
ترك برس
في مقال تحليلي نشرته صحيفة «يني شفق» التركية، يتناول الكاتب تورغاي يرلي كايا تداعيات حرب روسيا وأوكرانيا على المشهد السياسي الأوروبي، مركزاً على صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» (أف دي) وظاهرة زعيمته المشاركة أليس فايدل.
ويستند الكاتب في تحليله إلى مذكرات المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، ومقابلة أجرتها رئيسة تحرير مجلة «ذي إيكونوميست» زاني مينتون بيدوس مع فايدل، ليبرز كيف تحولت الحرب إلى عامل محرك للسياسة الأوروبية وأعادت صياغة النقاش حول الأمن والهجرة والمصالح الوطنية.
يشير يرلي كايا إلى أن ميركل أكدت في مذكراتها («الحرية» الصادرة عن دار قديم) أن حرباً روسية أوكرانية كانت احتمالاً وارداً، غير أن تأجيلها تاريخياً كان الخيار الأكثر عقلانية. ويوضح الكاتب أن سياسة ميركل في قمة الناتو ببوخارست عام 2008 تركزت على المخاوف من أن يؤدي انضمام أوكرانيا وجورجيا المبكر إلى الناتو إلى دفع روسيا نحو مزيد من العدوانية.
ويقول إن المستشارة كانت تؤمن بأن أمن أوروبا ككل مرتبط بعلاقات جيدة مع روسيا، وأنها عبرت بوضوح عن التهديد الأمني الذي قد يشكله انضمام هذين البلدين لأوروبا وللدولتين نفسيهما.
ويربط الكاتب بين الثورات الملونة وما أعقبها من تحول أوكرانيا إلى ساحة صراع بين الغرب وروسيا، بدءاً باحتلال شبه جزيرة القرم وصولاً إلى اندلاع الصراع الساخن في شباط/فبراير 2022. ويؤكد أن المخاطر التي طالت أمن الملاحة في البحر الأسود أدت إلى مشكلات خطيرة في الغذاء والطاقة وغيرهما، وطرحت تحديات أمنية إقليمية وعالمية.
وفي هذا السياق، يرى يرلي كايا أن مقاربة دونالد ترامب التي استندت إلى هذه التهديدات لدفع الدول الأوروبية نحو رفع إنفاقها على الناتو، إلى جانب محاولة استنزاف روسيا عبر استراتيجية الاحتواء، باتت اليوم موضع انتقاد واسع في أوروبا.
ويضيف أن الاتفاق الذي عقده ترامب مع فلاديمير بوتين بشأن الديزل دفع الأوروبيين إلى إعادة التفكير جذرياً في الواقع الأوكراني الذي ضخّت فيه أوروبا منذ شباط/فبراير 2022 قدرات مالية وعسكرية هائلة.
ويشير الكاتب إلى أن هذه التطورات حرّكت علم الاجتماع الأوروبي وأثرت مباشرة في السياسة. فالدعم المقدم لأوكرانيا خلال الحرب أصبح أحد القضايا الأساسية في السياسة الألمانية، وهو من أبرز بنود أجندة حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي اكتسب زخماً في الانتخابات الأخيرة. وفي هذا الإطار، يستعرض يرلي كايا مقابلة «ذي إيكونوميست» مع أليس فايدل، التي قالت بصفتها اقتصادية إن تكلفة الحرب على ألمانيا تبلغ نحو مئة مليار يورو، وإن هذا الدعم لا يشكل خطراً اقتصادياً فحسب بل يهدد أيضاً الأمن القومي الألماني.
ويؤكد الكاتب أن تأكيد فايدل على ضرورة استيعاب حقيقة أن تمويل ألمانيا للحرب يمثل تهديداً لأمن روسيا من شأنه أن يسهم في بناء معمارية أمنية أوروبية، وهو موضوع يستحق التفكير ليس من جانب فايدل وحدها بل من جانب التيار السياسي الرئيسي في ألمانيا أيضاً.
وينتقل يرلي كايا إلى سياسات الحزب في مجالي الهجرة والإعادة، معتبراً أن فايدل تنظر إلى موجات الهجرة من السوريين والأفغان والأوكرانيين بوصفها خطراً على التركيبة الديمغرافية والاجتماعية الألمانية لا مصدراً للثراء. ويبرز أن دعوتها إلى وقف المساعدات لأوكرانيا تكشف كيف يتم تسييس آثار الحرب في مجالات متعددة. ويصف الكاتب لغة فايدل بأنها ترامبية الطابع، إذ ترفع شعار «ألمانيا أولاً» وتصر على وضع مصالح ألمانيا في صلب السياسة.
ويخلص يرلي كايا إلى أن حصيلة الحرب التي تجاوزت أربع سنوات تُظهر كيف يمكن لشكل سياسي يُوصف باليمين المتطرف أن يصبح تياراً رئيسياً في ظل شروط معينة. ويرى أن مقاربة فايدل للاتحاد الأوروبي من زاوية بيروقراطيته الثقيلة ومسألة السيادة تفسر لماذا يمكن لخطها السياسي أن يصبح بديلاً عن السلطة.
ويشير إلى أن السياسة نفسها التي تتبناها مارين لوبان في فرنسا تتواصل في ألمانيا باستراتيجية مشابهة، مما يحمل دلالات كبيرة حول مستقبل أوروبا. ويتساءل الكاتب في الختام عن مدى إمكانية تحقيق نموذج العلاقات المتكافئة الذي تطالب به تركيا بإصرار مع أوروبا، في ظل أوروبا قد يصبح فيها اليمين المتطرف تياراً رئيسياً.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











