إبراهيم قاراغول - يني شفق

بينما تُتخذ خطوات متسارعة لإشعال حرب مذهبية في سوريا، وتُعاد إلى الواجهة خطط تقسيمها وتقسيم المنطقة بأكملها، تتكشّف في الواقع ملامح صراع شامل تُطرح فيه كل أوراق اللعبة على الطاولة على مستوى العالم بأسره.

هل يُنهي التقارب الأمريكي–الروسي المحور الصيني–الروسي؟ وأين سيكون موقع تركيا وأوروبا في حال حدوث هذا التحول؟ وهل يمكن لحرب الغرب الممتدة لعقود ضد الإسلام أن تنتهي بانقسامه الداخلي؟ تكفي هذه الأسئلة وحدها لتلخيص المشهد الراهن.

إلى متى سيُستخدم "كرت الطائفية"؟

هل تؤدي التصرفات الجنونية الجديدة للمحور الأمريكي–الإسرائيلي إلى احتجاز روسيا وإفساد علاقاتها مع العالم الإسلامي؟ ما مدى صدق رسائل التقارب التي تبعث بها أوروبا إلى تركيا؟ وهل هي خطوات مستقبلية حقيقية، أم مجرد رسائل عابرة؟ وما هي انعكاساتها المحتملة على منطقتنا؟

ما الذي ستثيره التدخلات الجديدة التي تحمل طابع الإبادة الجماعية والتدمير الشامل، والتي تنفذها إسرائيل والولايات المتحدة، من ردود فعل في الحزام الإسلامي الكبير الممتد من المحيط الأطلسي إلى سواحل المحيط الهادئ؟

هل يمكن أن تنتقل الحروب التي تعصف بالأراضي الإسلامية والعربية منذ ثلاثين عامًا إلى جغرافيا جديدة؟ وإلى متى سيواصل الغزو الغربي، القائم على إثارة الصراعات الطائفية والعرقية في منطقتنا، استخدام هذا الكرت؟

لقد دخلنا عالم الجنون

في مرحلة تتسارع فيها تحولات موازين القوى العالمية بشكل جنوني، نحن مضطرون لإنتاج إجابات جادة عن أسئلة مصيرية. اليوم، تعيش كل دولة حالة من الارتباك؛ تحاول أن تتنبأ بالمستقبل، أن تحدد موقفها، أن تحمي نفسها، بل وتحاول بعض الدول استغلال هذه المرحلة الفوضوية لتعزيز قوتها.

الدول التي تمتلك عقلًا استراتيجيًا، وتدرك طبيعة إرثها السياسي وجيناتها التاريخية، وتعي حجم طموحاتها ومكانتها، ستخرج من هذه الضبابية منتصرة. أما الدول الأخرى، فهذه المرحلة تعني لها انهيارًا محتومًا. لأن العالم بات يتحول إلى "عالم الجنون"، حيث أصبحت أكثر الأفكار طيشًا، وأغبى المخططات، وأكثرها تهديدًا للبشرية، أمورًا عادية ومألوفة.

في هذه المرحلة، لا أحد يرحم "العوائق الداخلية"

قد نستيقظ ذات صباح على إعلان "حالة حرب" في دول لم نكن نتوقعها أبدًا. وبينما نحاول فهم ما يحدث، نكتشف أن العالم قد انتقل فجأة إلى مرحلة مختلفة تمامًا. التغيرات قد تحدث بسرعة لا يمكن تصورها.

في عصر الاضطرابات الاستثنائية، لم يعد هناك سبيل سوى أن تكون كل دولة شديدة الحذر، مستعدة لكل الاحتمالات، وقادرة على استخدام القوة إن اقتضى الأمر. وفي مثل هذه الأوضاع، لن تبدي أي دولة أي تسامح تجاه "العوائق الداخلية" التي قد تُضعفها.

لأن هذا التسامح سيكون أكبر مظاهر الضعف والهشاشة. فلنلقِ نظرة على هذه التغيرات السريعة في المحاور، وهي دون شك نُذر لتحولات أكبر، وربما تهديدات أكثر خطورة في المستقبل القريب.

العلاقات التركية–الأوروبية وعضوية تركيا في مجموعة بريكس

تسعى الصين إلى تسريع انضمام تركيا إلى مجموعة بريكس. وبعد التقارب الروسي–الأمريكي، والتصعيد الصيني–الأمريكي تحت شعار "مستعدون لكل أنواع الحروب"، تحاول بكين تعزيز مبادراتها الاقتصادية والجيوسياسية من خلال تركيا. ويبدو أن هناك خارطة طريق تُرسم، إذ يُراد انضمام باكستان وبنغلادش أيضًا إلى هذه المجموعة مع تركيا.

وفي الوقت نفسه، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى التقارب مع تركيا، ويبعث رسائل إيجابية متتالية، ويطرح تساؤلات من قبيل: "أي نوع من العلاقات يمكن أن نبنيها مع تركيا من أجل الدفاع الأوروبي؟"

لكن الحقيقة أن أوروبا لا تثق بتركيا، بل تشعر بالقلق والخوف منها، وتتصرف بحذر شديد. وهذا التوجس موجود أيضًا داخل تركيا. وربما لا يزال الغرب يُمني النفس بإمكانية "إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة" وأن "كل شيء سيعود إلى ما كان عليه بعد ترامب"، لذلك يحاول الحد من تعميق الشرخ الداخلي.

هل تنفجر أزمة كبرى بين تركيا والولايات المتحدة؟

وهل ينهار المحور الروسي–الصيني؟

التقارب السريع بين ترامب وبوتين، والذي بدا وكأنه شراكة كاملة في ملف أوكرانيا، قد لا يكون طويل الأمد، وقد لا يكون كافيًا لكسر المحور الروسي–الصيني.

ومع ذلك، فقد أقلق هذا التحالف أوروبا، وأربك الصين، وفتح أمام تركيا مجالات تأثير غير مسبوقة. فهل تفتح الصين أو الولايات المتحدة أبواب شراكة طويلة الأمد مع تركيا في مجالات الاقتصاد والسياسة والأمن؟ أم أننا سنشهد انفجار أزمة كبيرة بين أنقرة وواشنطن؟ ربما يكون هذا هو أكبر موضع للغموض في الوقت الراهن.

سوريا: إشعال الفوضى مجددًا

تشير التطورات الأخيرة في سوريا إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى إعادة إشعال الحرب الأهلية هناك، بما يخدم أيضًا مصالح إيران، وأنهما تعملان على تقوية يد تنظيم بي كي كي/واي بي جي الإرهابي. وتبدو التحركات الإسرائيلية منسجمة تمامًا مع خرائط أمنها وتوسّعها. وتكشف المعطيات أن إسرائيل تعرقل محاولات نزع سلاح تنظيم بي كي كي/واي بي جي الإرهابي، وأن أجندة "احتلال وتقسيم سوريا" لا تزال حيّة.

هل أقامت الولايات المتحدة وروسيا "طاولة تفاهم" بشأن سوريا أيضًا؟

كيف سيكون "انتحار أمريكا"؟

في هذه اللحظة بالذات، لا بد أن نطرح هذا السؤال: هل يمكن أن تمتد الشراكة التي بدأت بين ترامب وبوتين في أوكرانيا لتشمل سوريا أيضًا باعتبارها "جبهة ثانية"؟ هل أقامت الولايات المتحدة وروسيا طاولة تفاهم جديدة بشأن سوريا أيضًا؟ هل يمكن أن يؤدي هذا الوضع إلى تشكيل تحالف قوى جديد بين روسيا وإسرائيل؟ إن حدث ذلك، فإن منطقتنا ستكون مرشحة لتكون مسرحًا لحروب كبرى جديدة.

وإذا استمرت الانقسامات الحالية والتحالفات الجديدة على هذا النحو، فقد يُفتح بين الصين وأوروبا وتركيا مجال اقتصادي هائل. وقد يتشكّل "حزام اقتصادي جديد" يبدأ من الصين، ويمر بجنوب روسيا وآسيا الوسطى وتركيا، ليصل إلى أوروبا ويمتد نحو إفريقيا. يمكن بناء "حزام جنوبي" جديد.

وعند احتساب الموارد والممرات، يمكن حصر الوجود الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة في نطاق أضيق، وتحويل هذا المشروع إلى حزام سياسي وأمني موازٍ. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الانقسام داخل الغرب، فإن ما يقوم به ترامب حاليًا قد يتحول إلى انتحار حقيقي للولايات المتحدة.

قالوا: "هزمنا السوفييت وهزمنا الإسلام"... لكنهم لم يهزموا أحدًا

انتهى عصر انتصارات الغرب

لقد دخل العالم مرحلة من الضبابية غير المسبوقة. جميع التكتلات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية تفكّكت. ومعها تغيرت مفاهيم التحالف والعداوة والشراكة والتهديد. لا أحد يعلم إلى أين تتجه الأمور، لكن الانقسام داخل الغرب يذكّرنا بفترة الحربين العالميتين.

انتهت هنا "انتصارات الغرب" التي أُعلنت مع انهيار الاتحاد السوفيتي. كانت شعارات مثل "هزمنا السوفييت" و"قضينا على صعود الإسلام" تُقدّم على أنها انتصارات نهائية للغرب، وبمثابة نهاية للتاريخ. لكن الغرب لم يعد "معسكر المنتصرين"، فاليوم، تمتلك كل من الصين وروسيا وتركيا تصوّرات جيوسياسية مستقبلية للقرن الحادي والعشرين تفوق بمراحل التراجع الغربي.

سوريا كانت أول هزيمة لروسيا… لكن أوكرانيا كانت المكافأة

رغم أن الغرب كسب الحرب الباردة، فإنه فشل في بناء نظام عالمي جديد، ولن يستطيع ذلك بعد الآن. فقد قوّته وسرعته وأفكاره الكبرى. لكن روسيا أعادت بناء نفسها، وبدأت سعيها للعودة إلى مجد الاتحاد السوفيتي، وحققت مكاسب كبيرة ومناطق نفوذ واسعة. نشهد اليوم أمثلة التمدد الروسي من أوروبا الشرقية إلى البحر المتوسط، ومن إيران إلى إفريقيا.

ومع ذلك، فإن سقوط النظام في سوريا مثّل أول هزيمة حقيقية لروسيا في سياق توسعها. لكن تقاربها مع الولايات المتحدة منحها أوكرانيا كتعويض.

وفقًا لخطابات ترامب، يمكن القول إن روسيا خسرت سوريا، لكنها ربحت أوكرانيا. وهنا تظهر الخطورة الحقيقية: ماذا لو كان هناك أيضًا تفاهم حول سوريا؟

الهجوم الصليبي الأخير مستمر منذ 35 عامًا

العالم الغربي ـ الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل ـ يشن منذ خمسة وثلاثين عامًا غزوًا صليبيًا ضد العالم الإسلامي. سواء أطلقتم عليه "حربًا على الإرهاب"، أو "غزو العراق"، أو "احتلال أفغانستان"، أو نظرتم إلى كل أزمة على أنها حالة منفصلة، فالحقيقة أن كل هذه الأحداث كانت جزءًا من مشروع غربي لإعادة السيطرة على العالم الإسلامي.

كل الشعارات، وكل المصطلحات، وكل الحروب، والصراعات المذهبية والعرقية، وتشكيل التنظيمات الإرهابية واستخدامها، جميعها بُنيت في إطار هذا المخطط الكبير. وكان آخر مثال على ذلك المجازر الجماعية في غزة، التي نُفذت بدعم غربي مشترك. ومع ذلك، خسر الغرب هذه الحرب أيضًا. لم ينتصر. ولن ينتصر.

الفوضى الكبرى هي الفرصة الكبرى… سوريا هي نقطة التحوّل

المراحل التي تشهد فوضى كبرى وغموضًا عميقًا وتحولات في المحاور تفتح فرصًا استثنائية. والدول الذكية، التي تعرف ما تريد، وتملك رؤية وطموحًا، يمكنها أن تنمو وتنهض في مثل هذه الفترات.

وتركيا، في هذه اللحظة تحديدًا، تحقق قفزة في القوة، وتسعى إلى إعادة كتابة التاريخ بصفتها "قوة عظمى". وهذا أمر ممكن، بل أصبح واقعًا. نرى ذلك في نتائج تحركاتها الكبرى، وفي الهلع الذي تبديه القوى المعادية التي تسعى لوقفها.

اقضِ على تنظيم بي كي كي، تنقذ سوريا
عندما تنقذ سوريا، تقوض نفوذ إسرائيل

المهمة العاجلة الآن هي حماية وحدة الأراضي السورية وإنقاذ هذا البلد. فسوريا هي نقطة التحوّل في الشرق الأوسط. وعندما فُك هذا الرباط، اندلعت حرب دامية استمرت 14 عامًا، شهدت مجازر إنسانية مروّعة. والآن تُعاد عقدة سوريا مجددًا. ولا يمكن السماح لإسرائيل، أو الولايات المتحدة، أو إيران، أن تحلّ هذه العقدة مرة أخرى بما يخدم أجنداتها. في هذه اللحظة، هناك حاجة ماسة إلى قرارات استثنائية.

إذا لم يتم القضاء على وجود تنظيم بي كي كي الإرهابي شرق الفرات، فإن استقرار سوريا سيكون مستحيلًا. وإذا لم تستعيد سوريا استقرارها فلن يمكن كبح جماح إسرائيل.

بمعنى آخر، تركيا اليوم على خط استراتيجي يقول:

اقضِ على تنظيم بي كي كي، تنقذ سوريا

عندما تنقذ سوريا، تقوض نفوذ إسرائيل

عن الكاتب

إبراهيم قاراغول

كاتب تركي - رئيس تحرير صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!