
ترك برس
يرى الكاتب والمحلل التركي ندرت أرسانل أن العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية تشهد توترات متزايدة، لا تقتصر على الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" أو المؤسسات الغربية، بل تمتد إلى العلاقات الثنائية بين واشنطن ولندن وبرلين وباريس. ويعتبر أن هذه التباينات تعكس تحولات أعمق في الموقف الأوروبي من السياسات الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط وأوكرانيا وإيران.
ويشير أرسانل، في مقال نشرته صحيفة "يني شفق"، إلى أن التوتر بين أوروبا والولايات المتحدة بدأ يتضح بصورة أكبر منذ الحرب في أوكرانيا، ثم بلغ ذروته مع الحرب الإسرائيلية على إيران، لافتا إلى أن بعض الدول الأوروبية لم تستجب لدعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دعم الحرب ضد طهران. ويرى أن الخلافات بين واشنطن والعواصم الأوروبية بشأن أوكرانيا كانت واضحة أيضا، مع استمرار ما يصفه بـ"العداء البريطاني" تجاه روسيا.
ويعتقد الكاتب أن الموقف الأوروبي من إسرائيل شهد بدوره تغيرا ملحوظا، خصوصا مع استمرار الحرب في قطاع غزة. ويستدل على ذلك بإدانة 12 دولة أوروبية التحركات الإسرائيلية الجديدة المتعلقة بالمستوطنات والتوسع، وفرض لندن عقوبات، إلى جانب دعم تسع دول شرق أوسطية، من بينها تركيا، لهذه الخطوة بصورة مشتركة. ويرى أرسانل أن هذه التطورات تشير إلى تشكل ضغط دبلوماسي متزايد على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرا أن هذا الضغط قد يتحول إلى "خنق دبلوماسي" لحكومته.
ويربط الكاتب هذه التطورات بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة في إسرائيل والولايات المتحدة، معتبرا أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقررة في نهاية الشهر والانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر ستكون ذات تأثير كبير على مسار المرحلة المقبلة.
وفي سياق حديثه عن العلاقة بين إسرائيل والدول الغربية، يتوقف أرسانل عند سلسلة أعطال شهدتها مطارات بريطانية في اليوم الذي أعلنت فيه لندن عقوباتها على إسرائيل، والتي أدت، بحسبه، إلى إلغاء نحو 1500 رحلة وتكبد خسائر اقتصادية كبيرة. ويشير إلى أن هذه التطورات أثارت تكهنات بشأن احتمال تعرض بريطانيا لهجوم انتقامي إسرائيلي، مستحضرا في هذا السياق ما يصفه بسجل إسرائيل في الهجمات السيبرانية واستهداف البنى التحتية والأنظمة التقنية في دول أخرى.
ويحذر الكاتب كذلك من مخاطر اعتماد دول المنطقة على تقنيات أو أنظمة إسرائيلية، مشيرا إلى الجدل الذي أثير في اليونان حول مشروع "درع أخيل" بعد الكشف عن احتمال وجود شفراته البرمجية لدى إسرائيل. ومن هذا المنطلق، يدعو إلى مراجعة الأنظمة والبرمجيات المستخدمة في تركيا، وإزالة أي مكونات إسرائيلية محتملة منها، كما يحث على التدقيق في الأنظمة التي تستخدمها الدول المتعاونة مع تركيا خشية وجود مساهمات تقنية إسرائيلية فيها.
وفي ما يتعلق بنتنياهو، يذهب أرسانل إلى أن المشكلة، من وجهة نظره، لا تختصر في شخص رئيس الوزراء الإسرائيلي، رغم اعتباره مسؤولا عن جرائم خطيرة وضرورة محاسبته. ويرى أن السياسات الإسرائيلية الأساسية تجاه المنطقة لن تشهد بالضرورة تغييرا جذريا بمجرد رحيله، لأن المشكلة، بحسب تحليله، ترتبط بالسياسة الإسرائيلية وبالدعم الأمريكي لها أكثر مما ترتبط بشخص نتنياهو وحده.
ويحذر الكاتب من الانجرار وراء احتمال ظهور حكومة إسرائيلية توصف بأنها "معتدلة" بعد نتنياهو، معتبرا أن أي تغير محتمل في اللهجة الإسرائيلية قد يكون هدفه إعادة مواءمة إسرائيل مع الخطط الأمريكية والبريطانية في المنطقة، وليس إحداث تحول جذري في طبيعة السياسة الإسرائيلية.
أما الولايات المتحدة، فيرى أرسانل أن الانتخابات الأمريكية المقبلة ستكون ذات أهمية استثنائية بالنسبة إلى تركيا والشرق الأوسط. ويعتقد أن سياسات ترامب فتحت، خلال السنوات الأخيرة، مساحات أمام التحركات والأهداف التركية، وأن أنقرة تمكنت من الاستفادة منها. لكنه في الوقت نفسه يرى أن استمرار الحضور والنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بالصورة التي اعتادت عليها المنطقة خلال العقود الماضية أصبح موضع شك.
ويؤكد الكاتب أن تراجع الدور الأمريكي في المنطقة لا يعود، في تقديره، إلى قرار أمريكي بالتخلي عن الشرق الأوسط، وإنما إلى تراجع القدرة على مواصلة النهج السابق. ويعتبر أن الحرب مع إيران كشفت، على نحو حاسم، حدود القوة الأمريكية، بينما تواصل طهران، بحسب تعبيره، رفع سقف المواجهة.
ويرى أرسانل أن هذه التحولات تفرض على تركيا إعادة النظر في بعض التصورات التي ترسخت خلال القرن الماضي بشأن الدور الأمريكي. ويعتبر أن طريقة تعامل أنقرة مع التطورات الإقليمية، إلى جانب الأدوات الدبلوماسية والعسكرية التي تستخدمها وتعمل على تطويرها، تعكس إدراكا متزايدا لهذا التحول في موازين القوى.
ويولي الكاتب أهمية خاصة لما بعد الانتخابات الأمريكية، متسائلا عمن سيكون الرئيس الأمريكي الذي سيصل إلى البيت الأبيض في عام 2028، وكيف ستتغير سياسات واشنطن تجاه الشرق الأوسط وحوض بحر قزوين وغرب آسيا. ويكرر أرسانل فكرته الأساسية بأن "المسألة ليست ترامب، بل رئيس الولايات المتحدة في 2028"، معتبرا أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارا لقدرة الولايات المتحدة على إعادة بناء نفوذها وتجديد أدواتها السياسية والاستراتيجية.
وبحسب رؤيته، فإن المؤشرات الحالية لا تبدو مشجعة بالنسبة إلى قدرة واشنطن على تنفيذ عملية إعادة تموضع ناجحة، فيما لن يمتلك الرئيس الأمريكي المقبل، وفق تقديره، سوى فترة قصيرة نسبيا لإعادة ترتيب الوضع قبل حلول عام 2030. ويشير إلى أن اسم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس يبرز حاليا بين المرشحين المحتملين، لكنه يربط مستقبل السياسة الأمريكية في المنطقة بقدرة واشنطن أولا على معالجة مشكلاتها الداخلية وإعادة بناء قوتها.
وفي ختام مقاله، يرى أرسانل أن عددا قليلا من دول المنطقة وحلفاء الولايات المتحدة يمتلكون القدرة والإدراك اللازمين للاستعداد لهذه المرحلة الانتقالية. ويضع تركيا في مقدمة الدول التي يعتقد أنها تمتلك هذه القدرات، مؤكدا أن أنقرة، من وجهة نظره، استوعبت التحولات الجارية بسرعة، لكنه يشدد في الوقت ذاته على حاجتها إلى استكمال ما يسميه "تصفية الشوائب الداخلية والخارجية"، وإعادة تصنيف الاتجاهات والقوى العالمية بصورة أكثر دقة، استعدادا لمرحلة يرى أنها قد تشهد تغيرا كبيرا في موقع الولايات المتحدة ودورها في الشرق الأوسط.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











