ترك برس

في مقال تحليلي نشره موقع Independent Türkçe، يستعرض الكاتب التركي غوربوز إفرين خلفيات الاحتجاجات الطلابية الراهنة في فرنسا ودلالاتها التاريخية، متوقفاً عند شعار «إلى الباستيل» الذي يردده المتظاهرون. ويشير إلى أن تلاميذ الثانويات الذين خرجوا لأنهم لا يرون مستقبلاً واضحاً أمامهم يفرضون على فرنسا أياماً عصيبة، بعد أن بدأت احتجاجاتهم في 17 سبتمبر الماضي ثم اتسعت بمشاركة فئات مهنية وطلاب جامعيين، مما استدعى مقارنات مع أحداث 1968، وإن كان الكاتب يؤكد اختلاف دوافع الحدثين.

ويبدأ إفرين بتفنيد الرواية الشائعة عن انطلاق أحداث مايو 1968 من جامعة السوربون في باريس. ويرى أن الشرارة الحقيقية اندلعت في جامعة باريس 10 نانتر لا ديفانس، حيث طالب طلاب بالسماح بإقامة مختلطة للجنسين في السكن الجامعي نفسه وحتى في الغرف ذاتها، فرفضت الإدارة الطلب بشدة. وأدى ذلك إلى مقاطعة نمت سريعاً، ثم استدعت الإدارة الشرطة التي تدخلت بعنف، فتفاقمت الأحداث وأغلقت الجامعة. عندها خرج طلاب السوربون تضامناً مع زملائهم، وامتدت التظاهرات إلى جامعات باريس ثم إلى عموم البلاد. ويضيف الكاتب أن الكنيسة الكاثوليكية انخرطت في النقاش رافضة الإقامة المختلطة بدعوى أنها تمس القيم المسيحية، وأن أحداث 1968 دفعت قسماً من المجتمع إلى التمسك أشد بالقيم الدينية وإرسال أبنائهم إلى المدارس الكاثوليكية التي تكاثرت لاحقاً.

وينتقل إلى الاحتجاجات الحالية موضحاً أنها انطلقت من ثانوية سان إكزوبيري في كريتاي، إحدى الضواحي الفقيرة القريبة من باريس، ثم انتشرت بسرعة في أنحاء فرنسا. ويرى أن أسباب خروج التلاميذ تتمثل في مباني المدارس القديمة والمهملة، والقاعات غير المدفأة، ونقص الأدوات والمعدات والموظفين، والصفوف المكتظة، واتساع فجوة المعلمين، والدروس الملغاة، وتدهور المنظومة التعليمية، وعدم كفاية الميزانية المخصصة للتعليم، وتخصيص اعتمادات مهمة للمدارس الكاثوليكية في بلد علماني، بالإضافة إلى ظلم يشعر به الطلاب في نظام القبول الجامعي الجديد. ويشير إلى أن كثيراً من مباني المدارس في الضواحي الكبرى بُنيت أواخر السبعينيات والثمانينيات، ثم تحولت تلك المناطق إلى غيتوهات يقطنها المهاجرون بشكل أساسي، فزادت الإهمال والعنف والمشكلات الأمنية التي طالت المدارس أكثر من غيرها. ووصلت نسبة نقص المعلمين والموظفين في مدارس الضواحي إلى أكثر من 50% لأن المدرسين يرفضون العمل فيها، ومن يقبل منهم يستقيل تحت ضغط التحرش والعنف والظروف السيئة. ويؤكد أن مبدأ المساواة في التعليم الذي يُرفع شعاراً في فرنسا لا ينطبق فعلياً على مناطق المهاجرين والأسر ذات الدخل المنخفض، وهو ما يفسر مشاركة أولياء أمور الطلاب الفرنسيين أنفسهم بنشاط في التظاهرات دعماً لأبنائهم.

ويربط الكاتب هذه المشكلات بسياق أوسع، معتبراً أن فرنسا تدفع ثمن سياسات هجرة خاطئة، لكن ذلك ليس السبب الرئيسي لاحتجاجات التلاميذ. فالاقتصاد الفرنسي يعاني منذ سنوات طويلة صعوبات جدية أدت إلى تراجع الاستثمارات في قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة. ويذكر تراجع النفوذ الفرنسي في مستعمراته الأفريقية السابقة، وإغلاق مراكز إنتاج ومصانع مهمة، وارتفاع بطالة الشباب، وعجز عن خلق فرص عمل جديدة، بينما زاد توجه إدارة ماكرون إلى تمويل أوكرانيا من حدة الأزمة. ويستذكر أن ماكرون واجه خلال ولايتيه احتجاجات متتالية من النقابات العمالية ثم «السترات الصفراء» فشباب الضواحي فالطلاب وأخيراً تلاميذ الثانويات.

وفي تفسير الشعار الشهير، يوضح إفرين أن الفرنسيين منذ ثورة 1789 التي أطاحت بالملك لويس السادس عشر، ومروراً بكومونة باريس 1848، يخرجون إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم والمطالبة بحقوقهم، ويهتفون أينما كانوا «إلى الباستيل». فهذا الشعار يعود إلى اقتحام الشعب لقلعة الباستيل رمز القمع الملكي آنذاك، وكان يُستخدم لدعوة الجميع إلى المشاركة. وفي فترات تفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية يلجأ الفرنسيون حتماً إلى ساحة الباستيل في باريس لتنظيم تظاهرات حاشدة كثيراً ما تنتهي بمواجهات مع الشرطة. ويخلص إلى أن ما يحدث في تظاهرات التلاميذ اليوم هو امتداد لهذا التقليد المقاوم. أما عن قدرة إدارة ماكرون على تلبية مطالب التلاميذ، فيرى الكاتب أن ذلك سيكون بالغ الصعوبة في ظل اقتصاد يقترب من مرحلة الإفلاس.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!