
ترك برس
في الأيام الأخيرة، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن موافقة مبدئية على بيع محتمل لنحو 48 طائرة مقاتلة من طراز إف-35 إلى المملكة العربية السعودية، بقيمة تصل إلى 24.3 مليار دولار، في إطار إخطار رسمي أُرسل إلى الكونغرس.
هذا الإعلان أثار نقاشاً واسعاً حول التوازن العسكري في المنطقة والتكنولوجيا الحساسة، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً أوسع لفهم الضغوط الحقيقية التي تتعرض لها الرياض حالياً.
يرى الكاتب التركي مليح ألتينوك في تحليل نشرته صحيفة صباح أن التركيز على الطائرات يخفي الصورة الأكبر: المملكة محاصرة من جهات عدة، ومصدر قوتها النفطي يواجه اختناقاً في طرق التصدير، والسؤال الجوهري هو: من المستفيد الأكبر من هذا التضييق؟
يبدأ ألتينوك بالتأكيد على أن الصفقة لم تُغلق بعد. فالحزمة البالغة 24 مليار دولار لا تزال قيد المراجعة في الكونغرس، والديمقراطيون يحذرون من أن التكنولوجيا المتقدمة قد تصل إلى الصين عبر شراكات الرياض مع بكين. كما أن التسليم، إن تم، قد يستغرق خمس سنوات أو أكثر. الجميع ينظر إلى السماء، بينما مشكلة الرياض ليست في الأجواء.
فالمملكة، مثل كثير من الدول، تُروض عبر النفط. وهي محاصرة من الشمال بظلال الحرب، ومن الجنوب باليمن، ومن الشرق بمضيق هرمز… ولم يبقَ سوى الغرب. لذلك نقلت الرياض صادراتها النفطية إلى ينبع على البحر الأحمر، محاولة التنفس من باب آخر عندما ضاق الباب الأول. لكن الحوثيين جلسوا مباشرة على هذا النفس: سقطت المخا، واحتُلت جزيرة بريم (ميون)، وتغيرت السيطرة على عتبة باب المندب.
أُطلقت النيران على السفن، وهبطت المسيرات على المنشآت، ودارت أحاديث عن إسقاط مقاتلة إف-15، وأُطلقت إنذارات قرب مكة. حتى الطريق البديل أصبح محفوفاً بالمخاطر. النفط يبقى في الآبار، وطرق البيع تُقطع، وهامش المناورة يضيق.
يطرح الكاتب سؤالاً واضحاً: لمن يخدم هذا الحصار؟ ويجيب بأنه يخدم إسرائيل أكثر من غيرها. فالخريطة الناشئة تطابق ما تريده تل أبيب. كانت السعودية لسنوات طويلة الكيس المالي، والأرض المقدسة، والبوابة المركزية إلى واشنطن. أما الآن فيتراجع هذا الثقل بين المضيقينين. إسرائيل لا تزال الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك طائرات إف-35.
ويقول ألتينوك إنه يصعب الادعاء بأن الأمر خالٍ من البصمات. الحوثيون وما شابههم مجرد رواية؛ من يحمل البندقية في الميدان شيء، ومن يستفيد من المشهد شيء آخر. لم تكن تل أبيب تريد خليجاً تتنفس فيه الرياض بحرية. كما أن حصر طموحات إيران في إسرائيل فقط يُنقص الصورة. فقلق طهران الأساسي في معظم المشاهد ليس تل أبيب، بل إرهاق منافسيها السنة، وفي مقدمتهم السعودية. إطلاق الصواريخ على إسرائيل يحدث ضجيجاً، أما قطع طريق النفط السعودي فيهز النظام.
عندما يُضغط على هرمز تُضاء أول لمبة في الرياض، وعندما يُسيطر على باب المندب تأتي الضربة الثانية إليها أيضاً. الكماشة تصيب الجزيرة العربية أكثر مما تصيب إسرائيل. وإذا تعب قاطرة المعسكر السني، يتسع مجال إيران، بينما تراقب إسرائيل الوجه الذي لا يضرها من هذا التعب.
يضيف التحليل بعداً دبلوماسياً للحصار. فالرياض من جهة تبني خط دفاع مع تركيا وباكستان في مكة، ومن جهة أخرى تُسحب نحو مسار اتفاقيات إبراهيم. الطائرة ووعود الأمن جزء من هذا الجذب. لأن الدولة المضغوطة تجلس إلى الطاولة بسرعة أكبر.
عندما تضيق طريق النفط، تُقدم التطبيع فجأة كـ«حزمة استقرار». مكة خط هروب، ومسار إبراهيم ضغط لتقريب الرياض من الصورة نفسها مع إسرائيل. وإذا نوقش الأمران معاً فليس ذلك مصادفة. أما أميركا فلم تدخل المسرح مباشرة؛ طلب الدعم الجوي لم يجد استجابة كافية لدى ترامب.
الطائرة تمنح المملكة المعنوية، وتمنح إسرائيل انطباعاً بأن تفوقها يبقى بعيد المنال على المدى الطويل. ليس من الضروري البحث عن بصمة في مقر واحد؛ يكفي رؤية المشهد الناتج.
تعزز المصادر الحديثة والموثوقة ملامح هذا التحليل. فقد أبلغت وزارة الخارجية الأميركية الكونغرس في 17 أيلول/سبتمبر 2026 بصفقة محتملة لـ48 طائرة إف-35 بقيمة 24.3 مليار دولار، وهي قيد المراجعة لمدة 30 يوماً، وسط تحذيرات من ديمقراطيين ومسؤولين دفاعيين من خطر تسرب التكنولوجيا إلى الصين عبر علاقات الرياض مع بكين. وتبقى إسرائيل المشغل الوحيد لهذه الطائرات في الشرق الأوسط حتى الآن، وقد سعت سابقاً إلى ربط أي صفقة بتقدم في التطبيع.
أما على الأرض، فقد سيطر الحوثيون في الأيام الأخيرة على ميناء المخا وجزيرة بريم وجزر هانيش، مما عزز قبضتهم على الساحل اليمني للبحر الأحمر ومداخل باب المندب. وأُغلق خط الأنابيب شرق-غرب (بترولين) مؤقتاً بعد هجمات، بعد أن أصبح يعتمد عليه الرياض لنقل نحو 4-5 ملايين برميل يومياً إلى ينبع بديلاً عن مضيق هرمز المقيد منذ اندلاع الحرب مع إيران في شباط/فبراير 2026. وانخفضت شحنات النفط السعودي عبر باب المندب إلى نحو النصف في بعض الفترات، مع استمرار الهجمات على السفن والمنشآت.
في السياق الدبلوماسي، تظل محاولات ربط صفقات أمنية أو نووية أو تسليحية بتقدم سعودي نحو اتفاقيات إبراهيم قائمة، رغم اشتراط الرياض مساراً واضحاً نحو حل الدولتين. ويؤكد هذا التداخل أن الضغط على طرق النفط والمناورة السياسية يسيران جنباً إلى جنب، تماماً كما رسمه التحليل.
وهكذا، بعيداً عن أضواء الطائرات المقاتلة، تبدو المملكة أمام معادلة أضيق: نفط محاصر، منافسون يستفيدون من الإرهاق، ومسارات دبلوماسية متقاطعة تجعل أي صفقة أمنية أكثر من مجرد صفقة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











