
أمينة قاشلي - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس
عزيزي الطفل،
أكتب إليك هذه الرسالة بصفتي طفلًا سابقًا عاش الحرب في طفولته، وكبر في قلبها. أما اليوم، فقد أصبحت بالغًا.
لن أكذب عليك وأقول إنني تجاوزت آثار الحرب تمامًا. بعض الجراح تلتئم، وبعضها يصغر بمرور الوقت، فيما لا يختفي بعضها الآخر، بل يجد لنفسه زاوية هادئة في أعماق الإنسان ويقيم فيها.
لكنني أريدك أن تعرف شيئًا واحدًا: تلك المخاوف التي تبدو لك اليوم وكأنها لن تنتهي، ستخف يومًا ما. وربما يبدو لك هذا الآن مستحيلًا، لكنك ستضحك من جديد، وتحلم من جديد، وستكبر.
اليوم تخاف الأصوات المرتفعة. تنتفض مع كل ضجيج، وتنظر إلى السماء محاولًا أن تفهم ما الذي يحدث. وربما يكفي أن يُغلق باب بعنف حتى يتسارع نبض قلبك. صوت شاحنة قد يذكرك بالقصف، وعندما تمر مركبة ثقيلة في الطريق قد تلقي بنفسك أرضًا وتغطي رأسك بيديك.
لكن صدقني، ستتجاوز بعض ذلك مع الوقت.
سيأتي يوم تمر فيه شاحنة، فلا تفعل أكثر من أن تدير رأسك نحوها. سيُغلق باب، ولن يخفق قلبك كما كان يفعل من قبل. ولن تظن أن كل صوت يأتي من السماء نذير موت.
في البداية ربما لن تلاحظ هذا التغير. ثم يأتي يوم تسمع فيه صوتًا كان كفيلًا في الماضي بأن يلقي بك أرضًا من شدة الخوف، فتكتشف أنك بقيت واقفًا.
في ذلك اليوم، ستشعر بالفخر بنفسك.
قد تعتاد الأصوات العالية، لكن من الممكن ألا تحب الألعاب النارية أبدًا. قد يفرح الناس من حولك بينما تضع يديك على أذنيك. وقد ينظر الآخرون بإعجاب إلى الأضواء في السماء، فيما تنتظر أنت فقط انتهاء أصوات الانفجارات.
ولا عيب في ذلك.
أنت لست جبانًا. كل ما في الأمر أن أذنيك وقلبك وجسدك يتذكرون أصواتًا لا يعرفها الآخرون.
سيقول لك بعض الناس أحيانًا: «لكن الحرب انتهت».
لن يعرفوا أن انتهاء الحرب على الخرائط وفي نشرات الأخبار ليس هو نفسه انتهاؤها داخل الإنسان.
ولست مضطرًا إلى أن تشرح لهم كل شيء. لا تُرهق نفسك في محاولة إثبات ما تشعر به لمن لا يستطيع فهمك. أحيانًا سيكون من الطبيعي أن تغطي أذنيك بصمت، أو تغادر المكان، أو ترغب في البقاء وحيدًا.
ومع الوقت، ستعرف ما الذي يؤلمك، وستتعلم كيف تحمي نفسك.
أما ألم فقدان أفراد عائلتك، فلن يزول تمامًا.
لن أكذب عليك في هذا أيضًا.
لا تصدق فورًا من يقول لك إن «الزمن يُنسي كل شيء». فالزمن لا يُنسي كل شيء، لكنه يُعلم الإنسان كيف يعيش إلى جوار ألمه.
ستستمر في الاشتياق إليهم.
ستصارع ذاكرتك كي لا تنسى وجوههم. ستغمض عينيك محاولًا أن تسمع أصواتهم من جديد. وستعيد في ذهنك، مرارًا وتكرارًا، أصغر اللحظات التي جمعتك بهم.
وقد تصبح جملة عادية قالها لك أحدهم يومًا أغلى ذكرى في العالم.
ستحاول أن تحتفظ في ذهنك بابتسامة، أو لمسة، أو طريقة جلوسهم إلى المائدة، أو نبرة صوتهم حين كانوا ينادونك.
وفي بعض الأيام، ستخاف لأنك تشعر أنك لم تعد قادرًا على تذكر ملامحهم كما كانت.
لا تغضب من نفسك.
أن تختفي بعض التفاصيل من ذاكرتك رغم أنك لا تريد نسيانها، لا يعني أنك أحببتهم أقل. فالذاكرة البشرية تخفي أحيانًا بعض الصور لتحمي الإنسان من شدة الألم.
وستبقيهم أحياء بما بقي في ذاكرتك من تفاصيل، وبالقصص التي ترويها عنهم، وبالدعاء الذي تهديه إليهم.
ستدعو الله أن تراهم في أحلامك.
وحين تستيقظ، ستتمنى لو ظللت تشعر بوجودهم إلى جانبك لبضع ثوانٍ إضافية.
أحيانًا ستفرح لأنك رأيتهم في المنام، وأحيانًا أخرى ستستيقظ فيهبط غيابهم من جديد على قلبك بكل ثقله.
وقد لا يصغر الحنين إليهم كلما كبرت. بل قد يكبر معك أحيانًا.
لكن ستعرف أنهم شهداء.
ولا تسمح لأحد بأن يتوقع منك أن يخف ألمك فور أن يقول لك ذلك.
معرفتك بأنهم شهداء لا تعني أنك لن تشتاق إليهم. ولن توقف دموعك.
لكن الاعتزاز بشهادتهم سيمنحك قوة تمكّنك من السير من دون أن تسحقك وطأة الألم الذي تحمله.
وربما يكون هذا الاعتزاز، في بعض الأيام، هو الشيء الوحيد الذي يبقيك واقفًا.
ستخوض صراعًا طويلًا مع نفسك، يا عزيزي الطفل.
ستقاوم كي لا تكره الذين فعلوا بك كل هذا.
وستأتي عليك لحظات تقول فيها لنفسك: «وماذا استفدت من كوني إنسانًا طيبًا؟ سأصبح قاسيًا مثلهم. سأملأ قلبي بالكراهية».
بعد كل الظلم الذي تعرضت له، ستتساءل عن جدوى الخير. ستغضب من صمت العالم، وستثور على أولئك الذين لم يحمُوك.
وفي تلك اللحظة تحديدًا ستلجأ إلى الله مرة أخرى.
لأن الكراهية تستنزفك أنت قبل أن تمس من أساء إليك.
لن تشفي جراحك، بل ستجعلها أعمق. وستصعب عليك تجاوز ما عشته، وستسرق منك ذهنك وقلبك وسنوات عمرك.
وسيأتي يوم تنظر فيه إلى الوراء، فتدرك أنك لا تريد أن تسمح لمن سرقوا طفولتك بأن يسرقوا منك سنوات رشدك أيضًا.
لهذا، لن تكره.
لكن لن تنسى.
وقد لا تسامح.
سيقول لك البعض: «انسَ وواصل حياتك».
لكن النسيان ليس هو التعافي.
يمكنك أن تتعافى وأنت تتذكر.
وألا تسامح لا يعني بالضرورة أن تقضي حياتك كلها أسير الغضب. بل قد يعني أن تسمي الشر باسمه، وألا تسمح لأحد بأن يطمس ما حدث أو يتعامل معه وكأنه لم يكن.
وتذكرك لما جرى سيكون أحد الأشياء التي تميزك عمن ظلمك.
لأنك تعرف معنى الألم، فلن تدير ظهرك لطفل يتألم.
ولأنك تعرف معنى أن يفقد الإنسان بيته، ستفهم من يُقتلعون من منازلهم.
ولأنك عرفت الجوع، لن تمر أمام إنسان جائع من دون أن تراه.
ولأنك اختبرت الخوف، فلن تعتبر إخافة الآخرين دليلًا على القوة.
وربما يكون هذا أعظم انتصاراتك:
ألا تصبح شبيهًا بمن ظلموك.
وسيعلّمك التذكر أيضًا ألا تتخلى عن وطنك.
لأنك لا تدافع عن مجرد قطعة أرض، بل تدافع عن بيتك، وحيك، وطريق مدرستك، ومائدة عائلتك، وقبور من أحببت.
فالوطن قد يكون أحيانًا بيتًا مهدّمًا لا تزال تحتفظ بمفتاحه.
وقد يكون لعبة ممزقة خبأتها بين أشيائك.
وحين تكبر، قد يقول لك بعضهم: «ابدأ حياة جديدة في مكان آخر وانسَ الماضي».
وربما تضطر بالفعل إلى العيش بعيدًا لفترة من الزمن.
لكن المكان الذي يُضطر الإنسان إلى العيش فيه ليس بالضرورة المكان الذي ينتمي إليه.
وأينما ذهبت، ستحمل غزة معك.
لا تنسَ.
فالشر الذي يُنسى يجد لنفسه طريقًا كي يتكرر.
واعلم أنه إذا نسيتم، فقد يأتي يوم يحاولون فيه أن يجعلوا أطفالكم يعيشون الألم نفسه.
لكن لا تسمح للذاكرة أيضًا بأن تبعدك عن الحياة.
احفظ ذاكرتك بالحياة، لا بالألم وحده.
احفظها بالقراءة، والرواية، والعمل، والإنتاج، وبتربية أبنائك على أن يكونوا أناسًا صالحين يعرفون وطنهم ويتمسكون به.
أنت ستكبر.
ستقف على قدميك.
وستعود إلى المدرسة.
وربما تصبح طبيبًا، أو معلمًا، أو مهندسًا، أو صحفيًا، أو فنانًا، أو مزارعًا.
وربما تكون الجمل الأولى التي تكتبها اليوم في دفتر عثرت عليه بين الأنقاض بداية كتاب ستكتبه في المستقبل.
ربما تتذكر الطبيب الذي عالج جراحك، فتقرر أن تعالج أطفالًا آخرين.
وربما تصبح معلمًا لأن مدرستك حُرمت منك، فتعمل من أجل ألا يُحرم طفل من حقه في المعرفة.
ستنجح.
وسينظر إليك الناس ويقولون كم أنت قوي.
لكن من يراك من الخارج لن يرى الجراح التي تحملها داخلك.
قد لا يدرك أنك كنت يومًا طفل حرب.
ولن يعرف أي صور تختبئ خلف ابتسامتك، ولماذا تستيقظ مذعورًا في بعض الليالي، أو لماذا يصيبك الصمت فجأة في بعض الأيام.
وأحيانًا ستخطئ بسبب تلك الجراح والآثار التي تركتها الحرب في داخلك.
قد تبالغ في رد فعلك تجاه بعض الأمور.
وقد تعيد إليك مظلمة صغيرة كل شعور العجز الذي عرفته في الماضي.
وقد لا يفهم الناس ذلك.
لن يدركوا أنك أحيانًا تتصرف بمشاعر طفل لا يزال يعيش في داخلك بسبب ما مررت به.
وقد يحاكمونك فقط على الخطأ الذي ارتكبته، وربما يسارعون إلى إصدار الأحكام عليك.
أما أنت، فتعلم أن تفهم نفسك.
لا تُرجع كل أخطائك إلى الحرب، لكن لا تنكر أيضًا ما تركته الحرب فيك.
ولا تخجل من طلب المساعدة عندما تحتاج إليها.
الكلام ليس ضعفًا.
والبكاء ليس ضعفًا.
والقوة لا تعني ألا تسقط أبدًا، بل أن تفهم لماذا سقطت، ثم تنهض مرة أخرى.
لا تتوقف.
ولا تستسلم.
ولا تتخلَّ عن نفسك بسبب أخطائك.
تعلم أن تعيش بنيتك التي يعلمها الله، وبضميرك الذي تعرفه أنت.
لكن لا تحبس مشاعرك في داخلك لأنك تظن أنك مضطر إلى أن تبدو قويًا طوال الوقت.
واصل القراءة.
واصل التعلم.
ولا تتوقف عن السؤال والتفكير والكلام.
سيطلب منك بعضهم أن تصمت.
وسيقول بعضهم إن الحديث عن الماضي لم يعد له جدوى.
لكن أنت، احكِ الحقيقة.
احكها من دون صراخ، ومن دون كذب، ومن دون أن تظلم أحدًا.
فالحقيقة تعيش بأقوى صورها على ألسنة أولئك الذين يحملونها بهدوء، لكن بثبات.
[صورة]
وسيأتي يوم لا تبني فيه حياتك وحدها، بل تصبح دليلًا للأطفال الذين يأتون من بعدك.
ستشرح لهم معنى الوطن، ولماذا يتمسك الإنسان بأرضه، ولماذا لا يجوز له أن يصمت أمام الظلم.
لكن الأهم من ذلك كله أنك ستعلمهم أن الإنسان، لمجرد أنه تألم، لا يكتسب الحق في إيلام الآخرين.
لن يكون نجاحك مقتصرًا على الدراسة والحصول على مهنة جيدة.
أعظم نجاح لك سيكون أن تظل إنسانًا طيبًا رغم كل الشر الذي عشته.
أن تكون قويًا من دون أن تفقد رحمتك، وحازمًا من دون أن تستسلم لغضبك، ومنفتحًا على المستقبل من دون أن تنكر ماضيك.
وسيأتي يوم تنظر فيه إلى المرآة، فلا ترى مجرد طفل نجا من الحرب.
سترى إنسانًا استطاع، رغم كل ما حدث، أن يحافظ على قلبه.
ولن يعود الألم هو الذي يحدد لك طريقك؛ بل ستكون أنت من يقرر إلى أين يحمل ذلك الألم.
ستحمل من فقدتهم في قلبك، ووطنك في ذاكرتك، وإيمانك أمامك ليهدي خطاك.
وستواصل السير.
مرفوع الرأس، نقي القلب، حيّ الذاكرة.
صدقني، سيمضي هذا كله.
وسيأتي يوم تحب فيه الحياة من جديد، وتستطيع فيه أن تثق بالناس مرة أخرى.
وأنت من سينتصر.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











