طه كلينتش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

تجري العديد من رحلاتي إلى جغرافيا العالم الإسلامي على نحو «يلتحق بها كل من يسمع عنها». فبعد تحديد الموعد، يتولى الأصدقاء والمعارف نشر الخبر من شخص إلى آخر، ويبدأ كل واحد في الاستعداد وفق إمكاناته، وإذا بي أجد نفسي أمام قافلة كبيرة، وقد وجدت نفسي فيها راوياً يحكي لهم. وكانت رحلتنا إلى قبرص، التي قمنا بها هذا الأسبوع من الثلاثاء إلى الخميس، على هذا النحو أيضاً.

أوضحت لأصدقائنا المشاركين منذ البداية قائلاً: «سنتعقب قبرص المسلمة. فعندما يُذكر اسم قبرص اليوم، سنتجول في مساجدها وأضرحتها ومقاماتها وزواياها ومدافن شهدائها، بعيداً عن كل ما يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى. وسنتطلع إلى الجزيرة من نافذة مختلفة، بل حقيقية، من خلال تتبع الآثار العميقة التي خلّفتها القرون الإسلامية في قبرص. ومن الآن فصاعداً، عندما يُذكر اسم قبرص، ستكون قبرص المسلمة أول ما تتذكرونه».

الحمد لله، فعلنا ما تحدثنا عنه تماماً. فبعد هبوطنا في مطار إرجان بنيقوسيا، انتقلنا أولاً إلى فاماغوستا. تأملنا من الخارج مسجد لالا مصطفى باشا، الذي يخضع لأعمال الترميم، وانغمسنا في أزقة المدينة بين الآثار التي ورثتها عن عصور مختلفة. استذكرنا نامق كمال، وحيّينا يرميسكيز محمد جلبي، واستعدنا، من الأسواق إلى أسوار المدينة، المراحل التي انتقلت فيها قبرص جيئة وذهاباً بين ديانات ودول مختلفة على مدى القرون. وكانت فاماغوستا، بهذا المعنى، أشبه بمتحف في الهواء الطلق ومعرض للتاريخ.

خصصنا اليوم الثاني من رحلتنا للمناطق الغربية من الجزيرة. وكان قبر وكنيسة القديس برنابا، الشخصية الشهيرة من العصور الأولى للمسيحية، في طريقنا. ويُعد القديس برنابا شخصية مهمة أيضاً لأن إنجيل برنابا نُسب إليه، وهو الإنجيل الذي يرفض، خلافاً للأناجيل المتداولة، معتقدي التثليث (الأب والابن والروح القدس) والتجسد (اتخاذ الله هيئة كائن ما)، ويبشّر برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويرى قسم كبير من المؤرخين الإسلاميين أن برنابا، الذي ترد بشأنه روايات كثيرة متناقضة في الأدبيات المسيحية، كان في الحقيقة مسلماً قبل دعوة النبي عيسى عليه السلام بصورتها المحرّفة، بل كان مسلماً آمن بالتبليغ الإسلامي الذي جاء به عيسى عليه السلام في صورته غير المحرّفة ونقله إلى الآخرين.

استذكرنا القبارصة الأتراك المسلمين الذين قتلهم الإرهابيون القبارصة الروم، عند مدافن الشهداء في قرى أتلار وصندلار ومراد آغا. وأكدنا الحقيقة التي سنكررها باستمرار عند زيارة العديد من مدافن الشهداء الأخرى في الجزيرة، وهي: «لم يُقتل هؤلاء الناس لمجرد أنهم أتراك. فما جعلهم أعداء في نظر القبارصة الروم، كان الإسلام في الأساس، وما مثّله الإسلام والهوية التركية معاً من «خطر» محتمل. ففي نظر القبارصة الروم، لم يكن هناك أي فرق بين الإسلام والهوية التركية، بل كان الاثنان متداخلين أحدهما في الآخر».

وأثناء زيارتنا زاوية الشيخ ناظم القبرصي وضريحه في لفكة، ومن قلعة كيرينيا إلى أزقتها الجانبية، ومن ضريح الأربعين في نيقوسيا إلى المولوية، ومن مسجد السليمية إلى شواهد القبور العثمانية في مقبرة عرب أحمد باشا، كانت قبرص المسلمة حاضرة أمامنا في كل مكان. وعلى الرغم من محاولات أولئك الذين يسعون إلى توجيه هوية الجزيرة وذاتها ومسارها التاريخي نحو آفاق مغايرة تماماً، ظلت الآثار المرتبطة بالإسلام والمسلمين قائمة هناك كما هي. وكان النظر إلى قبرص من منظور الإسلام تجربة تعليمية، لكنها كانت مؤلمة من بعض النواحي، كما أنها نبهتنا إلى ضرورة بذل المزيد من الجهد والعمل.

قبل كل رحلة جماعية، نحرص على قراءة كتاب واحد على الأقل عن البلد المعني. وبالنسبة إلى قبرص، قرأنا نحن وفريقنا وتدارسنا كتاباً مهماً للغاية للراحل البروفيسور الدكتور حسين محمد آتشين، بعنوان «قضية الهوية الإسلامية في قبرص». وكان الأستاذ آتشين قد بذل جهوداً استثنائية من أجل بقاء قبرص مسلمة حتى وفاته عام 2007، وفي كتابه يكشف واحداً تلو الآخر أسماء الجهات والشخصيات والمؤسسات التي تسعى إلى تغيير وجهة قبرص وتحويل مسارها إلى أماكن أخرى. وبهذه المناسبة، أكون قد استذكرت الأستاذ حسين محمد آتشين بالرحمة، وأوصيت أيضاً كل مهتم بقراءة كتاب «قضية الهوية الإسلامية في قبرص»، مشيداً بقيمته وأهميته.

بعد أن وضعت عنوان المقال، بحثت على الإنترنت قائلاً لنفسي: «يا ترى، هل سبق لأحد أن كتب مقالاً بهذا العنوان نفسه؟ لئلا يبدو الأمر تكراراً». فظهر أمامي مقال، لكن كاتبه كان يحاول من خلال عبارة «قبرص المسلمة» التعبير عن «نفوره من مشهد قبرص التي أسلمت». والحقيقة أن الطرفين المتناقضين اللذين يقصدهما الكاتبان باستخدام العبارة نفسها يشكلان ملخصاً لافتاً لكل ما يمكن قوله عن أهمية الحفاظ على الهوية الإسلامية لقبرص.

 

عن الكاتب

طه كلينتش

كاتب تركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس