
ترك برس
يرى الكاتب والأكاديمي التركي البروفيسور الدكتور ذاكر أفشار، أن منظمة الدول التركية تمتلك فرصة لتعزيز مكانتها الدولية وتحويل الروابط التاريخية والثقافية واللغوية بين أعضائها إلى شراكات سياسية واقتصادية وعلمية واستراتيجية ملموسة، وذلك في أعقاب انعقاد القمة الثالثة عشرة للمنظمة في العاصمة أنقرة، وتسلم تركيا رئاستها الدورية.
ويقول أفشار، في مقال بموقع «Haber7» بعنوان «ما بعد قمة منظمة الدول التركية: من التاريخ المشترك إلى المستقبل المشترك»، إن القمة التي انعقدت تحت شعار «القرن التركي: وحدة في اللغة والفكر والعمل»، قدمت فرصة مهمة لتقييم موقع العالم التركي في النظام الدولي وأهدافه المستقبلية، مشيراً إلى أن التصور الذي طرحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال القمة يجسد رؤية مشتركة لمستقبل دول المنظمة.
وينقل الكاتب عن أردوغان قوله إن «الوحدة في اللغة تعني الحفاظ على كنزنا المشترك وتطويره، والقدرة على فهم بعضنا بعضاً دون وسطاء، أما الوحدة في الفكر فتعني الالتفاف حول أهداف مشتركة وتطوير استراتيجية موحدة، في حين تعني الوحدة في العمل تحويل أقوالنا إلى أفعال، وإرادتنا إلى إنجازات، وقراراتنا إلى نتائج».
ويعتبر أفشار أن الأهمية الأساسية للقمة تكمن في تعزيز الإرادة الرامية إلى تحويل التقارب التاريخي والثقافي واللغوي بين الدول التركية إلى تعاون ملموس في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والاستراتيجية.
من القمم إلى تأسيس منظمة الدول التركية
ويستعرض الكاتب المسار التاريخي لتأسيس المنظمة، موضحاً أن قمم رؤساء الدول الناطقة بالتركية بدأت في أنقرة عام 1992، عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، قبل أن تتحول تدريجياً إلى إطار مؤسسي للتعاون بين هذه الدول.
ويشير إلى أن تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وقعت عام 2009 اتفاقية نخجوان، التي أسست مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية، قبل أن يتغير اسم المنظمة إلى «منظمة الدول التركية» خلال قمة إسطنبول عام 2021.
ويضيف أن انضمام أوزبكستان عضواً كاملاً، وحصول تركمانستان والمجر وجمهورية شمال قبرص التركية على صفة مراقب، أسهما في توسيع النطاق الجغرافي والمؤسسي للمنظمة.
ويقول أفشار إن أهمية المنظمة تنبع، في المقام الأول، من موقعها الاستراتيجي في منطقة أوراسيا، إذ تمتد جغرافياً من تركيا إلى آسيا الوسطى، وتشمل جزءاً مهماً من طرق التجارة والطاقة التي تربط أوروبا بآسيا.
ويلفت إلى أن موقع أذربيجان في جنوب القوقاز، وموارد الطاقة لدى كازاخستان وتركمانستان، والإمكانات الإنتاجية والسكانية لأوزبكستان، إلى جانب القدرات الصناعية وقطاع النقل في تركيا، توفر فرصاً مهمة لتحقيق التنمية الاقتصادية المشتركة.
ويرى أن قدرة الدول التركية على التحرك المشترك تكتسب أهمية متزايدة في ظل اشتداد التنافس بين القوى العالمية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، وتصاعد أهمية أمن الطاقة، معتبراً أن المنظمة تمثل منصة تتيح للدول الأعضاء التشاور بشأن القضايا الدولية، وتعزيز مصالحها المشتركة، والمساهمة في الاستقرار الإقليمي.
التعاون المؤسسي والاقتصادي وممر التجارة الأوسط
ويشير الكاتب إلى أن الرصيد المؤسسي الذي راكمته المنظمة حتى الآن يستحق الاهتمام، لافتاً إلى دور مؤسسات مثل المنظمة الدولية للثقافة التركية «تركصوي»، والجمعية البرلمانية للدول التركية، والأكاديمية التركية، ومؤسسة الثقافة والتراث التركي، واتحاد غرف التجارة والصناعة التركية، في تطوير التعاون بين الدول الأعضاء في مجالات الثقافة والعلاقات البرلمانية والعلوم والاقتصاد.
كما يلفت إلى أن وثيقة «رؤية العالم التركي 2040»، التي اعتُمدت عام 2021، تشكل الإطار الاستراتيجي الأساسي الذي يحدد الأهداف طويلة الأمد للمنظمة.
وفيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي، يعتبر أفشار أن تأسيس صندوق الاستثمار التركي يمثل تطوراً مهماً، مشيراً إلى أن تحوله إلى آلية فاعلة لتمويل مشروعات البنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية المشتركة من شأنه تعزيز قدرة المنظمة على تحقيق التكامل الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، يشدد الكاتب على الأهمية الخاصة لتطوير «الممر الأوسط»، الذي يمتد من الصين إلى آسيا الوسطى، مروراً ببحر قزوين وأذربيجان وتركيا، وصولاً إلى أوروبا.
ويرى أن تعزيز خطوط السكك الحديدية، وتسهيل الإجراءات الجمركية، ودمج البنية التحتية للخدمات اللوجستية، من شأنه تقوية موقع الدول التركية في التجارة العالمية.
التعاون العلمي والتكنولوجي أولوية استراتيجية
وعلى صعيد التعاون العلمي والتعليم العالي، يرى أفشار أن تطوير الشراكات بين الجامعات ينبغي أن يمثل أولوية استراتيجية لمستقبل العالم التركي.
ويدعو إلى زيادة تنقل الطلاب والأكاديميين بين جامعات الدول الأعضاء، وإطلاق برامج مشتركة للدراسات العليا، وإنشاء صندوق للبحوث العلمية، إلى جانب تأسيس مراكز أبحاث مشتركة في المجالات الاستراتيجية.
ويشير إلى أن تطوير مشروعات مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والطاقة والتقنيات الزراعية والصحة والصناعات الدفاعية، من شأنه تعزيز قدرة العالم التركي على إنتاج التكنولوجيا وتطويرها.
ويعتبر أن التعاون في هذه المجالات لا يقتصر على تبادل الخبرات والمعرفة، بل يمثل عنصراً أساسياً في بناء قدرات تكنولوجية وإنتاجية مشتركة، وتعزيز المكانة الدولية للدول الأعضاء.
رئاسة تركيا للمنظمة ومسؤوليات المرحلة المقبلة
وفي تناوله لأهمية انعقاد القمة الثالثة عشرة في أنقرة، يشير الكاتب إلى أن استلام تركيا الرئاسة الدورية للمنظمة يمنح الحدث أهمية خاصة، بالنظر إلى دورها الريادي في المسار التاريخي الذي بدأ بالقمم عام 1992، مروراً باتفاقية نخجوان، وصولاً إلى تأسيس منظمة الدول التركية.
ويرى أفشار أن انتقال الرئاسة الدورية إلى تركيا يمثل انتقالاً بالمسؤولية التاريخية إلى مرحلة جديدة، مشيراً إلى أن قدراتها الدبلوماسية وتراكمها الصناعي والتكنولوجي وبنيتها التحتية للنقل، إلى جانب موقعها الاستراتيجي بين أوروبا والقوقاز والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، تؤهلها لتقديم مساهمات مهمة في تنفيذ الأهداف المشتركة للمنظمة.
لكنه يشدد على أن نجاح الرئاسة التركية لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو الخطابات السياسية الصادرة عنها، بل بمدى تنفيذ القرارات وتحقيق المشروعات المشتركة نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، يرى أن من المهم أن تعمل تركيا خلال المرحلة المقبلة على تعزيز القدرة التنفيذية لوثيقة «رؤية العالم التركي 2040»، وزيادة فاعلية صندوق الاستثمار التركي، وتسريع مشروعات الممر الأوسط، وإضفاء الطابع المؤسسي على التعاون العلمي.
كما يؤكد ضرورة أن يمارس الدور الريادي التركي من خلال نهج شامل يعزز السيادة المتساوية لجميع الدول الأعضاء وإرادتها المشتركة في اتخاذ القرارات.
تحديات المنظمة ومتطلبات تعزيز فاعليتها
وفي معرض تناوله للتحديات التي تواجه منظمة الدول التركية، يقول أفشار إن القضية الأساسية تتمثل في تحويل الإرادة السياسية إلى قدرة فعلية على التنفيذ، مشيراً إلى ضرورة تطوير المشروعات المشتركة بصورة متوازنة، مع مراعاة اختلاف الإمكانات الاقتصادية للدول الأعضاء وأولويات سياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية.
ويشدد على أهمية ألا تتموضع المنظمة في مواجهة أي مركز من مراكز القوى الدولية، وأن تستند في تحركاتها إلى مبادئ القانون الدولي والاحترام المتبادل والتعاون متعدد الأطراف، معتبراً أن ذلك ضروري للحفاظ على فاعليتها على المدى الطويل.
ويحدد الكاتب مجالات التكامل الاقتصادي وأمن الطاقة والتحول الرقمي والنقل والعلوم والتكنولوجيا والتعليم وإدارة الكوارث والتعاون الثقافي، باعتبارها أبرز أولويات عمل المنظمة خلال المرحلة المقبلة.
ويرى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تحويل وثيقة «رؤية العالم التركي 2040» إلى برامج تنفيذية ملموسة، مع تحديد المؤسسات المسؤولة ومصادر التمويل ومؤشرات قياس الأداء.
من الإرث التاريخي إلى بناء قوة مشتركة
ويخلص أفشار إلى أن منظمة الدول التركية تمثل إطاراً مهماً للتعاون الدولي، يستمد قوته من التاريخ والتراث الثقافي المشترك، لكنه يكتسب معناه الحقيقي من الأهداف الاستراتيجية التي يتطلع إلى تحقيقها في المستقبل.
ويعتبر أن القمة الثالثة عشرة التي استضافتها أنقرة وتسلم تركيا الرئاسة الدورية للمنظمة، يوفران فرصة مهمة لتعميق البناء المؤسسي وتحويل الأهداف المشتركة إلى نتائج ملموسة.
ويؤكد أن الوزن الدولي المستقبلي للعالم التركي لن يتحدد فقط بما يمتلكه من موارد طبيعية أو بموقعه الجغرافي، بل بقدرته على تطوير العلوم والتكنولوجيا والإنتاج والتضامن الاقتصادي والتعاون المؤسسي.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن التاريخ المشترك يشكل نقطة انطلاق قوية، لكن المستقبل المشترك سيُبنى على أسس العقل والمعرفة والعلم والثقة المتبادلة.
ويقول إن المعنى الحقيقي لـ«القرن التركي» بالنسبة إلى العالم التركي يكمن في القدرة على تحويل إرث الماضي المشترك إلى قوة سياسية واقتصادية وعلمية وتكنولوجية مشتركة في المستقبل.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











