
ترك برس
بعد ربع قرن من وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، تبدو البلاد أمام مرحلة مختلفة عن تلك التي طبعت سنواته الأولى؛ فالمعركة التي ارتبطت في بدايتها بإعادة بناء الدولة وتعزيز قدراتها وتحقيق التنمية الاقتصادية باتت، وفق قراءة للكاتب ياسين أقطاي، مرتبطة بسؤال أعمق يتعلق بنوعية المجتمع الذي تريد تركيا بناءه، وبقدرتها على الجمع بين القوة والعدالة، والتنمية والأخلاق، واستقلال الدولة واستقلال الإنسان.
ويرى أقطاي، في مقال نشرته صحيفة «يني شفق» بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيس الحزب، أن أحد أكبر مشكلات تركيا قبل صعود العدالة والتنمية كان وجود دولة منفصلة عن مجتمعها، وعن قيمه وواقعه وتطلعاته. ويعتبر أن الحزب أمضى ربع قرنه الأول في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، ونقل الدولة من موقع ينظر إلى شعبه باعتباره مصدراً محتملاً للتهديد إلى دولة أكثر التصاقاً بهويته واحتياجاته.
لكن النجاح في التنمية، بحسب الكاتب، لا يعني أن المهمة اكتملت، بل يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً: كيف يمكن تحويل الدولة القوية والمجتمع المتقدم اقتصادياً إلى مجتمع أكثر عدلاً وتماسكاً وأخلاقاً؟
من دولة منفصلة عن المجتمع إلى دولة تستعيد ثقة مواطنيها
يبدأ أقطاي قراءته بالتذكير بأن الدولة التركية، في مراحل سابقة، كانت تعاني انفصالاً عميقاً عن جزء كبير من مجتمعها، سواء في تعريفها للهوية الوطنية أو في مقاربتها للدين أو في تعاملها مع مكونات المجتمع المختلفة.
ويشير إلى أن سياسات الدولة السابقة تجاه الأكراد والعرب والشركس، إلى جانب المسلمين والعلويين وغيرهم من المكونات، أسهمت في خلق دولة لا تعكس بصورة كافية تنوع المجتمع الذي تحكمه.
ويرى أن حزب العدالة والتنمية تمكن خلال ربع قرنه الأول من معالجة جزء كبير من هذه المشكلة، مستنداً إلى سياسات تنموية وفرت له قاعدة من الشرعية السياسية، وفي الوقت نفسه عمل على تقريب الدولة من المجتمع وإعادة تعريف العلاقة بين الطرفين.
وبهذا المعنى، لم تكن التنمية بالنسبة إلى الحزب مجرد هدف اقتصادي، بل كانت أيضاً أداة لإعادة بناء الدولة وتعزيز قدرتها وإنهاء مراحل من الوصاية والتبعية والشعور بالعجز التي طبعت فترات من التاريخ السياسي التركي الحديث.
التنمية حققت الكثير.. لكنها ليست نهاية الطريق
لا ينكر الكاتب حجم التحول الذي شهدته تركيا خلال السنوات الماضية؛ فقد توسعت الطرق والمدن، وارتفع الإنتاج، وانتشر الرفاه، وتحسنت القدرات الاقتصادية والبنية التحتية.
غير أن أقطاي يحذر في الوقت نفسه من تحويل التنمية الاقتصادية إلى معيار وحيد للحكم على نجاح الدولة والمجتمع.
فحين تصبح التنمية بحد ذاتها مقياساً لجميع القيم، قد تبدأ بعض الأهداف التي قامت التنمية من أجل تحقيقها بالتآكل، وفق رؤيته. فقد شهدت تركيا تحسناً في مستويات المعيشة، لكن ذلك تزامن، في نظره، مع تحديات اجتماعية مثل تراجع حجم الأسرة، وزيادة الشعور بالوحدة، وضعف التضامن، وتراجع التصور المشترك لمعنى الحياة.
ويطرح الكاتب سؤالاً حول مدى صحة هذه الصورة، مستشهداً بتجربة 15 يوليو/تموز 2016، عندما أظهرت مواجهة محاولة الانقلاب، بحسب تعبيره، مستوى عالياً من التلاحم بين الدولة والمجتمع.
ويعتبر أن تلك التجربة قدمت نموذجاً على قدرة المجتمع التركي على التضامن والتعبئة عندما يواجه تهديداً مشتركاً، حتى في وقت كانت فيه بعض القراءات تحذر من تراجع القيم الاجتماعية والتكافل.
«العدالة» بعد «التنمية»
في هذا السياق، يرى أقطاي أن المرحلة الثانية من مسيرة حزب العدالة والتنمية يجب أن تركز على الكلمة الأولى في اسمه، أي «العدالة»، بعد النجاح الذي تحقق في مجال «التنمية».
ويؤكد أن العدالة ليست عنصراً تكميلياً يمكن التعامل معه بعد تحقيق التنمية، وإنما هي المبدأ الذي يمنح التنمية اتجاهها، ويضفي الشرعية على القوة، ويحافظ على تماسك المجتمع.
ومن هنا يضع الكاتب المهمة الأساسية للربع الثاني من قرن الحزب في معادلة واضحة: إعادة الجمع بين التنمية والخير، والقوة والعدالة، وقدرة الدولة والأخلاق الاجتماعية.
ويضع القانون في مقدمة هذه المهمة، موضحاً أن الدولة القوية ليست الدولة التي تستطيع أن تفعل ما تشاء تجاه مواطنيها، وإنما الدولة التي تمنح جميع مواطنيها شعوراً بالأمان والثقة، بغض النظر عن أفكارهم أو هوياتهم أو انتماءاتهم السياسية.
العدالة تبدأ من المؤسسات
ولا يحصر أقطاي مفهوم العدالة في الأحكام التي تصدرها المحاكم، بل يوسعها لتشمل مختلف جوانب الإدارة العامة والحياة السياسية.
فالوصول إلى الوظائف العامة يجب أن يقوم على الكفاءة، وتوزيع موارد الدولة يجب أن يتم وفق معايير عادلة، ولا ينبغي أن يتحول القرب من السلطة أو السياسة إلى امتياز، كما يجب أن تكون القرارات الحكومية قابلة للتفسير، وأن يشعر كل مواطن بأنه متساوٍ أمام القانون.
ومن وجهة نظر الكاتب، فإن بناء مثل هذه البيئة يمثل أحد أهم اختبارات المرحلة المقبلة، لأن الدولة القوية لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات وتنفيذها، وإنما أيضاً بقدرتها على إنتاج الثقة والعدالة بين مواطنيها.
الأسرة.. التحدي الاجتماعي الأكبر
ويضع أقطاي الأسرة في المرتبة الثانية بين الملفات الكبرى التي تحتاج إلى معالجة خلال الربع الثاني من قرن الحزب.
فمع تقدم تركيا اقتصادياً، أصبح تأسيس الأسرة أكثر صعوبة بالنسبة إلى قطاعات من الشباب، وفي الوقت الذي تطورت فيه تقنيات الاتصال، ضعفت بعض الروابط الإنسانية المباشرة، بينما أدى ارتفاع مستوى الرفاه إلى ظهور أسئلة أكثر إلحاحاً حول معنى الحياة.
ويشير الكاتب إلى مجموعة من الظواهر التي تستحق الاهتمام، من بينها ابتعاد الشباب عن الزواج، والتردد في الإنجاب، ووحدة كبار السن، وانتشار الاعتماد المفرط على الوسائط الرقمية، واتساع النزعة الفردية.
لكن أقطاي يحذر في الوقت نفسه من اختزال الأسرة في كونها وسيلة لزيادة عدد السكان، مؤكداً أن قيمتها تتجاوز البعد الديموغرافي.
فالأسرة، بحسب رؤيته، هي المؤسسة الاجتماعية التي يتعلم فيها الإنسان المسؤولية، ويتجاوز الوحدة، ويختبر الحب والتضحية والتكافل. ولذلك فإن تعزيز الأسرة لا يعني فقط دعم مؤسسة اجتماعية، بل يعني، في جوهره، إعادة بناء المجتمع نفسه.
التعليم.. من زيادة الوصول إلى بناء الإنسان
أما المهمة الثالثة فتتمثل في التعليم.
ويقر الكاتب بأن ربع القرن الأول شهد توسعاً كبيراً في فرص الوصول إلى التعليم، مع زيادة أعداد المدارس والجامعات والفصول الدراسية والمعلمين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، بحسب أقطاي، لم يعد فقط: «كيف نوفر المزيد من التعليم؟»، بل «أي نوع من الإنسان نريد أن نربي؟».
ويحذر من إمكانية بناء جيل قادر على النجاح في الامتحانات لكنه يجهل تاريخه، ويحمل شهادة جامعية لكنه غير قادر على إنتاج الأفكار، ويستخدم التكنولوجيا لكنه يصبح في الوقت نفسه خاضعاً لها.
لذلك يدعو إلى نموذج تعليمي يخرج أفراداً قادرين على التفكير النقدي، وفهم العالم، وإتقان أكثر من لغة، وإنتاج العلوم والتكنولوجيا، مع امتلاك حس بالمسؤولية الأخلاقية ووعي بالتراث الحضاري الذي ينتمون إليه.
الاستقلال الفكري بعد الاستقلال الدفاعي
ويصل الكاتب من ملف التعليم إلى قضية أوسع يعتبرها حاسمة لمستقبل تركيا، وهي «الاستقلال الفكري».
فتركيا، بحسب أقطاي، قطعت خطوات مهمة نحو الاستقلال في مجال الصناعات الدفاعية، لكنها لم تحقق المستوى نفسه من الاستقلال في مجالات الفكر والثقافة والعلوم الاجتماعية والتعليم.
ويرى أن تركيا لا تزال تنظر في كثير من الأحيان إلى تاريخها ومجتمعها باستخدام مفاهيم طورها الغرب، كما لا تزال بعض القراءات تفسر تجربة المجتمع التركي ضمن نماذج التحديث الغربية، باعتبارها المسار الطبيعي أو الحتمي للتاريخ الإنساني.
ومن ثم، فإن معركة الاستقلال في الربع الثاني من القرن لا ينبغي أن تكون رفضاً للغرب، وإنما وضع التجربة الغربية في مكانها الطبيعي ضمن التاريخ العالمي، وفي المقابل تحويل التراث الحضاري التركي والإسلامي من مجرد مادة للحنين إلى مصدر لإنتاج المعرفة والفكر والفن والسياسة والتكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي يدخل معركة الاستقلال
ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر مع دخول العالم عصر الذكاء الاصطناعي.
ويعتبر أقطاي أن امتلاك تركيا نماذج لغوية كبيرة خاصة بها، وبنية تحتية للبيانات، وبرمجيات ومعالجات وأنظمة للأمن السيبراني، سيكون جزءاً من شروط الاستقلال السياسي في المستقبل.
فالدولة التي تعتمد في بنيتها الرقمية والتكنولوجية على الخارج قد تواجه حدوداً لاستقلال قرارها، ولذلك فإن بناء القدرات المحلية في التكنولوجيا المتقدمة لا يمثل فقط مشروعاً اقتصادياً، بل يتحول تدريجياً إلى مسألة تتعلق بالأمن والسيادة والاستقلال الوطني.
بين الثقة الوطنية والعنصرية
ويحذر الكاتب أيضاً من الخلط بين الثقة الوطنية وبين النزعة العرقية، مشيراً إلى تصاعد خطاب العنصرية وكراهية الأجانب، ولا سيما تجاه اللاجئين، وتقديم هذا الخطاب أحياناً باعتباره تعبيراً عن الوطنية.
ويرى أن هذا الاتجاه يضيق من الرؤية الحضارية التي يمكن أن تتبناها تركيا، مؤكداً أن قوة الأمة لا تعني النظر إلى الشعوب الأخرى باعتبارها أدنى منها.
وبحسب أقطاي، فإن معيار «الأمة الكبيرة» ليس قدرتها على إقصاء الآخرين عندما تمتلك القوة، وإنما قدرتها على توفير العدالة والأمان للشعوب المختلفة.
ويربط الكاتب هذه الرؤية بالتطورات الإقليمية والدولية التي تشارك فيها تركيا، بما في ذلك اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة بين تركيا والسعودية وباكستان، وتعاظم دور منظمة الدول التركية، وتطور العلاقات مع إفريقيا، ومشروع طريق التنمية، إلى جانب استمرار التحرك التركي بشأن القضية الفلسطينية.
قوة تركيا يجب ألا تتحول إلى شكل جديد من الهيمنة
ويرى أقطاي أن هذه التطورات تفتح أمام تركيا إمكانات مهمة لبناء سياسة خارجية أكثر تأثيراً، لكنه يحذر من تحولها إلى مجرد بحث عن تشكيل «كتلة قوة» جديدة.
فالترتيبات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تقودها تركيا، بحسب رؤيته، ينبغي أن تقوم على العدالة والاحترام المتبادل والشراكة المتساوية، لا على استبدال هيمنة بأخرى.
كما يدعو إلى أن يترافق ذلك مع طرح أكثر وضوحاً لقضايا حقوق الإنسان، مشيراً إلى أن الدول التي تدخل تركيا معها في تحالفات وعلاقات وثيقة تواجه بدورها انتقادات تتعلق بحقوق الإنسان، وأن معالجة هذه الملفات ينبغي ألا تغيب عن الأجندة السياسية.
الربع الثاني.. من بناء الدولة إلى بناء الإنسان
في المحصلة، يقدم أقطاي قراءة لمسار حزب العدالة والتنمية تقوم على مرحلتين أساسيتين.
ففي الربع الأول من القرن، ركز الحزب، وفق رؤيته، على تخليص تركيا من الوصاية والتبعية وتعزيز قدرات الدولة وتحقيق التنمية الاقتصادية، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.
أما الربع الثاني، فيفترض أن ينتقل فيه التركيز إلى قضايا أكثر عمقاً: العدالة، والأسرة، والتعليم، والأخلاق الاجتماعية، والاستقلال الفكري، والقدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، إلى جانب بناء سياسة خارجية قائمة على القوة المقترنة بالعدالة.
وبهذا المعنى، فإن التحدي لم يعد فقط في كيفية جعل الدولة التركية أقوى، وإنما في كيفية تحويل هذه القوة إلى عدالة يشعر بها المواطن، وإلى مجتمع أكثر تماسكاً، وإلى إنسان أكثر استقلالاً وقدرة على إنتاج المعرفة وصناعة مستقبله.
ويرى الكاتب أن نجاح الحزب في هذه المهمة سيحدد الطريقة التي سيُنظر بها إلى ربع قرنه الثاني؛ فإما أن يبقى في التاريخ السياسي التركي بوصفه حزباً حكم البلاد لفترة طويلة، أو يتحول إلى حركة تاريخية نجحت، بعد أن ساهمت في النهوض بالدولة، في النهوض أيضاً بالإنسان والمجتمع والقدرة الحضارية لتركيا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











