ترك برس

تفتح اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان الباب أمام مرحلة جديدة في التفكير الأمني بالمنطقة، في ظل تحولات متسارعة تدفع دول الإقليم إلى البحث عن ترتيبات دفاعية أكثر اعتمادا على قدراتها وشراكاتها المباشرة، بدلا من الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد اندلاعها.

ويرى الكاتب والمحلل رامي الخليفة العلي، في مقال نشرته صحيفة عكاظ السعودية، أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في كونه ترتيبا عسكريا جديدا بين الدول الثلاث، وإنما في انتقاله بمفهوم الأمن من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى بناء قدرة ردع تهدف إلى منعها من الأساس.

وبحسب العلي، فإن القاعدة الأساسية التي يقوم عليها الاتفاق، والقائلة إن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداء عليها جميعا، من شأنها رفع كلفة أي مواجهة عسكرية محتملة، وإرسال رسالة واضحة بأن أمن الدول الموقعة لم يعد مجالا مفتوحا للضغط أو الابتزاز أو اختبار ردود الفعل.

اتفاق جاء بعد مسار طويل من التعاون

ولا ينظر الاتفاق، وفقا للكاتب، باعتباره نتيجة ظرف سياسي طارئ أو ردة فعل على أزمة محددة، إذ سبقت توقيعه مفاوضات استمرت نحو عام، إلى جانب خطوات متدرجة في التعاون بين السعودية وكل من تركيا وباكستان.

ويعكس ذلك، بحسب العلي، توجها استراتيجيا يتجاوز الحسابات الآنية، ويشير إلى رغبة في بناء منظومة أمنية أكثر استقلالا وقدرة على حماية مصالح دول المنطقة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل تنامي الحديث عن ضرورة امتلاك دول المنطقة أدواتها الخاصة في مجال الأمن والدفاع، وعدم ترك ترتيبات الأمن الإقليمي بالكامل للقوى الخارجية.

السعودية في قلب المعادلة الجديدة

ويبرز الدور السعودي بوصفه أحد أهم عناصر الاتفاق، إذ يرى العلي أن المملكة تمتلك من الثقل السياسي والاقتصادي ما مكنها من الجمع بين قوتين عسكريتين كبيرتين، وتحويل علاقات ثنائية متفرقة إلى إطار متعدد الأطراف يمكن أن يشكل نواة لترتيبات أمنية أوسع في المستقبل.

وبحسب هذا الطرح، فإن التحرك السعودي يعكس تغيرا في طريقة تعامل الرياض مع النظام الإقليمي؛ فبدلا من انتظار ترتيبات تصنعها قوى أخرى ثم البحث عن موقع داخلها، تسعى المملكة إلى المشاركة في صياغة قواعد هذا النظام انطلاقا من مصالحها الوطنية ورؤيتها للاستقرار الإقليمي.

ويمنح ذلك الاتفاق بعدا يتجاوز التعاون العسكري المباشر، ليصبح جزءا من تحرك أوسع نحو تعزيز الدور السعودي في صياغة المعادلات السياسية والأمنية في المنطقة.

تكامل بين ثلاث قوى وقدرات مختلفة

ومن أبرز عناصر قوة الاتفاق، بحسب العلي، أنه لا يقوم على مجرد جمع ثلاث قوى عسكرية، بل على تكامل قدرات مختلفة يمكن أن يعزز بعضها بعضا.

فالسعودية تمتلك وزنا اقتصاديا وماليا كبيرا، إضافة إلى موقعها السياسي وعمقها العربي والإسلامي وموقعها الجغرافي الاستراتيجي.

أما تركيا، فتملك صناعة دفاعية متطورة وخبرة متنامية في تطوير وإنتاج الطائرات المسيّرة، إلى جانب قدرات في المجالات البحرية والإلكترونية والمنظومات الدفاعية المختلفة.

في حين تتمتع باكستان بكتلة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية واسعة، فضلا عن موقع جغرافي مهم على بحر العرب، ما يضيف بعدا استراتيجيا إلى الشراكة الثلاثية.

ويرى الكاتب أن القيمة الحقيقية للاتفاق تكمن بالتالي في جمع هذه المزايا ضمن إطار واحد، بما يسمح بتبادل الخبرات والتكنولوجيا والقدرات بدلا من الاكتفاء بالتعاون التقليدي بين الجيوش.

الصناعات الدفاعية.. بعد استراتيجي للسعودية

ويكتسب التعاون في مجال الصناعات الدفاعية أهمية خاصة بالنسبة إلى المملكة، في ضوء سعيها إلى تطوير قدراتها المحلية في هذا المجال.

ويربط العلي بين التوجه نحو مشاريع دفاعية مشتركة وبين أهداف رؤية السعودية 2030، ولا سيما ما يتعلق بتوطين جزء أكبر من الصناعات العسكرية، ونقل التكنولوجيا، وتنويع مصادر التسليح.

ومن شأن التعاون مع تركيا وباكستان أن يوفر للمملكة فرصا لتطوير قاعدة صناعية دفاعية أكثر تنوعا، وتقليل الاعتماد على مورد واحد، وهو ما يمنح الرياض هامشا أكبر في اتخاذ قراراتها الدفاعية بعيدا عن تأثير الاعتبارات السياسية التي قد تتحكم أحيانا في صفقات التسليح الدولية.

وبهذا المعنى، يمكن أن يتحول الاتفاق من إطار للتنسيق الأمني إلى منصة للتعاون الصناعي والتكنولوجي، خصوصا إذا تطورت المشاريع المشتركة بين الدول الثلاث خلال السنوات المقبلة.

اتفاق لا يستهدف دولة بعينها

ومن النقاط اللافتة في الاتفاق تأكيد قادة الدول الثلاث أنه لا يستهدف دولة بعينها، إلى جانب الإشارة إلى إمكانية انضمام دول شقيقة أخرى.

ويرى العلي أن هذه الرسائل تعكس طبيعة الاتفاق باعتباره مشروعا للردع والاستقرار وليس إطارا لتشكيل محور هجومي أو للتحضير لمواجهة مع طرف محدد.

كما أن إبقاء الباب مفتوحا أمام دول أخرى قد يسمح، في حال نجاح التجربة الأولى، بتوسيع التعاون وتحويل الاتفاق تدريجيا إلى منظومة أمن إقليمي أكثر اتساعا.

ويعني ذلك أن الصيغة الحالية قد تمثل نواة أولى لترتيبات أمنية جديدة، بدلا من كونها إطارا مغلقا يقتصر على الدول الثلاث المؤسسة.

مكة.. رمز ديني وسياسي للاتفاق

ولا يخلو اختيار مكة المكرمة مكانا لتوقيع الاتفاق من دلالة رمزية، إذ تمنح المدينة الاتفاق بعدا خاصا يتجاوز الجانب العسكري.

ويعكس اختيار مكة مكانا للتوقيع مكانة المملكة باعتبارها نقطة التقاء للعالمين العربي والإسلامي، كما يبرز قدرتها على توظيف ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي في مبادرات عملية تتصل بقضايا الأمن والاستقرار.

ومن هذه الزاوية، يصبح اسم "اتفاقية مكة" جزءا من الرسالة السياسية للاتفاق، وليس مجرد تسمية مرتبطة بمكان التوقيع.

نحو إعادة تشكيل الأمن الإقليمي

ويخلص طرح الكاتب رامي الخليفة العلي إلى أن اتفاقية مكة تمثل خطوة مهمة في إعادة صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة، عبر الانتقال من الاعتماد على ترتيبات خارجية إلى بناء شراكات بين دول المنطقة نفسها.

ويجمع الاتفاق بين الردع والتعاون الدفاعي والصناعات العسكرية وتبادل الخبرات، بما قد يمنحه قابلية للتطور في المستقبل إذا نجحت الدول الثلاث في تحويل التفاهم السياسي إلى آليات عملية قابلة للقياس.

وفي حال توسعت الشراكة لتشمل دولا أخرى، فقد تتشكل تدريجيا منظومة أمنية إقليمية جديدة تقوم على التكامل بين القدرات المختلفة، بدلا من الاعتماد على القوة المنفردة لأي دولة.

وبحسب رؤية العلي، فإن أهمية الاتفاق تكمن في أنه يضع السعودية في موقع المبادرة في صياغة النظام الإقليمي، ويمنح تركيا وباكستان شراكة استراتيجية مع قوة عربية وإسلامية ذات وزن سياسي واقتصادي كبير.

وهكذا، قد لا تكون اتفاقية مكة مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل خطوة أولى نحو إعادة تعريف مفهوم الأمن في المنطقة، بحيث يصبح الاستقرار مسؤولية مشتركة تصنعها دول الإقليم نفسها، وتستند إلى الردع والتكامل والشراكة والاستقلال الاستراتيجي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!