
غزوان مصري - خاص ترك برس
إذا كنت مستثمراً عربياً وتنظر إلى تركيا باعتبارها سوقاً من عشرات الملايين من المستهلكين فقط، فأنت ترى نصف الفرصة؛ أما النصف الآخر، وربما الأهم، فهو أن تنظر إليها كمصنع ومنصة تصدير ومركز أعمال تستطيع من خلاله الوصول إلى أسواق العالم.
هذه هي الخلاصة التي خرجت بها وأنا أستمع إلى العرض الاقتصادي والتجاري الشامل الذي قدمه وزير التجارة التركي الدكتور عمر بولاط حول أداء الاقتصاد التركي، وحركة التجارة الخارجية، ومستقبل الصادرات، وسياسات دعم الإنتاج والاستثمار.
في زمن ترتفع فيه الجدران الجمركية، وتتوسع الحروب التجارية، وتعيد الدول الكبرى النظر في سلاسل التوريد، لم يعد السؤال الصحيح للمستثمر: أين توجد السوق الأكبر؟ بل أصبح: أين أستطيع أن أنتج بكفاءة، وأصل إلى أسواق متعددة، وأجد بنية صناعية ولوجستية وخدمية تساعدني على التوسع؟
ومن هذه الزاوية تحديداً تستحق تركيا قراءة جديدة من المستثمر العربي.
بحسب الأرقام التي عرضها الوزير بولاط، بلغ حجم الاقتصاد التركي نحو 1.706 تريليون دولار، ووصل نصيب الفرد إلى قرابة 20,300 دولار. لكن الرقم الذي يهم المستثمر أكثر هو قدرة هذا الاقتصاد على الوصول إلى الخارج.
فقد وصلت صادرات تركيا السلعية خلال آخر اثني عشر شهراً إلى نحو 283.7 مليار دولار، فيما بلغت صادرات الخدمات قرابة 125.4 مليار دولار، ليصل مجموع صادرات السلع والخدمات إلى نحو 409.1 مليارات دولار.
هذه الأرقام لا تعكس سوقاً استهلاكية فحسب، بل تكشف عن منظومة إنتاج وتصدير وخدمات مرتبطة بالعالم.
والأكثر أهمية أن نحو 43.7% من الصادرات السلعية التركية أصبحت من المنتجات ذات التكنولوجيا المتوسطة المرتفعة والعالية، بقيمة وصلت إلى نحو 117.6 مليار دولار. وهذا مؤشر مهم على انتقال الصناعة التركية تدريجياً من المنافسة بالكلفة وحدها إلى المنافسة بالقيمة المضافة والتكنولوجيا.
وهنا تبدأ الفرصة الحقيقية للمستثمر العربي.
لسنوات طويلة، تركز جزء معتبر من الاستثمارات العربية في تركيا في العقارات والمطاعم والسياحة والتجارة التقليدية. وهذه قطاعات لها أهميتها، لكنها لا تمثل كامل الإمكانات التي يوفرها الاقتصاد التركي.
تركيا تمتلك قاعدة صناعية متنوعة في السيارات والآلات والمعدات والكهرباء والإلكترونيات والصناعات الدفاعية والنسيج والملابس والصناعات الغذائية والكيماوية والأثاث وغيرها، إلى جانب قطاعات خدمات قوية في السياحة والصحة والتعليم والبرمجيات وتكنولوجيا المعلومات والمعارض والاستشارات واللوجستيات.
ولهذا أرى أن السؤال الذي ينبغي للمستثمر العربي طرحه لم يعد: ماذا أستطيع أن أبيع داخل تركيا؟ بل ماذا أستطيع أن أنتج في تركيا وأبيع للعالم؟
وهذا تحول جوهري في طريقة التفكير بالاستثمار.
فالمصنع الذي يؤسس في تركيا لا ينبغي أن يبني دراسته على السوق التركية وحدها، وإنما على إمكانية استخدام تركيا قاعدة إنتاج وتصدير. والشركة الخدمية تستطيع التفكير بتركيا كمركز إقليمي لإدارة عمليات تمتد إلى أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا.
وهناك عنصر آخر بالغ الأهمية: تركيا نفسها تريد زيادة الاستثمار المنتج والموجه نحو التصدير.
فقد عرض الوزير بولاط منظومة واسعة لدعم المصدرين، تشمل التمويل عبر Türk Eximbank، وقروض إعادة الخصم، وضمانات التصدير، ودعم التحول الأخضر والرقمي، وبرامج خاصة للصناعات كثيفة العمالة، إلى جانب أدوات لتشجيع الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
ووفق الأرقام التي قدمها، وصل تمويل الصادرات عبر Türk Eximbank إلى عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، فيما جرى توسيع قدرات الضمان والتمويل للمصدرين بصورة كبيرة.
وهذه مسألة يجب أن يدرسها المستثمر العربي جيداً: الاستثمار في تركيا لا يعني فقط إدخال رأس المال، بل إمكانية الدخول في منظومة صناعية وتمويلية وتصديرية قائمة بالفعل.
كما أن المناطق الحرة التركية تستحق اهتماماً خاصاً. فتركيا تضم 19 منطقة حرة، حققت صادرات بنحو 12.5 مليار دولار، وتصل القيمة المضافة في صادراتها، وفق ما عرضه الوزير، إلى نحو 65%. وتعمل فيها قرابة ألفي شركة، بينها نحو 500 شركة أجنبية، وتوفر حوالي 90 ألف فرصة عمل.
وهذه البيئة يمكن أن تكون مناسبة لمشروعات تستهدف التصدير والأسواق الدولية.
كما تمتلك تركيا شبكة متنامية من اتفاقيات التجارة الحرة والترتيبات التجارية التفضيلية، إلى جانب الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي وعلاقات تجارية واسعة مع بريطانيا ودول الخليج وآسيا ومناطق أخرى. وهذه الشبكة تجعل دراسة موقع تركيا داخل سلسلة التوريد أكثر أهمية من النظر إليها كسوق منفردة.
لكنني لا أدعو المستثمر العربي إلى الاستثمار في تركيا بعاطفة، ولا إلى الاعتقاد أن الاستثمار فيها خالٍ من المخاطر.
فالاقتصاد التركي يتأثر، كغيره، بالتضخم وأسعار الفائدة والطاقة وتقلبات العملات والحروب المحيطة وتباطؤ التجارة العالمية. والمستثمر المحترف لا يبحث عن بلد بلا مخاطر، لأن مثل هذا البلد لا وجود له؛ بل يبحث عن اقتصاد حقيقي يستطيع إدارة المخاطر، ويمتلك الإنتاج والبنية التحتية والأسواق والكوادر والقدرة على التكيف.
وهنا أرى فرصة استراتيجية لم تُستثمر عربياً بعد بالشكل الكافي: الجمع بين رأس المال العربي والخبرة الصناعية التركية والأسواق العالمية.
لدينا في العالم العربي رؤوس أموال وشبكات تجارية وأسواق واسعة، ولدى تركيا خبرة صناعية وإنتاجية ولوجستية وقدرة تصديرية متراكمة. لماذا تبقى العلاقة بين الطرفين علاقة مستورد ومصدر فقط؟
لماذا لا نبني شركات عربية تركية تنتج معاً وتصدر معاً وتدخل أسواقاً ثالثة معاً؟
الفرص التي أراها تستحق الدراسة تشمل الصناعات التصديرية والغذائية، والآلات والمعدات، والتكنولوجيا والبرمجيات، واللوجستيات، والصحة، والتعليم الدولي، والطاقة والتقنيات الخضراء، والصناعات ذات القيمة المضافة، والخدمات الإقليمية والتجارة الدولية.
وأكرر هنا كلمة الدراسة؛ فليس كل قطاع مناسباً لكل مستثمر، ولا كل مدينة مناسبة لكل صناعة، ولا كل حافز يعني بالضرورة مشروعاً ناجحاً.
رسالتي للمستثمر العربي في النهاية واضحة: لا تأتِ إلى تركيا باحثاً عن سوق تبيع فيها فقط؛ تعال باحثاً عن شريك، ومصنع، وتكنولوجيا، وسلسلة توريد، ومنصة تستطيع أن تنطلق منها إلى العالم.
فتركيا التي تصدر أكثر من 409 مليارات دولار من السلع والخدمات لا ينبغي أن نقرأها فقط كسوق للاستثمار العربي، بل كشريك محتمل في بناء استثمار عربي–تركي قادر على المنافسة عالميًا.
وهنا قد تكون الفرصة الأكبر: رأس مال عربي، وخبرة وصناعة تركية، وأسواق العالم ميداناً مشتركاً.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











