة الملاحة.
لكن نجاح مثل هذه المبادرة يحتاج إلى قبول روسي وأوكراني، وهو أمر يصبح أكثر صعوبة مع انتقال الحرب البحرية إلى مرحلة تعتمد فيها الأطراف بصورة متزايدة على المسيّرات والضربات بعيدة المدى.
معادلة تركية أكثر تعقيدا
تقف تركيا اليوم أمام معادلة تختلف عما كانت عليه في السنوات الأولى للحرب.
فهي لا تزال تريد الاحتفاظ بعلاقاتها مع روسيا، ودعم أوكرانيا في ملفات أخرى، والمحافظة على دورها داخل الناتو، ومنع تحول البحر الأسود إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الحلف وموسكو.
وفي الوقت نفسه، أصبحت السفن التركية نفسها معرضة للضرب، وتزايدت الكلفة الاقتصادية للمواجهة، وأصبحت سلامة الملاحة جزءا من النقاش الداخلي التركي.
ولذلك فإن استمرار الهجمات قد يدفع أنقرة من سياسة تقوم أساسا على الوساطة والتوازن إلى سياسة أكثر تركيزا على حماية الملاحة والمصالح التركية المباشرة.
وبين البوسفور والسواحل الروسية والأوكرانية، لم تعد تركيا تقف على هامش حرب البحر الأسود، بل أصبحت الجغرافيا والتجارة والسفن المستهدفة تضعها أكثر فأكثر في قلبها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










