
ترك برس
في رحلته بين سمرقند وبخارى في أوزبكستان، لا يصادف الإنسان المباني الفخمة والمدارس والمقابر فحسب، بل يواجه أيضاً أسماء أعادت تشكيل تاريخ الفكر الإنساني، وأسئلة حول كيفية رواية تاريخ العالم. يتوقف الكاتب التركي ياسين أقطاي عند هذه الجغرافيا التاريخية ليذكّر بأسماء مثل البخاري والماتريدي والخوارزمي وابن سينا، ثم يركز بشكل خاص على البيروني، الذي يرى أن مقاربته لفهم المجتمعات البشرية تستحق مكاناً أوسع في تاريخ الفكر الاجتماعي.
ولد أبو الريحان البيروني عام 973 في كاث، عاصمة خوارزم آنذاك، في منطقة ترتبط تاريخياً بما يُعرف اليوم بأوزبكستان. ويؤكد أقطاي أننا لا نستطيع حصر خوارزم تلك الحقبة ضمن الحدود السياسية المعاصرة، لكن زيارة أوزبكستان تظل مناسبة مثالية لاستعادة عالم العلم الذي نشأ فيه. فالرجل الذي عرفناه رياضياً وفلكياً وجغرافياً، قدّم أيضاً منهجاً في فهم الجماعات البشرية ينبع من الفضول العلمي ذاته الذي قاده إلى دراسة الطبيعة.
يشير أقطاي إلى أن الحديث عن الجذور غير الغربية للفكر الاجتماعي اعتاد أن يتوقف عند ابن خلدون، بل إن بعضهم يختزله أحياناً إلى بضعة مفاهيم مألوفة ويعلنونه مؤسس علم الاجتماع. ومع أن ابن خلدون وحده كافٍ لتحدي الرواية الغربية المركزية، فإن توسيع النافذة قليلاً إلى الخلف بنحو ثلاثة قرون يكشف أن ابن خلدون لم يكن «النجم الوحيد في سمائه» كما وصفه جميل ميرتش، بل كان جزءاً من كوكبة نجوم أضاءت عصراً من التنوير. وفي سمرقند وبخارى وخيوة يمكن للمرء أن يلمس العالم الذي أضاءته تلك النجوم.
يؤكد الكاتب أن وصف البيروني أو ابن خلدون بـ«عالم اجتماع» أو «أنثروبولوجي» يُعد مفارقة تاريخية، لكنهما يذكراننا بأن التفكير في المجتمع وفي أنماط العيش المختلفة وفي العلاقة بين المعتقدات والنظام الاجتماعي كان قائماً قبل نشوء علم الاجتماع الحديث. ومن هنا يبرز كتاب البيروني الشهير «تحقيق ما للهند» ليس مجرد مصدر معلومات عن الهند، بل بحث يواجه صعوبات التعرف على عالم آخر. فقد تعلم البيروني اللغة السنسكريتية، وتحاور مع العلماء الهنود، وقرأ نصوصهم، ثم قارن الفكر الهندي بالفلسفة اليونانية وبآراء المتصوفة. وهكذا تحمل مسؤولية الاقتراب من كلمات الآخر دون أن يفرض عليها كلماته هو، وهي مسؤولية ما زلنا نواجه صعوبة في أدائها حتى اليوم.
ويرى أقطاي أن تعلم اللغة هنا ليس مهارة تواصل فحسب، بل هو الوقوف على عتبة عالم فكري آخر مع الاعتراف بحدود المعرفة الذاتية. فالمفهوم الذي لا نعرف ترجمته الدقيقة قد يحمل تصوراً كاملاً للحياة، والسلوك الذي يبدو غريباً من الخارج قد يكون جزءاً من نظام ذي معنى لدى صاحبه. ويتميز جهد البيروني بإرادة الامتناع عن إصدار الأحكام قبل فهم ذلك المعنى. وهو مسلم لا يتخلى عن عقيدته وهو يبحث في عقيدة أخرى، لكنه يحرص على عدم الخلط بين اعتقاده الشخصي ومسؤولية نقل معتقد الآخر بأمانة.
وعندما نستحضر سوسيولوجيا الفهم عند ماكس فيبر، يصبح موقف البيروني أكثر إثارة للانتباه. فقد نبه فيبر إلى ضرورة فهم نية الفاعل ومعناه الذاتي قبل تفسير الفعل بنظرياتنا أو قوالبنا المسبقة، وهو ما أسماه السوسيولوجيا الفهمانية (verstehende Soziologie). والسؤال الأساسي الذي طوره فيبر في «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» وفي «الاقتصاد والمجتمع» يبدو مألوفاً عند قراءة منهج البيروني. لذا يمكن اعتبار البيروني سلفًا مبكراً للمقاربة الفهمانية، لا من باب سلسلة تأثير مباشرة، بل من باب القرابة في السعي لفهم المجتمع.
ويشير أقطاي إلى أن ظهور هذا الموقف في سياق الفتوحات، وتحديداً في عهد محمود الغزنوي، يستحق التأمل. فالتفوق السياسي والعسكري لا يمنح تلقائياً معرفة بعالم الآخرين. وبين فتح أبواب بلد ودخول عالم أهله مسافة طويلة، وقد أدرك البيروني هذه المسافة حين بذل جهده في تعلم السنسكريتية، مؤكداً أن الباحث حتى في ظل شروط الغزو يجب أن يكون قادراً على أن يصبح تلميذاً لمن يدرسه.
ومن سمات عمل البيروني أيضاً غياب الحدود الصارمة التي نقيمها اليوم بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. فالحسابات الفلكية والمعرفة الجغرافية والتقويمية تتداخل مع المعتقدات والأعياد والعادات الاجتماعية. وهذا يذكرنا بأن طريقة حساب الناس للزمن لا تنفصل عن طريقة عيشهم له، وأن العقل الذي يقيس السماء يمكنه أيضاً أن يتوجه إلى عالم المعنى على الأرض.
كما ينتبه البيروني إلى وجود تعدد في طرق التفكير والاعتقاد داخل المجتمع الواحد، وأن شروح العلماء لا تتطابق دائماً مع ممارسات عامة الناس. وهذا الانتباه يحذر من اختزال دين أو ثقافة في نموذج واحد، ويشير إلى مستوى عالٍ من الوعي السوسيولوجي ضد الاختزال والتعميم والقوالب النمطية. فمقارنة البيروني بين الفكر اليوناني والهندي وبين تعبيرات المتصوفة تُظهر أن عوالم البشر ليست مغلقة تماماً على بعضها، وأن الأسئلة المعبر عنها بلغات مختلفة قد تحمل قرابات، دون الحاجة إلى محو الفروقات أو افتراض جوهر واحد ثابت خلفها.
وفي ختام تحليله، يربط أقطاي هذه الدروس بالحاضر. فنحن نتحدث عن آسيا الصاعدة من خلال أحجامها الاقتصادية وقوتها العسكرية وطرق تجارتها، لكننا نبذل جهداً أقل في التعرف على عوالم أهلها. لذا ينبغي أن تتجاوز زيارة أوزبكستان والتقاط الصور إلى استعادة الفكر الذي أنتج تلك المدارس والطريقة التي كان ينظر بها إلى الإنسان. ومن سمرقند إلى تاريخ الفكر الاجتماعي، آن الأوان لأن نفتح مساحة واسعة للبيروني إلى جانب ابن خلدون.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!









