
ترك برس
لم تعد الممرات البحرية مجرد خطوط ترسم على خرائط التجارة العالمية، بل تحولت مع تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية إلى ساحات للمنافسة العسكرية وأدوات للضغط الاقتصادي، وفي قلب هذه الخريطة تبرز تركيا بموقع جغرافي يمنحها ثقلا متزايدا، سواء عبر تحكمها بالمخرج الوحيد للبحر الأسود نحو المتوسط، أو من خلال حضورها ضمن التحركات الإقليمية الرامية إلى حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وتكتسب هذه الممرات أهمية خاصة لأن النقل البحري يشكل العمود الفقري للتجارة العالمية، إذ تنقل السفن ما بين 80 و90% من السلع المتداولة عالميا من حيث الحجم، وأكثر من 70% من التجارة من حيث القيمة. ومع اتساع نطاق الصراعات، بات أي اضطراب في مضيق أو ممر ضيق قادرا على رفع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة والغذاء في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن بؤر التوتر.
وخلال الأشهر الماضية، برزت أربعة ممرات رئيسية في قلب الاهتمام العالمي، هي مضيق هرمز وباب المندب ومضيق تايوان والبحر الأسود، ولكل منها حساسيته الخاصة. فاضطراب هرمز يهدد إمدادات النفط والغاز، بينما يؤدي تعطل الملاحة في باب المندب وقناة السويس إلى إطالة طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، في حين يرتبط مضيق تايوان بسلاسل توريد الصناعات الإلكترونية، أما البحر الأسود فيمثل شريانا رئيسيا لتجارة الحبوب والطاقة.
وبين هذه النقاط الساخنة، يظهر موقع تركيا بصورة خاصة في البحر الأسود، كما يتسع حضورها إلى البحر الأحمر من خلال مشاركتها في ترتيبات أمنية جديدة لحماية طرق الملاحة، بحسب "الجزيرة نت".
من البحر الأحمر.. تركيا ضمن تحركات حماية الملاحة
يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، بينما تشكل قناة السويس بوابته الشمالية، ليعملا معا ضمن أحد أهم الممرات التي تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط وتختصر المسافة التجارية بين آسيا وأوروبا.
وتشير البيانات الواردة في النص إلى مرور ما بين 12 و15% من التجارة العالمية عبر باب المندب، ونحو 30% من تجارة الحاويات، إضافة إلى بضائع تتجاوز قيمتها تريليون دولار سنويا ونحو 10% من تجارة النفط المنقولة بحرا.
لكن هذا الطريق تعرض خلال السنوات الأخيرة لضغوط متزايدة. فمنذ أواخر عام 2023، دفعت الهجمات على السفن عددا من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، وهو خيار يزيد زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين.
ومع تصاعد التوتر مجددا خلال العام الجاري، عادت المخاوف بشأن قدرة القوى الدولية والإقليمية على إبقاء هذا الممر مفتوحا بصورة مستقرة.
وفي 30 يوليو/تموز، أعلنت السعودية تشكيل تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات لحماية حرية الملاحة، عقب اجتماع في الرياض شاركت فيه 43 دولة، وقالت الرياض إن 14 دولة قررت الانضمام إليه.
وكانت تركيا ضمن الدول التي تحدثت تقارير إعلامية عن مشاركتها في هذا التحالف، إلى جانب باكستان ومصر والكويت وقطر والبحرين واليمن والأردن والسودان وجيبوتي والصومال ونيجيريا وبنغلاديش، في مؤشر على اتساع انخراط أنقرة في الترتيبات المرتبطة بأمن الممرات الواقعة خارج محيطها البحري المباشر.
ويكتسب هذا الانخراط أهمية أكبر بالنظر إلى أن التوتر في باب المندب لا يظل محصورا في البحر الأحمر، وإنما يؤثر مباشرة في حركة التجارة المتجهة إلى شرق المتوسط وأوروبا، وهي مناطق ترتبط تركيا بها جغرافيا واقتصاديا بصورة مباشرة.
البحر الأسود.. تركيا تمسك بالمخرج الوحيد
إذا كان الوجود التركي في البحر الأحمر يرتبط بتعاون أمني متعدد الأطراف، فإن مكانتها في البحر الأسود تستند أساسا إلى الجغرافيا.
فالبحر الأسود مسطح شبه مغلق لا تستطيع السفن المتجهة منه إلى البحار المفتوحة الوصول إلى المتوسط إلا عبر المضائق التركية. ويطل عليه كل من تركيا وروسيا وأوكرانيا وجورجيا وبلغاريا ورومانيا، لكنه يتصل ببحر مرمرة عبر مضيق البوسفور، ومنه إلى بحر إيجة والمتوسط عبر مضيق الدردنيل.
وهذه الحقيقة تضع تركيا في موقع بالغ الحساسية، إذ تملك الأراضي التركية الممر البحري الوحيد الذي يربط البحر الأسود بالأسواق العالمية عبر المتوسط. ويجعل ذلك البوسفور والدردنيل عنصرين أساسيين في معادلات التجارة والأمن الإقليمي، خصوصا في أوقات الحروب والأزمات.
وتوضح كثافة الملاحة حجم هذه الأهمية، إذ عبرت أكثر من 40 ألف سفينة مضيق البوسفور خلال عام 2025، بحمولة تجاوزت 619 مليون طن، وبمتوسط يقارب 110 سفن يوميا.
ولا تقتصر أهمية البحر الأسود على موقعه، فهو أحد أهم طرق تجارة النفط القادم من روسيا وكازاخستان، كما يمثل ممرا رئيسيا للحبوب الروسية والأوكرانية. وتعد روسيا وأوكرانيا تقليديا من أكبر اللاعبين في أسواق الحبوب العالمية، مع تفوق روسي في صادرات القمح وحضور أوكراني قوي في تجارة الذرة.
ولهذا فإن أي اضطراب في البحر الأسود سرعان ما يتحول إلى قضية تتجاوز الدول المطلة عليه.
الحرب ترفع قيمة الموقع التركي
شهد البحر الأسود في الأسابيع الأخيرة تصعيدا بعد هجمات متبادلة استهدفت منشآت تصدير الحبوب وسفنا تجارية، الأمر الذي أعاد المخاوف بشأن أمن حركة الملاحة.
ووفقا للنص، أشار المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية إلى ارتفاع أسعار القمح العالمية بنحو 25% مقارنة ببداية العام، في ظل المخاطر المحيطة بالتجارة البحرية في المنطقة.
وتملك روسيا وأوكرانيا بعض الطرق البديلة، لكنها أقل كفاءة وأكثر تكلفة. فأوكرانيا تستطيع نقل جزء من صادراتها برا وبالسكك الحديدية وعبر نهر الدانوب إلى الموانئ الرومانية، بينما تمتلك روسيا بدائل عبر بحر البلطيق والمحيط المتجمد الشمالي، إلا أن هذه المسارات تواجه عقبات تتعلق بالمسافة والبنية التحتية والتكاليف.
وهنا تظهر القيمة الإستراتيجية للمضائق التركية مجددا، إذ تبقى الطريق الطبيعية الأقصر والأكثر مباشرة لنقل جانب واسع من تجارة البحر الأسود باتجاه المتوسط والأسواق الدولية.
هرمز.. أزمة بعيدة جغرافيا وقريبة اقتصاديا
ولا تقف آثار اضطراب الممرات البحرية عند مناطق النفوذ البحري المباشر لتركيا.
فمضيق هرمز، الواقع بين إيران وسلطنة عمان، يعد أحد أهم ممرات الطاقة عالميا، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال.
وأدى تعطل الملاحة فيه خلال الحرب الحالية إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة، مع امتداد التأثير إلى شركات ومصانع في أوروبا وآسيا تعتمد على النفط والمواد الأولية القادمة من الشرق الأوسط.
وبالنسبة إلى تركيا، فإن اضطراب هرمز أو باب المندب لا يمثل قضية بعيدة عن مصالحها، لأن اقتصادها يرتبط بشبكات التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وأي ارتفاع في تكاليف النقل والطاقة أو تأخر في سلاسل الإمداد يمكن أن ينتقل إلى الأسواق المحيطة بها.
كما أن تزامن الأزمات في أكثر من ممر يضاعف الضغوط. فإذا تعطلت حركة الطاقة عبر هرمز، قد تلجأ بعض الشحنات إلى مسارات برية قبل العودة إلى البحر، لكن هذه البدائل قد تحتاج بدورها إلى المرور بممرات تواجه مخاطر أمنية مثل البحر الأحمر وباب المندب.
الممرات تتحول إلى أدوات جيوسياسية
تكشف التطورات الأخيرة عن تحول أوسع في مفهوم القوة البحرية. فالممر البحري الضيق لم يعد مجرد نقطة عبور اقتصادية، بل بات أداة يمكن استخدامها للتأثير في الخصوم والأسواق الدولية.
كما أظهرت الحروب الحديثة أن القوى الأصغر تستطيع باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ ووسائل أقل تكلفة تهديد سفن تجارية وموانئ وبنية تحتية بحرية، وفرض تكاليف اقتصادية كبيرة على قوى تفوقها عسكريا.
وظهر ذلك بوضوح في البحر الأسود، حيث ساهمت الطائرات المسيّرة في تغيير طبيعة الصراع البحري، وأصبح استهداف منشأة أو سفينة كافيا لإثارة مخاوف شركات الشحن والتأمين ودفعها إلى إعادة حساب المخاطر والتكاليف.
ويشير باحثون إلى أن أهمية أي ممر بحري ترتبط بثلاثة عوامل رئيسية: حجم الملاحة التي تمر عبره، ومدى توفر طرق بديلة، والوضع السياسي والأمني في المنطقة المحيطة به.
ومن هذه الزاوية تكتسب المضائق التركية ثقلا استثنائيا، لأن البحر الأسود لا يمتلك منفذا بحريا طبيعيا بديلا عن البوسفور والدردنيل باتجاه المتوسط.
تركيا بين جغرافيتين ساخنتين
تضع هذه التحولات تركيا في موقع يجمع بين ميزتين مختلفتين: قوة الجغرافيا في البحر الأسود، والقدرة على المشاركة في ترتيبات أمنية أوسع في البحر الأحمر.
ففي الشمال، تتحكم المضائق التركية بالبوابة التي تعبر منها تجارة دول البحر الأسود نحو المتوسط. وفي الجنوب، تظهر أنقرة ضمن الترتيبات الإقليمية والدولية الساعية إلى حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
ولا يعني ذلك أن تركيا قادرة بمفردها على ضمان أمن هذه الممرات، لكنه يجعلها طرفا يصعب تجاوزه في أي نقاش يتعلق بأمن التجارة بين آسيا وأوروبا، خصوصا مع ازدياد هشاشة طرق الملاحة العالمية.
وفي عالم يعتمد على سلاسل توريد طويلة ومخزونات محدودة، لم يعد إغلاق الممر البحري شرطا لحدوث الخسائر؛ فمجرد ارتفاع مستوى الخطر يدفع شركات التأمين إلى زيادة الرسوم، ويجبر شركات الشحن على تغيير المسارات أو إعادة تقييم جدوى الرحلات.
وهكذا، وبين باب المندب في الجنوب والبحر الأسود في الشمال، تتزايد أهمية تركيا كلما تحولت الممرات البحرية إلى ساحات للصراع والتنافس. فالجغرافيا التي منحتها السيطرة على بوابة البحر الأسود، إلى جانب انخراطها المتنامي في ترتيبات حماية طرق التجارة الأخرى، تجعل أنقرة حاضرة في واحدة من أبرز معارك الجغرافيا السياسية والاقتصادية في المرحلة الراهنة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











