
ترك برس
في نشره موقع «إندبندنت تركية»، يرى أوموت برهان شن، خبير مركز الأكاديمية العالمية، أن الأخبار القادمة من لندن في الآونة الأخيرة لا ينبغي قراءتها كمجرد «تحديث عسكري» اعتيادي أو بند روتيني في ميزانية وزارة الدفاع البريطانية. فإقدام المملكة المتحدة على تأسيس أسطول فضائي خاص بحجة حماية أقمارها الصناعية يمثل في حقيقته الدليل الأوضح والأكثر صراحة على أن صراع القوى الجيوسياسية والمنافسة الهيمنية واستراتيجيات الحرب الهجينة قد انتقلت رسمياً إلى البعد العمودي، أي إلى المدار الفضائي.
ويوضح الكاتب أن نظرة متأنية إلى العقائد العسكرية الحديثة تكشف أن كل شيء تقريباً بات مرتبطاً بالأقمار الصناعية: من توجيه الذخائر الدقيقة إلى آليات القيادة والسيطرة، ومن الاتصالات العالمية إلى شبكات الإنذار المبكر الاستراتيجي. فقلب الجيوش البرية الضخمة والأساطيل التقليدية وعقلها ينبضان في الواقع على ارتفاع آلاف الكيلومترات فوق سطح الأرض، داخل تلك الصناديق المعدنية الحساسة في الفضاء. ومن ثم فإن انتقال مركز التنافس العالمي إلى المدار ليس صدفة، بل نتيجة جيوسياسية حتمية.
وفي هذا السياق يدخل الصراع المستتر لكنه الشديد بين الشرق والغرب. فقد قطعت الصين خطوات كبيرة في تقنيات مضادة للأقمار الصناعية القائمة على الفضاء، بما في ذلك أنظمة قادرة على تدمير الأهداف مباشرة في المدار أو تعمية عيون الأقمار. أما روسيا فتواصل تحركاتها العدوانية في مجال التشويش على الإشارات والحرب الإلكترونية وأسلحة الطاقة الموجهة. وقد دقت هذه التطورات جرس إنذار قوياً في المعسكر الغربي. وتعرف لندن جيداً أن القوة التي لا تستطيع السيطرة على الفضاء أو حماية وجودها فيه لن تتمكن من تنفيذ استراتيجية مستدامة على سطح الأرض.
لذلك فإن خطوة الأسطول الجديد التي أقامتها المملكة المتحدة، رغم تقديمها على الورق كـ«وحدة دفاعية» بسيطة، تستند في الخلفية إلى عقيدة ردع براغماتية وعدوانية. فالعقل الأمني الأنجلوسكسوني، على غرار ما فعله في هياكل استخباراتية وأمنية عميقة مثل تحالف أوكوس وتحالف العيون الخمس، يسعى إلى سد النقاط العمياء في الفضاء وضمان استمرارية إسقاط القوة العالمية دون انقطاع.
ويخلص الكاتب إلى أن هذا التطور يحمل دلالات واضحة للمستقبل القريب. فخطوط الصدع على الأرض وفي الجيوسياسية لن تُرسم بعد الآن عند الحدود أو في مناطق الصلاحيات البحرية أو عند المضائق فحسب. بل سندخل مرحلة تُناقش فيها قانون الفضاء وقواعد الاشتباك العسكري وصراعات السيادة التكنولوجية، وحتى الأزمات القائمة على الفضاء، بحدة أكبر بكثير. ومستقبل صراعات النفوذ في العالم سيتشكل مباشرة بقوة هذه التوازنات الاستراتيجية الجديدة التي ستُبنى ما وراء السماء، وبقوة الإرادة العملياتية التي ستحمي تلك التوازنات.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











