ترك برس

في أحضان الجبال الشامخة والوديان العميقة شرقي تركيا، تبرز مدينة بينغول كوجهة سياحية فريدة تجمع بين عجائب الطبيعة الخلابة وكنوز التاريخ العريق. فهي ليست مجرد مدينة عادية، بل لوحة حية تتمايل فيها الجزر العائمة فوق مياه بحيرة فوهة بركانية، وتنتصب فيها المداخن الجنية كتماثيل نحتتها الرياح والسيول عبر القرون، وتهمس فيها القلاع والكنائس والمساجد بقصص الحضارات المتعاقبة من الأورارتيين إلى العثمانيين. 

تبدأ الرحلة في بينغول مع إحدى أندر الظواهر الطبيعية في تركيا: الجزر العائمة. تقع هذه الظاهرة الساحرة على بحيرة فوهة بركانية طبيعية تماماً، محاطة بالجبال من ثلاث جهات، وتبعد نحو 4.5 كيلومتر فقط عن طريق بينغول-صولحان. 

يتجاوز عمق البحيرة الخمسين متراً، وتتجدد مياهها باستمرار بفضل تدفق المياه العذبة الصافية والحلوة. أما السمة الأبرز فهي الجزر الثلاث التي تتحرك داخل البحيرة بحرية واستقلال، وكأنها أطواف عائمة. وتزين هذه الجزر أشجار الدردار القصيرة، مما يضفي على المشهد جمالاً بصرياً أخاذاً يخطف الأنفاس ويجعل الزائر يشعر وكأنه في عالم آخر.

ولا يقل سحر المداخن الجنية في بوبان عن ذلك. ففي قرية أوغولدره التابعة لبلدة سانجاك، على بعد خمسين كيلومتراً من مركز المدينة، نحتت مياه السيول الهابطة من سفوح الوديان والرياح عبر سنين طويلة الصخور التوفية لتشكل أشكالاً صخرية مدببة ومثيرة تشبه مداخن الجنيات الشهيرة في كابادوكيا. هذه التكوينات الطبيعية الغامضة، التي يُعتقد أن تاريخها يعود إلى عصور سحيقة، تنتظر من يكتشفها من السياح المحليين والأجانب، وتؤكد تنوع الجمال الطبيعي الذي تزخر به بينغول.

أما لمن يبحث عن الاستشفاء والاسترخاء، فالحمامات الحرارية في منطقة كيغي أدقلى على بعد عشرين كيلومتراً من طريق بينغول-كارليوفا توفر ملاذاً مثالياً على مدار العام. تضم المنشأة موتيل وفندق وبانسيون وثلاثة أحواض سباحة اثنان منها مغطى، بالإضافة إلى مطعم وحديقة شاي وموقف للسيارات. 

وقد أثبتت التحاليل التي أجريت على مياهها عام 1981 أنها تنتمي إلى مجموعة المياه البيكربوناتية الغنية بثاني أكسيد الكربون والغازات الكربونية، وتشتهر بقدرتها على علاج العديد من الأمراض، مما يجعلها مقصداً مهماً لزوار المحافظات المجاورة.

وتنتقل بينغول بسلاسة من عجائب الطبيعة إلى روائع التاريخ. فعلى ضفاف نهر مراد، ترتفع غرف الملاجئ الصخرية في زاغ فوق صخرة شاهقة. يُعتقد أن أصلها أورارتي، ثم استخدمتها حضارات البيزنطيين والجنويين والفرس. 

يصل الزائر إليها عبر درجات وطريق ضيق منحوت في الصخر، ليكتشف عدة طوابق تضم عشرات الغرف بأحجام مختلفة. بعض الغرف كانت مخازن للغلال، وأخرى للسكن، وفي الطوابق العليا غرف خاصة. ورغم الأضرار التي لحقت بها عبر الزمن، لا يزال بالإمكان زيارة نحو ثلاثين غرفة أو أكثر من سبعة عشر غرفة حافظت على بنيتها.

وتزين المدينة أيضاً قلاعها التاريخية. ففي شرق قضاء غنج بنحو كيلومترين أو ثلاثة، تقف قلعة ابنة الملك على تل مرتفع، وتعرف أيضاً باسم «دارة هيني» أي نبع دارة. تروي الأساطير أنها بُنيت في القرن السابع قبل الميلاد على يد الملك الفارسي دارة لابنته، أو أنها شُيدت لاحقاً على يد أوزون حسن الآق قويونلوي لزوجته دسبينا (ثيودورا) ابنة إمبراطور طرابزون الرومي. ومن هذه القلعة استمد قضاء غنج اسمه. 

أما قلعة كيغي، المعروفة أيضاً بقلعة الشهداء أو غورغتش، فيُرجح أنها من العصر الأورارتي وتحمل ملامح بيزنطية وعثمانية. تطل على منحدرات شديدة الانحدار من الشمال والغرب، ويُصعد إليها من الجنوب لتمنح زوارها إطلالة خلابة.

ولا تكتمل الصورة دون المعالم الدينية التي تشهد على تعاقب الحضارات. ففي مركز المدينة يقع مسجد إصفهان بك، الذي بناه إصفهان بك في أوائل القرن السادس عشر بأسلوب العمارة الآق قويونلوية من الحجارة المنحوتة، ويُعد المبنى التاريخي الوحيد المتبقي في وسط المدينة رغم الزلازل التي ضربتها. 

وفي قضاء كيغي ينتصب مسجد بالابان بك، أقدم مساجد بينغول الباقية، ويعود إلى أوائل القرن الخامس عشر في عهد الآق قويونلو، ويضم مقبرة تاريخية وضريح مؤسسه بير علي بك داخله. أما مسجد قرية باغلا بينهما فيعود إلى العهد العثماني (عام 1809م)، ويتميز بنقوش هندسية ومنبر ومحراب من الحجارة المنحوتة وتيجان أعمدة مزخرفة بزخارف نباتية، وتحيط به مقبرة تاريخية ونوافير وبرك.

ومن الكنوز المسيحية كنيسة فانك الواقعة على تل مرتفع في مزرعة فانك، ويُقدر عمرها بثلاثمئة عام على الأقل. تتميز بواجهتها الغربية المغطاة بالحجارة المنحوتة المنتظمة، وبصلبان متعددة الأشكال والأحجام محفورة على حجارة الباب والقوس المزخرف. سقفها مسطح مغطى بالتراب، وزُود بميزابين على شكل فم أسد لتصريف المياه، مما يمنحها طابعاً معمارياً محلياً مميزاً. 

وفي قرية إسكي كاواق يقع دير مريم العذراء المطل على النهر أو مريم العذراء في الأعالي، ويعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر. بُني على أرض منحدرة تمنحه إطلالة جميلة، ويزخر بنماذج رائعة من نحت الحجارة ذات الزخارف الصليبية.

هكذا تتجلى بينغول كملتقى ساحر بين الطبيعة البكر والتاريخ العميق. فمن الجزر التي ترقص فوق المياه إلى المداخن التي نحتها الزمن، ومن القلاع التي حمت الحضارات إلى المساجد والكنائس التي حفظت الإيمان، تقدم المدينة لزوارها تجربة لا تُنسى تدعوهم لاستكشاف كنوزها الخفية والاستمتاع بجمالها الذي ينتظر من يكتشفه.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!