
ترك برس
تتمتع تركيا بتنوع سياحي وثقافي واسع، لا يقتصر على مدنها الساحلية الكبرى ووجهاتها الشهيرة، بل يمتد إلى مدن داخلية تحتضن إرثا تاريخيا وطبيعيا غنيا، وتوفر لزوارها فرصة استكشاف جوانب مختلفة من تاريخ البلاد وتنوعها الجغرافي. وتبرز ولاية أوشاك، الواقعة في منطقة بحر إيجة غربي تركيا، بوصفها إحدى هذه الوجهات، إذ تجمع بين المواقع الأثرية العريقة والأودية الطبيعية والمتاحف التاريخية والحرف التقليدية التي ما زالت حاضرة في الحياة اليومية لسكانها.
وتشكل أودية أوشاك الطبيعية إحدى أبرز عوامل الجذب السياحي فيها، وفي مقدمتها أخدود أولوبي (Ulubey)، الذي يعد من أكبر الأخاديد في العالم. ويتيح الموقع للزوار الاستمتاع بمشاهدة المناظر الطبيعية الخلابة من منصة زجاجية أُنشئت خصيصا لهذا الغرض، فيما تنتشر في محيط الأخدود قنوات مائية ومقابر صخرية وكهوف تعود إلى عصور قديمة. كما تسهم مياه نهري أولوبي وباناز في تغذية الأخدود وإضفاء طابع طبيعي مميز عليه.
ومن المواقع الطبيعية اللافتة أيضا وادي طاش ياران، الذي تشكل بفعل تفاعل المياه والرياح والحركات التكتونية على مدى فترات زمنية طويلة. وتتميز صخوره بتدرجات لونية وتكوينات جيولوجية تشبه لوحة فنية طبيعية، فيما أسهمت مياه نهر غديز في نحت الوادي وتشكيل أخدود ذي خصائص جيولوجية مميزة. ويكتسب الموقع مشهدا مختلفا خلال فصل الشتاء، عندما تتجمد المياه في قاع الوادي، مشكلة كتلًا جليدية شفافة تجذب عشاق الطبيعة والتصوير الفوتوغرافي.
وفي الجانب التاريخي، تحتضن أوشاك مجموعة من المدن الأثرية التي تعكس تعاقب الحضارات على المنطقة، من أبرزها مدينة بلوندوس الأثرية في منطقة أولوبي، التي أُسست على يد مجموعات قدمت من مقدونيا عقب حملات الإسكندر الأكبر في الأناضول، وفقا لما تذكره المصادر التاريخية. وتعاقب على حكم المدينة كل من مملكة برغامون والإمبراطورية الرومانية، وشهدت ازدهارا ملحوظا خلال الحقبة الرومانية.
وتضم بقايا بلوندوس الأثرية منشآت تاريخية متعددة، بينها ملعب وقلعة ومسرح ومعابد ومقابر صخرية، فضلا عن أجزاء من الأسوار القديمة ومدخلها الشمالي ومعبد الإلهة سيريس، المرتبطة بالخصوبة والزراعة.
كما تبرز مدينة أكمونيا الأثرية في منطقة باناز، التي أُنشئت على تلة مرتفعة على امتداد الطريق الملكي الليدي. وعُثر في الموقع على مناطق تضم فسيفساء، إلى جانب آثار تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي، وبقايا صالة رياضية وأساسات مبانٍ ومنشآت معمارية، فضلا عن منصتي معبد وحفرة مسرح. وتُعرض القطع الأثرية التي عُثر عليها في الموقع داخل متحف أوشاك للآثار.
وتضم الولاية كذلك مدينتي سيباسته وبيبووزا الأثريتين، اللتين تكشفان عن جوانب مهمة من تاريخ المنطقة خلال العهدين الروماني والبيزنطي. فقد أسس الإمبراطور الروماني أغسطس مدينة سيباسته عام 20 قبل الميلاد، وأصبحت لاحقا واحدة من 12 مدينة مهمة في العصر الروماني، قبل أن تتحول منذ القرن السادس الميلادي إلى مركز أسقفي للمدن المحيطة بها. وتضم آثارها كنيستين، إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة.
أما مدينة بيبووزا، فتكتسب أهمية خاصة لكونها الموقع الذي ظهرت فيه طائفة مسيحية عُرفت باسم المونتانية. وتشير المصادر المكتوبة إلى احتضانها ديرا بيزنطيا يضم أكثر من 60 غرفة موزعة على ثلاثة طوابق، إلى جانب قاعة طعام ومصلى ومطبخ، فضلا عن نقوش بيزنطية على هيئة صلبان وقطع فخارية تعود إلى الحقبة نفسها.
وتشكل المتاحف في أوشاك محطة أساسية للتعرف على تاريخ الولاية وتراثها، وفي مقدمتها متحف أوشاك للآثار، الذي انتقل إلى مبنى حديث بالقرب من محطة القطار بعد أن ظل يقدم خدماته في مقره القديم لنحو 48 عاما.
ويتألف المتحف من ثلاثة طوابق، ويضم 43 مجموعة وقرابة ألفي قطعة أثرية، موزعة بحسب موضوعاتها التاريخية؛ إذ يخصص الطابق الأول للآثار المكتشفة داخل حدود الولاية، فيما يعرض الطابق الثاني تاريخ النقود وتطورها، ويخصص الثالث لحضارة الليديين وكنوز قارون الشهيرة.
ومن أبرز القطع المعروضة في المتحف مشبك على هيئة فرس بحر مجنح، يعد من أثمن مقتنيات كنوز قارون، التي تشكل إحدى المجموعات الأثرية البارزة المرتبطة بحضارة ليديا القديمة.
وفي سياق متصل، يتيح متحف أتاتورك والإثنوغرافيا للزوار التعرف على مرحلة مهمة من التاريخ التركي الحديث، إذ يقع في قصر قديم استُخدم مقرا لقيادة أوشاك خلال سنوات حرب الاستقلال التركية. ويُعرف المبنى أيضا باسم بيت أتاتورك، بعدما أقام فيه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك لفترة خلال المراحل الأولى من حرب التحرير.
ويضم المتحف مقتنيات وملابس ومجوهرات تعود إلى العهدين العثماني والجمهوري، إلى جانب غرف النوم والعمل والاستقبال التي استخدمها أتاتورك، وعدد من متعلقاته الشخصية.
وتحتفظ أوشاك أيضا بملامح معمارية تقليدية تعكس نمط الحياة في المدينة خلال الفترات الماضية، من خلال منازلها التاريخية التي تتكون غالبا من طابقين، بُني الطابق الأول منها بالحجر والثاني بالخشب. ولم يتبق من هذه المنازل سوى 86 منزلا تاريخيا، تخضع للحماية، ويمكن للزوار مشاهدة نماذج منها في أحياء كورتولوش وكاراآغاتش وإيشك.
ولا تقتصر التجربة الثقافية في الولاية على المباني التاريخية والمتاحف، بل تمتد إلى الحرف التقليدية، وفي مقدمتها صناعة السجاد اليدوي الذي تشتهر به أوشاك منذ العهد السلجوقي. ويتيح بيت دوكور (Dokur Evi) للزوار التعرف على فن نسج السجاد الذي طالما ظهر في لوحات الرسامين الأوروبيين، ويعمل على الحفاظ على هذه الحرفة من خلال إنتاج السجاد اليدوي على أيدي النساء المحليات.
كما يسهم المشروع في دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص عمل النساء، عبر تسويق المنتجات داخل تركيا وخارجها، بما يساعد على استمرار إحدى أبرز الموروثات الثقافية للمدينة.
ومن المعالم التاريخية الأخرى جسر كلانديراس المائي، المقام فوق نهر باناز، والذي شيده الليديون قبل نحو 2500 عام على امتداد الطريق الملكي، بهدف نقل المياه إلى مدينة بيبووزا القديمة. ويتميز الجسر بطرازه المعماري المتأثر بالعمارة الهلنستية، وبأحجاره المتشابكة التي ثُبتت معا بطريقة هندسية متقنة.
وتضم الولاية كذلك شجرة صنوبر تيبه ديلين، التي تعد من أبرز ثرواتها الطبيعية النادرة، إذ يتطلب تطويق جذعها التفاف سبعة أشخاص حوله، وقد أُدرجت ضمن الأشجار الأثرية المحمية من قبل وزارة الغابات التركية.
كما تحتفي أوشاك بتاريخ حرب الاستقلال التركية من خلال نصب أتاتورك والتحرير، الذي صممه النحات التركي تانكوت أوزتيم. ويضم النصب مجموعات من التماثيل تجسد تحرير المدينة على يد الفرسان الأتراك، وترمز إلى النصر والحرية، فضلا عن تماثيل لأتاتورك وشخصيات شابة تحمل كتبا ترمز إلى العلم والفن، ومجموعة أخرى تجسد شجاعة المرأة التركية ودورها خلال الحرب، من خلال مشاهد تتضمن عربة محملة بالذخيرة.
وبين أخاديدها الطبيعية ومدنها الأثرية ومتاحفها الغنية وحرفها التقليدية، تقدم أوشاك لزوارها تجربة سياحية متنوعة تجمع بين استكشاف الطبيعة والتعرف على حضارات الأناضول ومراحل مفصلية من التاريخ التركي، لتكون وجهة تتيح اكتشاف جانب مختلف من المقومات السياحية والثقافية التي تزخر بها تركيا.
المصدر: منصة GoTürkiye الرسمية للترويج السياحي في تركيا
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











