
ترك برس
يرى المحلل الاستراتيجي التركي الدكتور عثمان غازي كاندمير أن السؤال المتداول حول مستقبل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والمتمثل في "هل تنسحب واشنطن من المنطقة؟"، لم يعد السؤال الأكثر دقة، معتبرا أن التطورات الأخيرة تشير بدلا من ذلك إلى تغيير في طريقة استخدام القوة العسكرية الأمريكية وتوزيع الأعباء الأمنية.
وفي مقال نشره موقع Independent Türkçe، يقول كاندمير إن واشنطن لا تتجه إلى التخلي عن الشرق الأوسط، وإنما تريد تخصيص جزء أكبر من مواردها العسكرية للدفاع عن أراضيها وردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مقابل دفع حلفائها وشركائها إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمن مناطقهم.
ويعتبر الكاتب أن هذا التحول يحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى الشرق الأوسط، لأن الولايات المتحدة تسعى، بحسب رؤيته، إلى الانتقال من نموذج تنتج فيه الأمن بصورة مباشرة عبر قواتها إلى نموذج تلعب فيه القوى الإقليمية دورا أكبر، مع احتفاظ واشنطن بقدراتها على التدخل عند الضرورة.
واشنطن لا تتخلى عن القوة بل تعيد ترتيب أولوياتها
يرى كاندمير أن فهم التحول الأمريكي يتطلب أولا النظر إلى الأولويات العسكرية العالمية لواشنطن.
ويقول إن الصين لم تعد بالنسبة إلى الولايات المتحدة مجرد منافس في آسيا، وإنما أصبحت موازنة القوة العسكرية والاقتصادية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في صلب الاستراتيجية الأمريكية.
ويشير إلى أن استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 تضع ضمن أهدافها الرئيسية منع الصين من فرض هيمنة إقليمية على الولايات المتحدة أو حلفائها، مع تعزيز الردع على امتداد سلسلة الجزر الأولى، وزيادة مساهمة الشركاء الإقليميين.
كما يلفت إلى أن واشنطن تعيد النظر في مفهومها للتحالفات، إذ لم تعد تريد أن يكون حلفاؤها مجرد أطراف تعتمد عليها أمنيا، وإنما تريد منهم تحمل الجزء الأكبر من التهديدات التي يمكنهم التعامل معها، بينما يقتصر الدعم الأمريكي على الأدوار الأكثر أهمية وحساسية.
ويختصر الكاتب هذا التحول بالقول إن واشنطن "لا تتخلى عن القوة، وإنما تعيد ترتيب أولويات استخدامها".
الشرق الأوسط.. من يتحمل العبء الأمني؟
يعتبر كاندمير الشرق الأوسط اختبارا مهما لهذا النهج الجديد.
ويقول إن هدف واشنطن ليس إنهاء وجودها العسكري في المنطقة، بل دفع شركائها الإقليميين إلى امتلاك قدرات دفاعية أكبر وتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم.
ويرى أن ذلك يغير طبيعة أهمية القدرات العسكرية لدول المنطقة، إذ لم تعد مرتبطة فقط بالدفاع الوطني لكل دولة، وإنما أصبحت جزءا من قدرة الاستراتيجية الأمريكية على الاستمرار بأقل تكلفة مباشرة.
وفي هذا السياق، يبرز الكاتب السعودية باعتبارها حالة مهمة.
ويشير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عن اتفاق دفاعي استراتيجي مع الرياض لتعميق التعاون الأمني بين البلدين، وقدمت الاتفاق باعتباره وسيلة لتعزيز الردع الإقليمي ودفع السعودية إلى تحمل مسؤولية أكبر في مواجهة التهديدات المشتركة.
كما يشير إلى أن الاتفاق يرتبط أيضا بتوسيع التعاون مع قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكية، في وقت تعمل فيه الرياض على تعزيز قدراتها العسكرية.
ويقول كاندمير إن المفارقة هنا تتمثل في أن واشنطن تريد من السعودية تحمل مسؤولية أمنية أكبر، لكنها في الوقت نفسه تعزز هذه القدرة من خلال الأنظمة العسكرية الأمريكية.
مبيعات الأسلحة جزء من المعادلة الجديدة
ويحذر الكاتب من قراءة السياسة الأمريكية الجديدة من منظور عسكري فقط، معتبرا أن مبيعات الأسلحة تمثل جزءا أساسيا من النموذج الذي تعمل واشنطن على بنائه.
ويشير إلى استراتيجية "أمريكا أولا لنقل الأسلحة" التي أطلقتها إدارة ترامب في فبراير/شباط 2026، موضحا أن أحد أهدافها يتمثل في استخدام مبيعات الأسلحة لتعزيز قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكي، إلى جانب دفع الحلفاء إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمن مناطقهم.
وبحسب كاندمير، فإن المعادلة الجديدة تقوم على أن يحصل الشريك الإقليمي على مزيد من الأسلحة، ويرفع قدراته الدفاعية، ويتحمل مسؤوليات أمنية أكبر، بينما تحد الولايات المتحدة من أعبائها العسكرية المباشرة وتوسع في الوقت نفسه الطاقة الإنتاجية لصناعاتها الدفاعية.
ويرى أن تصريحات البيت الأبيض في يوليو/تموز 2026، بشأن زيادة حلفاء واشنطن في حلف الناتو استثماراتهم الدفاعية، تعكس المنطق نفسه، إذ ربطت واشنطن تقاسم الأعباء بتحرير موارد أمريكية أكبر للدفاع عن الأراضي الأمريكية والمصالح الحيوية خارج أوروبا.
ويؤكد الكاتب أن القضية بالتالي لا تتعلق بمجرد إرسال الولايات المتحدة عددا أقل من الجنود، وإنما بمحاولة جعل زيادة القدرات العسكرية لدى الشركاء جزءا من الاستراتيجية الأمريكية نفسها.
اتفاق مكة والسياق التركي
يرى كاندمير أن هذه التحولات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا، في ضوء اتفاق مكة الذي جمع تركيا والسعودية وباكستان في إطار تعاون دفاعي وأمني.
ويشدد على أنه لا توجد أدلة كافية للقول إن الاتفاق كان مشروعا أعدته واشنطن، لكنه يرى في الوقت نفسه أن الهيكل الذي نتج عنه يتقاطع مع بعض أهداف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.
ويشرح الكاتب ذلك بالقول إن تركيا تزيد من مسؤوليتها في الأمن الإقليمي، والسعودية تنوع مصادر قدراتها الأمنية، بينما تحصل باكستان على ارتباط أمني جديد، في وقت تريد فيه الولايات المتحدة من شركائها الإقليميين تحمل مسؤوليات أكبر.
لكن كاندمير يحذر من اختزال المسألة في سؤال عما إذا كانت تركيا تنفذ السياسة الأمريكية أم لا.
ويقول إن تركيا يمكن أن تتحرك وفقا لمصالحها الخاصة، وفي الوقت نفسه تنتج نتائج تتقاطع مع بعض المصالح الأمريكية.
ويعتبر أن هذا أمر شائع في العلاقات الدولية، إذ يمكن للدول أن تصل إلى نتائج تخدم مصالح قوة أخرى من دون أن تتحرك بناء على تعليماتها المباشرة.
ومن هذا المنظور، يرى أن اتفاق مكة يكتسب أهمية خاصة، لأن زيادة القدرات الأمنية الإقليمية لتركيا قد تسهم في نموذج تقاسم الأعباء الذي تبحث عنه واشنطن، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تزيد الاستقلال الاستراتيجي لأنقرة.
ويؤكد أن النتيجتين ليستا متناقضتين بالضرورة.
إيران وإسرائيل.. حدود التغيير الأمريكي
يرى الكاتب أن هناك عاملين أساسيين يحدان من قدرة واشنطن على إعادة صياغة وجودها في الشرق الأوسط، وهما إيران وإسرائيل.
ويشير إلى أن استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 لا تخرج إيران ووكلاءها من الحسابات الأمنية الأمريكية، بل تدعو إلى زيادة مسؤولية الشركاء الإقليميين في الردع ضد إيران.
وفي المقابل، تستمر واشنطن في دعم قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها، إلى جانب تطوير التعاون الأمني مع دول الخليج.
ويعتبر كاندمير أن هذا يكشف بوضوح منطق السياسة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط.
فواشنطن، بحسب تحليله، لا تسعى إلى جمع المنطقة بأكملها في منظومة عسكرية تقودها الولايات المتحدة لمواجهة إيران، وإنما تعمل على الحفاظ على أمن إسرائيل، وتعزيز القدرات العسكرية لدول الخليج، ودفع الشركاء الإقليميين إلى تحمل مسؤوليات أكبر، مع الاحتفاظ بالقدرة الأمريكية على التدخل المباشر عند الضرورة.
هل تستطيع القوى الإقليمية بناء نظام تقبله واشنطن؟
يخلص كاندمير إلى أن نجاح هذا النموذج لن يتوقف فقط على مدى توافق القوى الإقليمية مع المصالح الأمريكية.
ويرى أن السؤال الأهم هو ما إذا كان النظام الأمني الذي تبنيه القوى الإقليمية انطلاقا من مصالحها الخاصة سيظل ضمن الحدود التي تستطيع واشنطن قبولها.
وبعبارة أخرى، فإن إعادة توزيع الأعباء الأمنية قد تمنح الولايات المتحدة مساحة أكبر للتركيز على الصين والدفاع عن أراضيها، لكنها في الوقت نفسه قد تمنح القوى الإقليمية هامشا أوسع لبناء ترتيبات أمنية مستقلة.
وهنا تكمن، بحسب الكاتب، المفارقة الأساسية في السياسة الأمريكية الجديدة: كلما أرادت واشنطن من حلفائها أن يتحملوا مسؤولية أكبر عن أمن المنطقة، زادت قدرتهم المحتملة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة عن الولايات المتحدة.
وبذلك لا يبدو التحول الأمريكي في الشرق الأوسط، وفقا لقراءة كاندمير، انسحابا من المنطقة بقدر ما يمثل انتقالا من إدارة أمريكية مباشرة للأمن إلى نموذج أكثر اعتمادا على القوى الإقليمية، مع احتفاظ واشنطن بدور القوة الضامنة والقادرة على التدخل عند الضرورة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










