ترك برس

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية على الرئيس دونالد ترامب، في ظل تداعيات الحرب مع إيران، وتراجع شعبيته، وتصاعد الاستقطاب الداخلي. ويرى الكاتب التركي أرطغرل تشينغيل، في مقال بصحيفة «خبر 7» بعنوان «كابوس ترامب الانتخابي»، أن هذه الانتخابات قد تفتح الباب أمام خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس، بما يضع الإدارة الأمريكية أمام مرحلة أكثر صعوبة خلال العامين المتبقيين من ولاية ترامب.

ويعتبر تشينغيل أن تداعيات الحرب مع إيران، التي يقول إن ترامب دخلها استجابة لإصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تمثل أحد أبرز أسباب تراجع فرص الرئيس الأمريكي سياسياً. ويشير إلى أن ترامب، الذي وصل إلى السلطة متعهداً بإبعاد الولايات المتحدة عن الحروب الجديدة وتحقيق الرفاه الاقتصادي وتوفير الطاقة بأسعار منخفضة، وجد نفسه منخرطاً في حرب انعكست تداعياتها على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، فضلاً عن ارتباطها بالسياسات الإسرائيلية تجاه المنطقة.

ويشير الكاتب إلى أن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل يستند إلى شبكات سياسية ومالية قوية، تشمل منظمات مؤيدة لها مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، والقاعدة الانتخابية الإنجيلية، إلى جانب مليارديرات يقدمون تبرعات سخية. لكنه يرى أن هذه الشبكات لم تعد قادرة على حجب تنامي المعارضة للحروب والاستياء الاقتصادي داخل المجتمع الأمريكي. ويلفت في هذا السياق إلى تراجع نسبة تأييد الإنجيليين لترامب من 77 بالمئة في يناير/كانون الثاني 2025 إلى 63 بالمئة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، معتبراً أن ذلك يعكس تآكل الدعم حتى داخل إحدى أبرز قواعده الانتخابية.

وفي ما يتعلق بالمشهد الانتخابي، يستند تشينغيل إلى استطلاعات رأي أشار إليها المقال، تظهر تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين بفارق يتراوح بين 8 و10 نقاط. ويتوقع الكاتب أن يتمكن الديمقراطيون من تحقيق أغلبية في مجلس النواب، عبر الفوز بما يتراوح بين 220 و240 مقعداً من أصل 435، في حين تبدو المنافسة على مجلس الشيوخ متقاربة. كما يشير إلى تراجع نسبة الموافقة على أداء ترامب إلى 30 بالمئة، وإلى أن أكثر من 49 مليون أمريكي أدلوا بأصواتهم مبكراً قبل الانتخابات، وفق بيانات مركز بيو للأبحاث.

ويرى الكاتب أن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في أحد مجلسي الكونغرس على الأقل ستضع ترامب في موقف «البطة العرجاء»، وهو المصطلح السياسي الذي يصف رئيساً تتراجع قدرته على تمرير سياساته بسبب فقدان حزبه السيطرة على السلطة التشريعية.

محاولات ترامب للتأثير في المعركة الانتخابية

ويشير تشينغيل إلى أن تحركات ترامب للفوز بالانتخابات لم تقتصر على التجمعات الانتخابية والوعود السياسية والدعاية، بل امتدت إلى ملفات أثارت جدلاً واسعاً في الولايات المتحدة، بينها إعادة رسم الدوائر الانتخابية، وتغيير قواعد التصويت عبر البريد، وفرض شروط جديدة على تسجيل الناخبين، ومحاولات تدخل الإدارة الفيدرالية في العملية الانتخابية.

ويلفت إلى أن المساعي المتعلقة بالتصويت عبر البريد والتحقق من بيانات الجنسية لدى الناخبين فتحت مواجهات قانونية بشأن صلاحيات الولايات في إدارة الانتخابات وتوزيع الاختصاصات الدستورية. ويقول إن المحاكم الفيدرالية أوقفت أجزاء مهمة من هذه الإجراءات، مشيراً إلى قرار أصدرته محكمة فيدرالية خلال أغسطس/آب منع تطبيق جزء من أمر تنفيذي أصدره ترامب عام 2026 لتقييد التصويت عبر البريد.

كما يتناول الكاتب الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تغيير في توزيع مقاعد الكونغرس، لكنه يرى أن هذه المحاولات لا تبدو كافية لإنقاذ الجمهوريين من خسارة انتخابية محتملة.

ومن بين التحركات التي يصفها تشينغيل بالأكثر إثارة للجدل، وعد ترامب بمنح كل أمريكي بالغ 5 آلاف دولار إذا حافظ الجمهوريون على أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس، وهو ما يعتبره الديمقراطيون بمثابة رشوة انتخابية. وينقل الكاتب تقديرات تشير إلى أن تنفيذ هذا الوعد لنحو 240 مليون ناخب سيتطلب 1.2 تريليون دولار، في وقت تجاوز فيه الدين العام الأمريكي 40 تريليون دولار، الأمر الذي قد يضيف ضغوطاً على المديونية والتضخم. كما يذكّر بأن وعداً مشابهاً أطلقه ترامب عام 2025 بمنح ألفي دولار لم يتحقق، وفق ما أورده المقال.

الحرب مع إيران وتداعياتها على الناخب الأمريكي

ويضع تشينغيل الحرب مع إيران في صدارة العوامل التي يربطها بالمخاطر الانتخابية التي تواجه ترامب، معتبراً أن الرئيس الأمريكي أصبح أسيراً للسياسات الإسرائيلية الهجومية والأولويات الاستراتيجية لنتنياهو، رغم تعهداته السابقة بتجنب الحروب.

ويقول إن كلفة الحرب لا تقتصر على الخسائر البشرية والنفقات العسكرية، بل تمتد إلى أزمة مضيق هرمز، والاضطرابات في أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط والوقود، والضغوط على التجارة العالمية والتضخم، وهي تداعيات تصل مباشرة إلى الحياة اليومية للأمريكيين.

ويضيف أن حسابات الناخب الأمريكي لا تتعلق بالاعتبارات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بقدر ارتباطها بما يدفعه في محطات الوقود، وتكاليف السكن، وضمان الوظائف، مشيراً إلى أن فاتورة الحرب تنعكس على أسعار الوقود والمواد الأساسية.

وفي هذا السياق، يستعرض الكاتب أرقاماً تفيد بارتفاع سعر غالون البنزين من نحو 3 دولارات قبل الحرب إلى أكثر من 4 دولارات، بزيادة تقارب 40 بالمئة، فيما ارتفع سعر الديزل من 3.6 دولارات إلى أكثر من 6.5 دولارات، بزيادة بلغت 73.5 بالمئة. كما يشير إلى ارتفاع التضخم السنوي إلى 3.7 بالمئة، ووصول عدد العاطلين الباحثين عن عمل إلى 7.11 ملايين شخص، مع بلوغ معدل البطالة 4.2 بالمئة.

ويرى تشينغيل أن هذه المؤشرات توضح أن الآثار الاقتصادية للحرب مع إيران لم تعد مجرد نقاش نظري بشأن السياسة الخارجية، بل أصبحت قضية تمس الأوضاع المعيشية للأمريكيين وتؤثر في خياراتهم الانتخابية.

كيف كان سيكون موقف ترامب لو لم يخض حرب إيران؟

وفي مقاربة افتراضية، يتساءل الكاتب عن شكل المشهد الانتخابي لو لم يدخل ترامب الحرب مع إيران، معتبراً أنه كان بإمكانه تفادي عبء سياسي ثقيل ناجم عن التناقض بين وعوده الانتخابية وسياساته الفعلية، والتوجه إلى صناديق الاقتراع بوصفه رئيساً حافظ على تعهده بإبعاد الولايات المتحدة عن الحروب.

ويضيف أن تجنب الحرب كان سيتيح لترامب الابتعاد عن اضطرابات أسواق الطاقة والضغوط السعرية الناجمة عن الصراع، كما كان سيجنبه الانتقادات المتصاعدة بسبب النفقات العسكرية والخسائر الجديدة. وينقل عن تقديرات أن متوسط كلفة الحرب على الأسرة الأمريكية الواحدة بلغ ألفي دولار، منها 1100 دولار نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

كما يرى أن عدم الدخول في الحرب كان سيمنح ترامب موقعاً مختلفاً على الساحة الدولية، ويوسع هامش تحركه الدبلوماسي في علاقاته مع الحلفاء الأوروبيين الذين دخل في خلافات معهم، ودول الخليج التي يقول الكاتب إنها بدأت تفقد الثقة به. ويشير إلى أن الناخب الأمريكي بات يتساءل اليوم، إلى جانب تقييمه للسياسات الاقتصادية، عن الأسباب التي دفعت بلاده إلى الانخراط في حرب جديدة.

هل تدفع الهزيمة الانتخابية ترامب إلى تصعيد جديد ضد إيران؟

ويحذر تشينغيل من أن نتائج الانتخابات قد تنعكس على الخطوات التي ستتخذها إدارة ترامب لاحقاً تجاه إيران، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين الأهداف التي أعلنتها واشنطن في بداية الحرب والواقع الذي وصلت إليه المواجهة.

ويشير إلى أن إيران تحاول استغلال الضغوط التي تواجه الإدارة الأمريكية لتعزيز موقفها على طاولة المفاوضات، في وقت تتواصل فيه الضغوط العسكرية والاتصالات الدبلوماسية بالتوازي، بينما ينتظر كل طرف تراجع الآخر عن مواقفه.

ولا يستبعد الكاتب أن تدفع خسارة انتخابية كبيرة ترامب إلى تبني موقف أكثر تشدداً تجاه إيران، في محاولة لتعويض خسارته المحتملة لنفوذه داخل الكونغرس واستعادة المبادرة السياسية، أو تقديم صورة توحي بتحقيق انتصار في الحرب.

ويعتبر أن هذا الاحتمال يستحق الاهتمام بالنظر إلى نمط السلوك السياسي غير المتوقع لترامب، وتصريحاته الأخيرة، والتوتر القائم في المنطقة، محذراً من أن أي تصعيد إضافي لن تقتصر تداعياته على إيران أو دول المنطقة، بل قد يمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية والاقتصاد الأمريكي.

الهزيمة في صناديق الاقتراع واحتمالات الفوضى في الشارع

وفي ما يتعلق بمرحلة ما بعد الانتخابات، يتوقع تشينغيل أن يثير ترامب، في حال خسارته، ادعاءات التزوير والمخالفات الانتخابية بدلاً من الإقرار بالهزيمة، مستنداً إلى مواقفه السابقة التي اعتاد فيها وصف الانتخابات التي يخسرها بأنها «مسروقة».

ويشير إلى أن القاعدة السياسية لحركة «ماغا» اليمينية المتطرفة، التي يصفها بأنها بمثابة «جيش الشارع» لترامب، قد تشكل عاملاً مهماً في هذه المرحلة، محذراً من إمكانية تصعيد التوتر في الولايات الحاسمة، وإثارة الفوضى أمام مراكز الاقتراع، ودفع البلاد إلى مزيد من الاستقطاب.

وفي المقابل، يلفت إلى استعداد الديمقراطيين ومنظمات معنية بأمن الانتخابات لمراقبة العملية الانتخابية على نطاق واسع، تحسباً لمحاولات التدخل أو ترهيب الناخبين أو التشكيك في النتائج. ويذكر أن التنظيمات الديمقراطية في الولايات دربت نحو 10 آلاف متطوع لهذا الغرض، فيما دربت منظمة «كومون كوز» نحو 16 ألف متطوع.

كما يشير إلى أن ترامب وعد بمكافأة قدرها مليون دولار لمن يكشف عن عمليات تزوير انتخابية، في حين يعمل الحزب الجمهوري على تعبئة نحو 22 ألف مراقب انتخابي. ولا يستبعد الكاتب أن يستخدم ترامب مزاعم التزوير والفوضى المحتملة ذريعة لإشراك قوات الأمن الفيدرالية في التعامل مع التطورات الانتخابية.

ويرى تشينغيل أن هذه المعطيات تعكس تحول أمن الانتخابات في الولايات المتحدة من مسألة تقنية وإجرائية إلى محور مباشر من محاور الاستقطاب السياسي، خصوصاً أن فوز الديمقراطيين بمجلس النواب قد يضع ترامب أمام عامين أكثر صعوبة.

ويحذر من أن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم قد تؤدي إلى تعطل إقرار الموازنة والتشريعات، وتشديد رقابة الكونغرس على الإدارة، فضلاً عن احتمال فتح تحقيقات بحق ترامب ومحيطه، وإعادة طرح إجراءات العزل. وإذا انتقلت السيطرة على مجلس الشيوخ أيضاً إلى الديمقراطيين، فإن هامش تحرك البيت الأبيض سيصبح أكثر ضيقاً.

ويخلص الكاتب إلى أن الحرب التي يقول إن ترامب دخلها بإصرار من نتنياهو قد تتحول إلى عامل يقود إلى خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس، وإخضاع الإدارة لمزيد من الرقابة السياسية، وجعل ما تبقى من الولاية الرئاسية الثانية لترامب حافلاً بالأزمات.

ويضيف أن تداعيات الهزيمة المحتملة لن تقتصر على ترامب، بل ستمتد، بحسب تقديره، إلى المنظمات الصهيونية العاملة في الولايات المتحدة، والهياكل الإنجيلية التي تستند إلى قناعات لاهوتية، والمليارديرات الذين يقدمون تبرعات سخية للحزب الجمهوري، باعتبارهم من أبرز الأطراف الداعمة لسياساته وتحالفاته.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!