
ترك برس
منذ أقدم العصور، اتخذت الحضارات من الفسيفساء وسيلة زخرفية راقية تزين بها المنازل والمباني العامة وأماكن العبادة. وفي كل زاوية من جغرافيا الأناضول، نجد أمثلة متنوعة وغنية لهذا الفن الذي لم يكن مجرد زينة، بل كان أيضاً وسيلة تواصل قوية ورمزاً للمكانة والهيبة.
تعكس الفسيفساء روح عصرها على الحجر، وتُعد من أقوى تعبيرات الإنسان عن سعيه إلى الجمال الدائم. تحولت الأرضيات والجدران بفضلها إلى أعمال فنية أشبه بالسجاد أو اللوحات، وفيما يلي نستعرض عدداً من أبرز الأمثلة المكتشفة في هذه الأرض العريقة.
من بين أندر الأعمال نجد فسيفساء «الأمازونيات الصائدات» المعروضة في متحف هلبلي بهجة للفسيفساء في شانلي أورفا. تعود هذه القطعة إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين، وتزين أرضية الغرفة الرئيسية لما يُعرف بـ«فيلا الأمازونيات». إنها المثال الوحيد في العالم الذي يصور مشاهد صيد المحاربات الأسطوريات.
في اللوحة المركزية تظهر الأمازونيات يطاردن أسداً ونمراً وذئباً، وقد كُتبت أسماؤهن باليونانية إلى جانبهن: ميلانيبي وبنتسيليا راكبتين في المقدمة، وهيبوليت وثيرمودوسا راجلتين في الخلفية، بينما يتوسط المشهد أسد جريح يسيل الدم من رقبته إلى رأسه. وتحيط باللوحة حدود واسعة من أوراق الأقنثا المتماوجة ومشاهد صيد لإيروس، مع قناع نسائي يرمز إلى الخصوبة في الزاوية. وتُعرض هذه الفسيفساء في مكانها الأصلي داخل المتحف.
وفي مدينة زيوغما القديمة، التي أصبحت رمزاً لغازي عنتاب، تبرز فسيفساء «الفتاة الغجرية» من القرن الثاني الميلادي. هذه القطعة الصغيرة المتبقية من أرضية كبيرة تلفت الأنظار بنظرتها الغامضة والمؤثرة. يُرجح أن المرأة المصورة هي إحدى المينادات (أتباع ديونيسوس)، وإن كان البعض يراها تجسيداً لجايا أم الآلهة، بينما تذكر تسريحة شعرها وأقراطها بصورة فتاة غجرية. استخدم الفنان تقنية «النظرة الثلاثة أرباع» ليجعل عينيها تتبعان الزائر أينما وقف، فغدت رمزاً لزيوغما وغازي عنتاب على حد سواء.
أما في متحف هاتاي للآثار، فتلفت فسيفساء الهيكل العظمي الانتباه بموضوعها الفلسفي. تعود إلى القرن الثالث الميلادي، وهي إحدى ثلاث لوحات مترابطة من أرضية واحدة. يظهر الهيكل العظمي مستلقياً بارتياح، متكئاً بمرفقه على وسادة وممسكاً بكأس، وإلى جانبه رغيفان من الخبز وأمفورة ذات مقبضين، وفوقه عبارة يونانية تعني «افرح، انضم إلى الحياة». يذكر هذا المشهد الضيوف بقصر الحياة وضرورة الاستمتاع بلحظاتها.
وفي قهرمان مرعش، يفتح موقع جيرمانيسيا الموزاييكي أبوابه كمتحف مفتوح. تعود فسيفسائيته إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، ويُعتقد أنها كانت أرضيات فيلات مبنية على المنحدرات في المدينة القديمة. تتميز هذه الأعمال بتصويرها للحياة اليومية أكثر من الأساطير، فتعكس المشاهد الاجتماعية والنباتات والحيوانات البرية والداجنة والعمارة والأساطير المحلية، وتكشف في الوقت نفسه عن الوضع السياسي والثقافي والاقتصادي للمدينة. وتنفرد بثراء موضوعاتها وأيقوناتها وحرفيتها الدقيقة.
ومن الأعمال الفريدة أيضاً فسيفساء «الهيبوكامبوس وإيروس» في متحف أضنة. تعود إلى النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، ويُعتقد أنها كانت أرضية فيلا. تصور إيروس (آلهة الحب) في أعمار وأحجام مختلفة يجلسون على مخلوقات بحرية نصف حصان ونصف سمكة ويصطادون الأسماك بالصنارة. هذا المشهد هو الوحيد من نوعه في العالم، ويتميز بتركيبته وتقنيته الرفيعة، ويُعد واحداً من ستة عشر فسيفساء مهمة في المتحف.
وفي آيا صوفيا بإسطنبول، تبرز فسيفساء «التقدمة» من بين أقدم الأعمال التصويرية في المبنى. في الفراغ المقوس فوق باب الدهليز تظهر السيدة مريم جالسة على العرش تحمل الطفل يسوع، وإلى يسارها الإمبراطور قسطنطين يقدم مدينة القسطنطينية، وإلى يمينها الإمبراطور جستنيان يقدم كنيسة آيا صوفيا، وكلاهما محاط بهالة. غُطيت فسيفساء آيا صوفيا في القرن الثامن عشر بالجص والطلاء، مما ساهم في حفظها جيداً حتى يومنا هذا.
أما في متحف نارلي كويو للفسيفساء في مرسين، فتزين فسيفساء «الجميلات الثلاث» أرضية قسم الاستحمام في حمام روماني من القرن الرابع الميلادي. نقش في أعلاها اسم الوالي البيزنطي بويمينيوس الذي أمر ببناء الحمام. صُنعت من حجارة سوداء وبيضاء وصفراء، وتصور أغلابيا وثاليا وأوفروزيني، بنات زيوس من الإلهة يورينومي، والمعروفات بـ«الكاريتس» أي الجميلات اللواتي يرمزن إلى البهاء والجمال والإلهام. بُني المتحف فوق مكان اكتشاف الفسيفساء نفسها.
وأخيراً، في موقع إفسس الأثري بإزمير، تكشف منازل المنحدر (ياماتش إفلر) عن حياة الأرستقراطية الرومانية. بُنيت هذه المنازل السبعة منذ القرن الأول الميلادي على سفوح جبل بلبل، وزُينت أرضياتها بالفسيفساء والرخام وجدرانها بالFresques. تجمع الفسيفساء بين الأنماط الهندسية بالأبيض والأسود ومشاهد أسطورية، وتُعرض في مكانها الأصلي لتعكس ثراء سكانها على مدى قرون.
هكذا تروي الفسيفساء الأناضولية قصة حضارات متعاقبة، وتحول الحجر إلى لغة بصرية خالدة تحمل الجمال والمعنى عبر الزمن.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










