
إسطنبول - ترك برس
يرى الكاتب التركي غوربوز أورن أن الولايات المتحدة، التي تشكلت تاريخيا نتيجة موجات الهجرة من أوروبا ومناطق مختلفة من العالم، تتبنى في عهد الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما خلال ولايته الثانية، سياسة قاسية تجاه المهاجرين، معتبرا أن هذه السياسة تتناقض مع طبيعة المجتمع الأمريكي وتاريخه.
وفي مقال نشره موقع «إندبندنت تركية»، يقول أورن إن الولايات المتحدة هي دولة أقامها مهاجرون قدموا من مناطق مختلفة من العالم، ولا سيما أوروبا، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن هؤلاء المهاجرين أقاموا الدولة الأمريكية على حساب السكان الأصليين الذين تعرضوا، بحسب تعبيره، للإبادة الجماعية.
ويعتبر الكاتب أن هذه الحقيقة التاريخية تفرض على الولايات المتحدة، من وجهة نظره، التعامل مع المهاجرين باحترام، لكنه يرى أن ترامب، وخصوصا في ولايته الرئاسية الثانية، اتخذ قرارات أدت إلى تفكيك الأسر وتفريق المجتمعات، ما خلق موجة واسعة من الخوف بين المهاجرين.
ويذهب أورن إلى أن ترامب، رغم كونه من أصول مهاجرة، استخدم خطابا يعتبره الكاتب غير لائق برئيس أمريكي من أجل «شيطنة» المهاجرين، واتخذ مواقف يصفها بأنها غير مقبولة.
تصعيد عمليات الترحيل والاعتقال
وبحسب الكاتب، رحّل ترامب خلال السنة الأولى من ولايته 390 ألف مهاجر، كما أصدر تعليمات إلى إدارة الهجرة والجمارك بإجراء ما لا يقل عن 3 آلاف عملية اعتقال يوميا.
ويقول أورن إن عدد المحتجزين ارتفع بعد هذه التعليمات إلى 60 ألفا اعتبارا من يناير/كانون الثاني 2025، مشيرا إلى أن المسؤولين لم تكن لديهم في السابق صلاحية دخول المدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس والمنازل لاعتقال المهاجرين، قبل أن يلغي ترامب هذه القيود ويجيز دخول هذه الأماكن وتنفيذ الاعتقالات.
ويرى الكاتب أن المهاجرين جرى حشرهم في معسكرات عسكرية سابقة ومنشآت احتجاز متهالكة وسجون اتحادية وأخرى خاصة، في إطار سياسة يرى أنها اتخذت طابعا أكثر تشددا في عهد ترامب.
تقليص طرق دخول المهاجرين
ويشير أورن إلى أن ترامب، في ولايته الجديدة، ألغى أو قلّص بصورة كبيرة العديد من الطرق التي كان المهاجرون يسلكونها للوصول إلى الولايات المتحدة.
ومن بين الإجراءات التي يذكرها إنهاء «وضع الحماية المؤقتة» الذي كان يمنع ترحيل أشخاص وصلوا إلى الولايات المتحدة بسبب ظروف مثل الحروب والكوارث الطبيعية، معتبرا أن ذلك جعل نحو مليون شخص يواجهون خطر الترحيل.
كما ألغى ترامب برنامج «يانصيب التأشيرات» المعمول به منذ فترة طويلة، والذي كان يسمح سنويا بقبول نحو 50 ألف مهاجر في الولايات المتحدة.
ويضيف الكاتب أن الإدارة أنهت أيضا «برنامج لمّ شمل الأسر» الذي كان متاحا خصوصا لمواطني بعض دول أمريكا اللاتينية، والذي كان يتيح للمهاجرين اصطحاب أزواجهم وأطفالهم إلى الولايات المتحدة.
تشديد القيود على مواطني دول مسلمة وإفريقية
ويشير أورن إلى أن ترامب وسّع خلال ولايته الثانية حظر دخول مواطني بعض الدول المسلمة والإفريقية إلى الولايات المتحدة، معتبرا أن القرار اتخذ منحى أكثر تشددا تجاه القادمين من القارة الإفريقية.
ويقول إن الولايات المتحدة أغلقت أبوابها أمام المهاجرين القادمين من جميع الدول الإفريقية، باستثناء البيض من جنوب إفريقيا، وفق ما أورده في مقاله.
كما ألغى ترامب «برنامج قبول اللاجئين»، الذي كان يتيح للأشخاص التقدم بطلبات من دول مختلفة قبل وصولهم إلى الولايات المتحدة، ما وضع عشرات الآلاف من اللاجئين الذين تمت الموافقة على طلباتهم في موقف صعب، بحسب الكاتب.
تفعيل قانون يعود إلى الحرب العالمية الثانية
ويرى أورن أن أحد أكثر الإجراءات إثارة للجدل تمثل في إعادة تفعيل «قانون أعداء الأجانب»، وهو القانون الذي استُخدم خلال الحرب العالمية الثانية، ولا سيما لاحتجاز اليابانيين قسرا في معسكرات.
ويقول إن إدارة ترامب تستخدم القانون لإرسال آلاف المهاجرين قسرا إلى دول ثالثة، دون احترام كاف للإجراءات القانونية، بحسب تقييمه.
ويستشهد الكاتب بحادثة وقعت في إطار هذه السياسة، عندما أُرسل مهاجرون إلى ليبيريا، بينهم أربعة كوبيين وبرازيلي وكاميروني، على متن طائرة غادرت الولايات المتحدة.
وبحسب الرواية الواردة في المقال، رفض المهاجرون الستة النزول من الطائرة لدى وصولها إلى المطار في 20 أغسطس/آب، ما دفع عناصر الأمن الأمريكي إلى محاولة إنزالهم بالقوة. وبعد مقاومتهم، أُبلغوا بأنهم سيُعادون إلى الولايات المتحدة.
لكن الطائرة أقلعت مجددا وهبطت بعد ساعات في غينيا الاستوائية، حيث نُقل المهاجرون، وهم معصوبو الأعين، إلى مركز احتجاز.
ويصف أورن المهاجرين الستة بأنهم أصبحوا، بعد تركهم لمصيرهم في غينيا الاستوائية، ضحايا جدد لما يعتبره سياسة ترامب «اللاإنسانية» تجاه المهاجرين.
ويضيف أن 23 ألف مهاجر أُرسلوا منذ العام الماضي إلى 26 دولة خارج بلدانهم الأصلية، لكنه يعتبر أن حادثة المهاجرين الستة كانت الأولى من نوعها.
تسريع إجراءات الترحيل
ويرى الكاتب أن إدارة ترامب اتخذت كذلك إجراءات لتسريع عمليات الترحيل الجماعي، من خلال توجيه القضاة الذين ينظرون في قضايا المهاجرين إلى اتخاذ قرارات سريعة بشأن تأشيرات الأجانب وبطاقات الإقامة الدائمة «غرين كارد».
ويقول إن هذه التعليمات تهدف، بحسب ما أُفيد، إلى منع المهاجرين من الحصول على محامين خلال مهلة عشرة أيام، وبالتالي تسريع إجراءات ترحيلهم.
ويعتبر أورن أن سياسة ترامب تجاه المهاجرين تجاوزت، في رأيه، مجرد التشدد في تطبيق قوانين الهجرة، ووصلت إلى مرحلة «عدم اعتبارهم بشرا».
جدل حول التعداد السكاني
وينتقل الكاتب إلى قضية أخرى يعتبرها دليلا على هذا التوجه، وهي التعداد السكاني في الولايات المتحدة، الذي يُجرى مرة كل عشر سنوات.
ويشير إلى أن التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي ينص، بحسب عرضه، على إجراء التعداد السكاني في الولايات المتحدة بغض النظر عن وضع الشخص من حيث المواطنة أو الهجرة.
لكن ترامب قال إن «الأشخاص الموجودين بصورة غير قانونية في الولايات المتحدة لن يتم إدراجهم بعد الآن في التعداد»، في موقف يراه الكاتب تصعيدا جديدا ضد المهاجرين.
وعقب تصريحات الرئيس الأمريكي وتعليماته، اقترح مكتب التعداد السكاني اعتماد آلية جديدة تقضي باستمرار إحصاء الأشخاص الذين يحملون إقامة دائمة، في حين لا يتم إدراج المهاجرين غير المسجلين الذين لا يملكون، وفق التعريف المقترح، روابط وانتماء كافيين للولايات المتحدة.
كما لن يشمل التعداد، وفقا للمقترح الذي أورده الكاتب، الأجانب الذين لم تتحدد أوضاع إقامتهم القانونية بصورة كاملة.
سياسة يرى الكاتب أنها تستهدف المهاجرين
ويختتم أورن مقاله بعرض ما يعتبره أبرز ملامح سياسة ترامب تجاه المهاجرين، من الترحيل والاعتقال وتشديد شروط الدخول إلى الولايات المتحدة، وصولا إلى تغيير قواعد التعداد السكاني.
ويقول الكاتب إن ما عرضه لا يمثل سوى جانب من القضية، مشيرا إلى أنه سيتناول في مقال آخر مقاومة المهاجرين، والاشتباكات التي وقعت بينهم وبين قوات الأمن، وحالات قتل مهاجرين على يد الشرطة، فضلا عن أوضاع الأطفال الذين وجدوا أنفسهم من دون أسرهم نتيجة سياسات الترحيل.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











