أوكان مدرّس أوغلو - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

يتغير العالم، وتتعدد المخاطر، فيما تنهار البنية الأمنية المألوفة. إننا نمر بأيام تنطبق عليها مقولة الرئيس التركي التاسع الراحل سليمان ديميريل: «لا يمكن تجفيف غسيل اليوم بشمس الأمس». ويبدو أن «الدول متوسطة الحجم وأشكال التعاون فيما بينها» ستطبع النظام العالمي في المستقبل المنظور. فـ«سياسة التملك الإقليمي» التي يشجع عليها الرئيس رجب طيب أردوغان، ويمنحها وزير الخارجية هاكان فيدان مضمونها من الناحية «الدبلوماسية»، ووزير الدفاع يشار غولر من الناحية «العسكرية»، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن من الناحية «الاستخباراتية»، تتحول اليوم إلى واقع يفرضه العصر. حتى إن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يدافع اليوم عن هذا الطريق الثالث، مقترحاً «إقامة تحالفات بين الدول التي لا تمتلك بمفردها حجماً يسمح لها بتغيير النظام العالمي، لكنها تشكل، عندما تجتمع، ثقلاً اقتصادياً وعسكرياً كبيراً»!

وفي ظل هذه المعطيات...

فإن حدود الأمن والرفاه في تركيا تتطور حتماً ضمن محاور «تاريخية وجيوسياسية واستراتيجية جغرافية». ومن الضروري قراءة الاتفاقيات والوثائق الدولية التي جرى توقيعها مؤخراً في ضوء المتطلبات العقلانية لهذا العصر.

وعندما نقيم معاً اتفاقية مكة للدفاع المشترك (تركيا – باكستان – السعودية)، وتحالف بدر (تركيا – باكستان – قطر – إندونيسيا) الذي يستهدف توحيد الجهود وتعزيز القوة في الصناعات الدفاعية، ومذكرة التفاهم التركية الليبية لترسيم مناطق الصلاحية البحرية، يتضح أنها جميعاً تكتسب أهمية حاسمة، سواء بالنسبة إلى حقوق تركيا واهتماماتها ومصالحها، أو بالنسبة إلى السلم والاستقرار الإقليميين!

من المفيد هنا تخصيص مساحة مستقلة لمصر، ذلك أن «المنطقة المظللة» في الخريطة التي سترونها في مقالي بالغة الأهمية.

وقبل شرح هذه التفاصيل الدقيقة، أود التذكير بأنه في حال إبرام اتفاق بين تركيا ومصر لترسيم مناطق الصلاحية البحرية/المنطقة الاقتصادية الخالصة، فإن مصر ستحظى بفرصة للحصول على ما لا يقل عن 15 ألف كيلومتر مربع إضافية من مناطق الصلاحية البحرية، مقارنة بالوثائق والاتفاقيات التي أبرمتها مع اليونان. لماذا؟ لأن إصرار اليونان على اعتبار جزر ميس وكريت ورودس وكارباثوس أساساً لترسيم الحدود، وادعاءها أن هذه الجزر تنشئ جرفاً قارياً بكامل التأثير، يؤدي إلى تضييق الحدود الشمالية لمناطق الصلاحية البحرية المصرية. أما تركيا، فتؤكد، استناداً إلى موقف محق ومنصف، ضرورة اعتماد أطوال سواحل البر الرئيسي، وليس الجزر، عند ترسيم الحدود البحرية.

ننتقل الآن إلى النقطة الحساسة في خريطتنا...

في الأساس، هذه مسألة ينبغي لمصر وليبيا الجلوس إلى طاولة واحدة لحلها. لكنها تتضمن أيضاً جوانب تهم تركيا بشكل مباشر. ذلك أن الفرق بين كون الخط في الخريطة «أفقياً» أو «عمودياً» يمسّ شريان الحياة تقريباً للاتفاقية التي أبرمتها تركيا مع ليبيا. كما أن بعض التقديرات التي تشير إلى وجود مكامن للهيدروكربونات في المنطقة المعنية تؤثر بعمق في كثير من موازين القوى في شرق البحر المتوسط. ورغم أن المشهد يبدو معقداً للوهلة الأولى، فإن هناك حلاً يتوافق مع مبدأ «المكسب للجميع». وهذا في الواقع صيغة تقترحها تركيا، وتقوم على جمع تركيا وليبيا ومصر ضمن إطار اقتصادي مشترك، من خلال نموذج يتيح لجميع الأطراف الاستفادة من الغاز الطبيعي والنفط المستخرجين عبر أنشطة التنقيب والتشغيل المشتركة، بما يعزز التضامن فيما بينها.

بل إن تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية سبق أن طرحتا فكرة تأسيس شركة رباعية لاستغلال احتياطيات الغاز الطبيعي المحتملة في محيط قبرص. وكان الطرح يقوم على إمكانية ضمان التقاسم العادل والمتساوي للموارد الطبيعية في الجزيرة، من خلال تلك الشركة الدولية التي ستُنشأ بمعزل عن مسألة اعتراف الدول ببعضها بعضاً من عدمه. بل إن أنقرة ذهبت خطوة أبعد من ذلك، عندما طالبت بعقد «مؤتمر شرق البحر المتوسط» يشمل جميع الدول المشاطئة للمنطقة.

والنتيجة...

كلما أدركت دول شرق البحر المتوسط تكلفة حالة عدم الاستقرار التي تنتجها إسرائيل واليونان، فإن المعادلة ستُعاد صياغتها عاجلاً أم آجلاً. وستكون الغلبة للأطراف التي تتمكن من إيجاد حلول للمسائل المجهولة في هذه المعادلة، بينما ستخسر الأطراف الصغيرة التي تسعى إلى تعظيم مكاسبها عبر حسابات قصيرة الأجل!

 

عن الكاتب

أوكان مدرس أوغلو

كاتب في جريدة صباح


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس